إهانة المعتقدات تناقض الحرية

كتابات رأي

الأربعاء, 28-10-2020 الوقت 06:20:08 صباحاً بتوقيت عدن

يشهد العالم الإسلامي تطورات خطيرة مؤخراً، وتحديداً بعد التصرفات الخاطئة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أعلن عن دعمه وتأييده لنشر رسوم ضد خاتم الأنبياء، محمد صلى الله عليه وسلم، والتي أثارت ردودً غاضبةً في البلدان الإسلامية لما للنبي محمد من قدسية عند المسلمين فهو رحمة الإله المهداة للثقلين (الأنس والجان).

"لا يمكن الحرية أن تستقيم دون عدالة، ولا يمكن للعدالة أن تتجسد دون مساواة، ولا يمكن لكل تلك القيم أن تجد طريقها إلى النور أن لم تكن مبنية على احترام معتقدات وقيم الأمم الأخرى"

المستغرب في الأمر أنّ البرلمان الأوروبي- رغم تبنيه الحوار لأي قضية في سبيل تحقيق السلام- إلا إنه يعتبر من حق أوروبا الدفاع عن قيمها، ومن تلك القيم، حرية الرأي والتعبير، وهنا لسنا بصدد انتقاد اتحاد يضم أكثرّ من 18 دولة بينها اقتصادات عظمى ودول كبرى، لكننا نحاول إيضاح الأمر من زاويتنا نحن، ونعبر عن آرائنا الخاصة. 

تُعتبر فرنسا أولى دولة أوروبياً وربما عالمياً تقوم فيها ثورة إنسانية حقيقية ضد نظام الحكم الملكي المطلق المُدعم بالسلطة الدينية (الكنيسة)، ونادت ثورة فرنسا في العام 1789 بثلاثة مبادئً هي: الحرية، العدالة، المساواة. لا يمكن الحرية أن تستقيم دون عدالة، ولا يمكن للعدالة أن تتجسد دون مساواة، ولا يمكن لكل تلك القيم أن تجد طريقها إلى النور إن لم تكن مبنية على احترام معتقدات وقيم الأمم الأخرى.

القانون الفرنسي يُجرّم ويُحرّم المساس أو النقد أو حتى التشكيك بما يُعرف بـ الهولوكوست ( المحرقة النازية لليهود)، فقانون فرنسا يُقر بحدوث محرقة لليهود من قبل النظام النازي في ألمانيا، في عهد أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية، كما أنه يُجرّم كل من يهين علم فرنسا، وقد تصل العقوبة في هاتين المسألتين إلى السجن أو التغريم المالي.

"إذا كان المساس بالعلم أو النشيد الوطني من القيم الوطنية التي يجب أن لا يطالها مبدأ حرية الرأي فإن المعتقد هو الآخر يعتبر من القيم الإنسانية التي لا يجب أن تكون الإساءة لها ضمن إطار حرية الرأي"

نحن هنا لا ننتقد القانون الوطني الفرنسي، ولا نُقيّم قوانين فُرنسا، ولا ندعوا الى الخوض في مسألة المحرقة أو للتشكيك بها، أو ندعو إلى إهانة العلم الفرنسي لكونه يرمز لوطنية فرنسا، ولكن نستغرب كيف لدولة كـ فرنسا بكل ما تملكه من إرث ثقافي وتقدّم علمي وفنون عظيمة أن لا تُعدّل قوانينها وتسن قوانين تمنع المساس بمعتقدات الآخرين.

يجب أن تفعل فرنسا ذلك لكون المعتقدات وخاصة معتقدات الديانات الكبرى تُعتبرُ من القيم العظمى في حياة المجتمعات التي تدين بهذه الديانات، الكتب السماوية وأنبياء الله تعالى لا يجوز أن يصبح المساس بهما من باب حرية الرأي. إنّ جرح مشاعر المليارات من الناس في العالم تعتبر خطيئة بحد ذاتها، وإذا كان المساس بالعلم أو النشيد الوطني من القيم الوطنية التي يجب أن لا يطالها مبدأ حرية الرأي، فإنّ المعتقد هو الآخر يُعتبر من القيم الإنسانية التي لا يجب أن تكون الإساءة لها ضمن إطار حرية الرأي.

نتمنى من فرنسا أن تعمل على تعديل بعض تشريعاتها، إنه لمن المستغرب أيضاً أن يكون رئيس فرنسا أقل حكمة من قادة نيوزلندا وأستراليا، الذين كان خطابهم الى المسلمين من شعوبهم خطاباً ليّنا يحترم معتقداتهم، وهو الخطاب الذي كان له عظيم الأثر في تحجيم مشكلات حدثت في تلك البلدان أكبر من مشكلة قتل المعلم الفرنسي من قبل الشاب الشيشاني المسلم.

كلمات مفتاحية: ماكرون فرنسا الرسوم المسيئة النبي محمد الهولوكوست