الجزء الأول: من نحن؟

كتابات رأي

الجمعة, 17-01-2020 الوقت 03:01:56 مساءً

من نحن؟ سؤال يجب على كل جنوبي ان يجب عليه حتى نفهم أنفسنا ومنها نعرف ماذا نريد، وكيف نصل لما نريد؟!

قبل ان نعرف كيف تشكل العقل الجنوبي علينا ان نعرف كيف يتشكل الإطار الفكري للفرد او للشخص -والمقصود بالإطار الفكري هو المجال الذي يستطيع الفرد التفكير من خلاله -  وحسب التركيبة الفسيولوجية للإنسان فإن العقل يتركب من عقل باطن وعقل ظاهر حيث تستقر الأفكار الرئيسية  مثل العقيدة والعادات والتقاليد والأشياء المسلم بها في العقل الباطن وتستقر الآراء والأفكار القابلة للنقاش والمفضلات والمكروهات في العقل الظاهر اي ان العقل الظاهر هو من يدير عملية التفكير بشرط ان لا تتنافى مع ما هو مخزون بالعقل الباطن لإنه لا يسمح بتجاوزها وهكذا يتشكل الإطار الفكري للفرد بحيث لا يستطيع الفرد تجاوز عقله الباطن.

ومثل ما أسلفنا ان العقل الباطن يتأثر من البيئة المحيطة التي تصنع قيوده وهي العادات والتقاليد والحضارة والعقيدة والتعليم والعامل الأخير كلما زاد في التعدد او التنوع كلما كان الإطار الفكري أوسع وأشمل .   

من المقدمة السابقة نطرح السؤال التالي ثم نجيب عليه " هل نحن الجنوبيين أتينا من بيئة واحد ومن عادات وتقاليد واحدة ومن عقيدة واحدة وحضارة واحدة ؟! اي هل أطُرنا الفكرية واحدة ؟"

للإجابة على هذا السؤال علينا ان ندرس اولاً الخلفية الإجتماعية للمجتمع الجنوبي في مختلف الجغرافيا الجنوبية بإعتبار ان اللغة والعقيدة واحدة والاختلاف هو في الخلفية الحضارية والمقصود بالخلفية الحضارية هي الأصول والأعراف والتضاريس التي شكلت النظام الإجتماعي لكل جماعة مندمجة مع بعضها.

اولاً: الخلفية الحضارية 
 ولهذا فالمجتمع الجنوبي جاء من ثلاث حضارات حسب التضاريس وهي:

١- الحضارة الصحراوية (حياة البداوية):
وهي تشكل الغالبية من المجتمع الجنوبي تقطن محافظة حضرموت وشبوة وأجزاء من أبين وأجزاء من المهرة وقد أكتسب المنتمين لهذه الحضارة عادات وتقاليد خاصة بطبيعة الصحراء وطريقة العيش فيها المرتكزة على التنقل في البحث عن الصيد والغزو وهي حضارة تعزز الإنطواء وقلة الإحتكاك على البيئات المحيطة بها وان كانت تنتمي لنفس الحضارة ولكن سلوك الغزو والروابط العرقية تجعلها على شكل جماعات متباينة وهذا العادات القديمة حتى وان انتهت في زمننا الحاضر لكنها مازالت موجودة في العقل الباطن للإنسان البدوي وتسيطر على كثير من أفكاره وتصنع إطاره الفكري إلا ان الكثير من المنتمين لهذه الخلفية قد تخلصوا منها بفعل الهجرة والاحتكاك بمجتمعات أخرى اثرت بإطرهم الفكرية وسلوكهم الفكري بالذات في ساحل حضرموت " المكلا ". 

٢- الحياة الريفية (الحضارة القروية) 

وهي تعبر أقل تمسكاً بالعادات والتقاليد وأكثر انفتاحاً على بعضها بسبب ممارسة معظم المنتمين لها مهنة الزراعة والرعي وبفعل إختلاط الأودية وتقارب المزارع التي لا تنفصل على حسب العرق او القبيلة كما ان سلطة الحزب قضت على كثير من عاداتها لنفوذ أنصارها بهذه المناطق. تجد ان أبناء هذه الحضارة أكثر انفتاحاً على بعضها، ولكن لازالت بعض العادات والتقاليد تسيطر على طريقة التفكير مثل المصالح وتحقيق الذات وان كان على حساب أشياء أخرى تتعلق بمصالح العامة وهذه الحضارة تتمركز في الأجزاء الشمالية من لحج وأبين والأجزاء الجبلية من المهرة ولها إطارها الفكري الخاص الذي تفكر من خلاله.

