اليمن ليس هوية سياسية

كتابات رأي

الإثنين, 03-08-2020 الساعة 07:19 مساءً بتوقيت عدن

دعونا  نتفق أن الهوية السياسية الموَّحدة للجنوب والشمال لم تكن موجودة في أي وقت من الأوقات، إلا بعد تحقيق وحدة 22 مايو/آيار في عام 1990، وانتهت هذه الهوية تماما في 7 يوليو/تموز 1994. إنّ اليمن بمفهومها الحقيقي أبعد ما تكون عن الهوية السياسية للجنوب والشمال، بل هي هوية جغرافية واجتماعية -إلى حد ما- وهذا شيء لا يختلف عليه اثنان.

الإقرار بهذه الحقيقة يساعد على فهم وحل كثير من الأمور، في الجنوب هنالك نزعة كبيرة لرمي الهوية اليمنية بكل أوجهها نتيجة لاستغلال هذه الهوية في ترسيخ احتلال الجنوب، وهذا خطأ فادح، معالجة الخطأ بخطأ أكبر منه لا يسهم في حل أي شيء.

شمالاً يتم الترويج للهوية اليمنية السياسية بشدة، ويصل البعض من الأكاديميين والنخب الشمالية إلى حد التأكيد على أن الجنوب والشمال كانا موحدان منذ الأزل، ولديهما هوية سياسية واحدة، وهذه من أكبر المغالطات التأريخية التي قد نسمعها يوماً، لم يحتكم الشمال والجنوب لدولة واحدة ونظام واحد وهوية سياسية واحدة طوال تاريخهما، ولطالما كانت هناك حدود سياسية فاصلة بينهما، عززتها فيما بعد الهوية المذهبية (زيود وشوافع) بشكلٍ كبير.

لم يكن اليمن بمفهومه السياسي موجودا على الإطلاق
 ولكن الهوية اليمنية الجغرافية والاجتماعية موجودة 
وبعيداً عن تطرف الشمال والجنوب بشأن الهوية اليمنية، تُشكّل الهوية اليمنية هوية جغرافية واجتماعية للشمال والجنوب على حد سواء، مثلها في ذلك مثل الهوية الشامية، الفلسطيني والأردني والسوري واللبناني يعترفون جميعا بهويتهم الشامية كهوية جغرافية واجتماعية، ولكنهم يتميزون بهويات سياسية مختلفة، لكل واحد منهم دولته الخاصة ذات السيادة والتي لا يمكن التدخل في شؤونها تحت مسمى هذه الهوية.

دول الخليج كذلك، هويتها الجغرافية والاجتماعية هي الخليج، لكنها تتميز بهويات سياسية مختلفة، هنالك 6 دول في الخليج يتمتع كل منها بسيادته واستقلاليته الخاصة، لم تحاول السعودية يوما ضم قطر أو البحرين تحت مسمى الهوية السياسية الخليجية الموحدة أبداً، إن المساعي الخليجية لإيجاد هوية سياسية خليجية موحّدة تكون الهوية الجغرافية أرضيتها الصلبة لا زالت في نقطة البداية، ويشكل مجلس التعاون الخليجي إحدى أهم الخطوات في سبيل تحقيق ذلك.

دول المغرب العربي أيضاً تُقّر بهوية جغرافية واجتماعية موحدة تجمعها، ومثل الشام والخليج، لديها هويات سياسية خاصة، هنالك الجزائر والمغرب وليبيا وتونس وموريتانيا، كلها هويات سياسية مستقلة ضمن هوية جغرافية واحدة هي المغرب العربي، وعند أخذ الهوية الجغرافية بشكل أوسع، نجد أن كافة الدول العربية تجمعها هوية جغرافية واجتماعية واحدة هي الوطن العربي، ولكنها في نفس الوقت تتمتع بما يزيد عن 21 هوية سياسة مختلفة.

إنّ وجود هويتين سياسيتين مستقلتين في اليمن
لا يلغي هذه الهوية بأبعادها الجغرافية والاجتماعية والتاريخية 
قد يقول قائل إن هذه الهويات السياسية ليست إلا حصيلة لـ "سايكس بيكو"، هذا الأمر صحيح من عدة جوانب إلا أنه من الإجحاف إنكار أن تقسيم سايكس بيكو اعتمد على معطيات واقعية، كانت الهويات السياسية الحالية موجودة بنسبة كبيرة قبل سايكس بيكو ويمتد بعضها لقرون في التاريخ، لم يقم اتفاق سايكس بيكو بشيء جديد كلياً، إنما عزز هويات سياسية موجودة ورسم بينها حدوداً.

يجب أن نتجاوز في اليمن مسألة الهوية اليمنية السياسية. لم يكن اليمن بمفهومه السياسي موجودا على الإطلاق، ولكن الهوية اليمنية الجغرافية والاجتماعية موجودة، وهي هوية يجب الاعتزاز بها شمالاً وجنوباً، قامت على اليمن الجغرافي دول وحضارات ضاربة بجذورها في التاريخ، ولأهل اليمن فضائل كثيرة بعد الإسلام ذكرتها السنة النبوية المطهرة. إنّ وجود هويتين سياسيتين مستقلتين في اليمن لا يلغي هذه الهوية بأبعادها الجغرافية والاجتماعية والتاريخية، بل قد يكون الحل للخطأ التاريخي المتمثل باليمن السياسي الذي تم استحداثه بعد عام 90.

كلمات مفتاحية: اليمن جنوب اليمن الجنوب العربي جمهورية اليمن الديمقراطية الجمهورية العربية اليمنية الهوية اليمنية الخليج العربي الشام