عيد أكتوبر.. دروسٌ من تاريخ الجنوب

كتابات رأي

الثلاثاء, 13-10-2020 الوقت 11:11:12 مساءً بتوقيت عدن

في جوفِ جبلٍ من جبال ردفان الشامخة، ثُلةٌ من الرجال بمآزرهم الشعبية البسيطة والبالية يحملون على أكتافهم بندقية "كَندةَ"، يتوسطهم رجلٌ شجاع قُدّر له أن يكون مُفجر ثورة الرابع عشر من أكتوبر ضد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لكنها غابت وأفلت في جبال ردفان وسواحل عدن وأبين ومدن وبوادي الجنوب، إنّه الشهيد الخالد في صفحات التاريخ وقلوب الأحرار، غالب بن راجح لبوزة، الذي استطاع - مع الثوار بجانبه - تغييب شمس "بريطانيا العظمى"، في جنوب اليمن.

"سببت صدمة 22 مايو اختلالاً في المفاهيم، وأعادت رسم التاريخ بشكل مغلوط، وثورة أكتوبر هي إحدى هذه المفاهيم"

تحّلُ علينا ذكرى هذه الثورة العظيمة في ظل أوضاع قاسية يعيشها الجنوبيون منذ ابتلاع دولتهم الفتية في 22 مايو/أيار 1990 بوحدة اندماجية مع العربية اليمنية (شمال اليمن)، و22 مايو هو بوابة تاريخية لسلسلة من "بلاءٍ مفتوحٍ" أُصيب به شعب الجنوب وخسر بسببه كثير من منجزات أكتوبر، وفقد على إثره عشرات الآلاف من الشهداء، وأضعافهم من الجرحى والمُعاقين نفسياً جسدياً، والمُعتقلين والمُختطفين والمُغيبين، وجيشٌ عربي قوي أُقعد قسراً في البيت تحت شعار "خليك بالبيت".

وما بين أكتوبر الأمس وأكتوبر اليوم تاريخ طويل مليءٌ بالعبر والدروس التي يجب أن نتعلمها ونعيها ونستفيد منها جنوباً كي نتجنب تكرار الخطأ، ونُضيّع مستقبل الجنوب لعقود أخرى من الزمن. إنّ الصدمة السياسية والاجتماعية المتمثلة بوحدة مايو سببت اختلالات خطيرة في المفاهيم وأعادت رسم التاريخ بمراحله الطوال بشكلٍ مغلوط ومتناقض.

النظرة إلى ثورة أكتوبر إحدى أبرز هذه الاختلالات. شريحة واسعة من أبناء الجنوب تتمنى لو بمقدورها العودة بالزمن إلى الوراء لإيقاف ثورة أكتوبر التي كانت - كما يقول هؤلاء - بداية مخطط "الابتلاع" و "اليمننة" السياسية للجنوب، وهذا ليس صحيحاً. كانت ثورةُ أكتوبر شعلةٌ ضمن لهب التحرر من نير المستعمر الأوروبي في أرجاء الوطن العربي ودول العالم التي أطلق عليها هذا المُحتل لقب "دول العالم الثالث".

مررنا جنوبا بتجربة سياسية تاريخية تستحق الاحترام والإجلال والإكبار، مرحلةٌ- بغض النظر عن سلبياتها وأخطائها الكثيرة- أثبَت فيها الشعب الجنوبي كفاءته وقدرته على بناء وإدارة دولة مدنية قوية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، ورغم حداثه هذه الدولة استطاعت أن تشقَّ طريقها نحو التميز على المستويين الإقليمي والعربي، فحققت إنجازات باهرة في مجال التعليم والصحة وحقوق المرأة ومجالات أخرى كثيرة وسط محيط مُتخلّف عنّا بأشواط.

خسرنا هذه الدولة في مايو 90 نتيجة لتراكم الأخطاء والسلبيات التي رافقت تكوينها والتي فارت كفوهة بركان في 13 يناير 1986، وهي الأخطاء الجسيمة التي يجب أن نتعلم منها - وما أحوجنا اليوم وبهذه المرحلة بالذات - إلى ذلك. لطالما حاولتُ التأكّيد على أننا لا يجب أن نتوقف عند مرحلة ما من التاريخ، لا يجب أن نتوقف عند 1969 أو 1978 أو 1986 أو 1990 أو 1994، بل يجب علينا أن نتعلم من هذه المحطات في تاريخنا الجنوبي.

"مررنا في الجنوب بتجربة سياسية تاريخية أثبت فيها الشعب الجنوبي مقدرته وكفاءته على بناء الدولة المدنية الحديثة"

قطعنا شوطاً كبيراً في مسيرة التصحيح والتعلّم من الأخطاء هذه، وأبرز ما قطعناه كان في جبل ردفان عام 2007، إنه يوم التصالح والتسامح العظيم، ولكن لا زال أمامنا الكثير لتعلّمه. من أهم أسباب خسارتنا للجنوب هو الولاء الشديد للأفكار والأيدولوجيات الي نعتنقها على حساب الجنوب، نُحر الجنوب على مذبح "القومية البعثية" التي فشلت في كل مكان، وكان ثمن الولاء لها هو خسارتنا للدولة بوحدتنا مع اللادولة، وتقديم الجنوب على طبق من فضة لمن لا يعرف قومية ولا بعثية ولا أيدلوجية غير النهب والفيد، كان ثمن الولاء المُفرط للأيدلوجيا التي حكمت الجنوب هو تسليم رقاب الشعبين في الشمال والجنوب لخليط من الإرهابيين وقُطاع الطرق.

إنّنا اليوم نقف على مفترق طرق، وأصبحنا قاب قوسين أو أدنى من تغيير واقعنا وعودة دولتنا، ورغم الأخطار المحدقة التي تُحيط بقضيتنا الجنوبية إلا أنّ هذه القضية محروسة بدماء الثورة الجنوبية وشهداء الجنوب في حروبه المستمرة طيلة ما يقارب الثلاثة عقود في سبيل كيانه واعتباره وهويته.

قِربّوا ولا تُنفّروا، الجنوب أولاً قبل أي فكرة أو ايدلوجيا أو مشروع قد تختاره دولتنا القادمة، وكثيرةٌ هي هذه المشاريع التي نسمع عنها اليوم. إنّ الهوية المناطقية جزءٌ أصيلٌ منّا في الجنوب وأنا لا أطلب تركها بشكل خالص كما يقول البعض، لأنّ هذه هي إحدى نقاط الضعف التي هاجمنا منها العدو، لكن يجب إعادة هذه الهوية المناطقية في اتجاهها الصحيح في سبيل تعزيز الهوية الجنوبية الجامعة.

كلمات مفتاحية: ثورة 14 أكتوبر جنوب اليمن غالب بن راجح لبوزة العربية اليمنية