٣- الحياة المدنية ( الحضارة القادمة او المتأثرة بالإستعمار البريطاني)

 وهذه الحضارة نشأت في عدن والأجزاء الجنوبية من لحج "الحوطة" بسبب التنوع السكاني الذي اوجده الإستعمار البريطاني فيها حيث تم تعايش العدنيين الأصليين والذي يقدر عدد سكانهم ٢٠٠٠ نسمة عند دخول البريطانيين تعايشوا مع الهنود التي أستقدمتهم بريطانيا من موظفي شركة الهند الشرقية البريطانية التي كانت تعتبر عدن محطة لنقل البضالع بين الهند وأروبا بالإضافة الى بقية العوائل البريطانية التابعة لضباط وجنود وسياح.
وهذا التعايش نقل الصفات المدنية للمجتمع الغربي لهذه المدينة وأتسمت به وساهمت في تشكل الإطار الفكري للمجمتع القاطن عليها ومازال حتى اليوم يتمتع سكانها الأصليين بنفس النمط الفكري وسلوك الحياة لهذا تجده يرفض السلوكيين الجبلي والصحراوي لإختلاف اسلوب التفكير والنظرة للحياة. 

هذا كيف تشكل العقل الجنوبي من الناحية الإجتماعية، وكيفية طريقة تفكيرهم حسب الإطار الفكري المستمد من الحضارة التي أتى منها. ويتضح ان المجتمع الجنوبي يفكر عن طريق ثلاثة أطر فكرية كل إطار يختلف عن الآخر. 

ثانياً: الخلفية السياسية والتاريخية 
الخلفية الثانية هي الخلفية السياسية ويقصد بها التاريخ السياسي وأحداثه وتأثيره على التركيبة الاجتماعية وتَشَكُّل الإطار الفكري وبناء العقل السياسي للفرد الجنوبي وهذا تنقسم الى ثلاث مراحل كل مرحلة لها مميزاتها ولها سماتها التي ساهمت في تشكيل العقل الجنوبي وأطره الفكرية.

وهذه المراحل هي: 
مرحلة الإستعمار ومرحلة سلطة الحزب ومرحلة الوحدة وكل مرحلة لها تأثيرها في تشكل العقل الجنوبي نوضح كل واحدة على حده: 

١- مرحلة الاستعمار البريطاني:
كان الاحتلال البريطاني له إستراتيجية خاصة في إخضاع الشعوب المستعمرة وكان أهمها إستراتيجية فرق تسد والذي أستخدمها في كثير من الدول منها الجنوب والهند والملايا او ما يعرف اليوم بماليزيا وسنغافورة. 
كان لهذه الاستراتيجية أثر عظيم على النسيج الإجتماعي في هذه البلدان حيث عزز من تفككها وزرع عدم الثقة بين المنطقة والمناطق المجاورة لها. وهذا الشئ ملحوظ وبشكل كبير في الجنوب وبعضهم يعزوه الى أحداث قريبة وهو في الحقيقة تعود الى مرحلة الإستعمار البريطاني فمثلاً نرى أن هناك خلاف بين مناطق بلاد الشاعري والمناطق الجبلية المحيطة مثل لزارق وجحاف وحرير، وكذلك صعيد شبوة مع مناطق عتق وما حولها، دثينة أو مودية وما حولها مع زنجبار وما حولها، ساحل حضرموت مع وادي حضرموت.
كل هذه التمايز المجتمعي بين هذه المناطق هي ناتجة عن استراتيجية الاستعمار البريطاني وقد ساهمت هذه الاستراتيجية في صناعة الأطر الفكرية للعقل الجنوبي ادى الى صناعة مجتمع متشكك بكل شئ ولا يثق بقداراته ومكانته وهذا الفعل كان نواة تفكك النسيج الإجتماعي. 

٢- مرحلة سلطة الحزب 
لا نعيد هنا سرد الأحداث التي جرت بين الجبهة القومية وجبهة التحرير وأنتصار جبهة التحرير ما يهمنا هو ما بعد هذا الأحداث التي أدت الى سيطرة العقل القروي على مقاليد الحكم وإقصاء العقل الفعّال الفكري الذي أنتجه حراك النقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية في خمسينات القرن الماضي وأصبح العقل القروي هو من يدير الدولة ولكن كيف يديرها وما هي الخلفية التي جاء منها،  لقد تأثر هذا العقل إيضاً بالجبهة الوطنية لتحرير شمال اليمن " حوشي" بل تغلغلت فيه حتى أصبحت هي من تديره وهنا بدأ إستهدافها للمناطق التي تختلف عنها في الإطار الفكري وأسست سلطة أهدافها هي أهداف "حوشي " وسخرت كل أمكانياتها لصالح تلك الأهداف بعيداً عن مصالح العامة ومصالح النسيج الإجتماعي الذي يحتاج الى الترميم بعد ممارسة الاستعمار. بل جاءت هذه السلطة وعززت انقسام النسيج الإجتماعي بعقليتها الدموية مما اضطر الكثير الى الهجرة والبعض الآخر الخضوع.
هذه الأحداث وطريقة إدارة الدولة كانت جزءً من تشكل الإطار الفكري الناقم عليها وعلى المناطق التي أتى منها وهذا واضح وجلي للجميع، حتى ان هذه السلطة وأدت نفسها لنفسها بصراعها مع نفسها بفعل تمركز القوى المسيطرة فيها على منطقتين وبفعل وجود الطرف الثالث الذي يفكر نيابة عن الجميع حصلت أحداث ٧٢م وأحداث ٧٨م وكان أخرها كارثة ٨٦م . 

وهذه كما أوردنا عوامل ساهمت في تشكيل العقل الجنوبي البسيط وإطاره الفكري وزاد من عدم ثقته بالأنظمة السياسية الجنوبية وروادها بل بالمدرسة السياسية الجنوبية برمتها الغائبة الى يومنا هذا . . 

هذه الأحداث حددت طريقة تفكير مختلفة عند الأفراد المتضررة من تلك الحقبة وإيضاً طريقة تفكير مختلفة عند الأفراد المناصرين، لها أنتج لنا عقلين مختلفين داخل نسيج واحد أنتج نسيج إجتماعي متفكك إيضاً .

المرحلة الثالثة هي مرحلة الوحدة، وهذه المرحلة لا داعي ان نشرحها لأننا تقريباً كلنا عشناها وعشنا آثارها التي زادت إيضاً من تفكك النسيج الإجتماعي ولعبت الأحزاب اليمنية على تغذية العقول وخطفت الولاء بتغذية الأطر الفكرية للفرد وصناعة إطر تفكر بإطار فكري متأثر بخلفيات حضارية وإجتماعية شمالية، واهمها عودة دور القبيلة وتغذية صراعاتها وشجعت كل ما انتجته المراحل السياسية السابقة ليستمر أستحواذها على الجنوب، وكل هذه الأفعال انتجت طرق تفكير جديد وساهمت في صناعة أطر فكرية جنوبية تنتمي إليها أو ناقمة على المراحل السابقة وترى انها (اي القوى الشمالية ) أكثر اماناً لها من مناطق جنوبية اخرى.

اعتقد الى هنا عرفنا من هو الجنوبي وكيف يفكر والهدف من هذا التحليل هو إيجاد مشروع جنوبي يحتوي كل هذه الأطر الفكرية كما هي ويعمل على إعادة ترميها ولاستعادة صلابة النسيج الاجتماعي الجنوبي.

لهذا نقول ان الشبواني لا يمكن ان يفكر مثل الضالعي او اليافعي كذلك العدني ويجب على المجلس الانتقالي ان يكون لديه مشروع يحتوي الأطر الفكرية كما هي وان يكسب ثقتها كما هي وان يفكر معهم بنفس العقل والإطار الفكري.

وبعد ان عرفنا "من نحن ؟! " سنجيب بالحلقة القادمة عن السؤال الذي يليه "ماذا نريد ؟!" والذي بدأت ملامح إجابته في هذه الحلقة.