اتفاقُ الرياض والانتخابات الامريكية

كتابات رأي

الثلاثاء, 17-11-2020 الوقت 07:50:59 مساءً بتوقيت عدن

يقول الثائر والمفكر الأمريكي، مارتن لوثر كينج، والذي قاد أشهر حركات الحقوق المدنية في تاريخ الولايات المتحدة: "لن يبقى الناس المقموعون على حالهم إلى الأبد إذ أن التوق للحرية يتجلى في نهاية المطاف". معنى المقولة أنّ المقموعين المضطهدين ينتقلون مع مزيد من الاضطهاد والاذلال من مرحلة الاستسلام والانكسار والصوت المنخفض الى مرحلة الرفض والثورة، وبالتالي المقاومة، وكلما كانت المقاومة أكثر صدقاً ونقاءً كان النصرُ حليفها.

 اقتحامُ الجنوب عام 2015، والمقاومة الشرسة التي ابداها الجنوبيين ضد الحوثيين حتى قبل إعلان التحالف الحرب، والدماء التي سالت والشهداء الذين سقطوا جعلت الهوة أكثر اتساعاً بين الشمال والجنوب، وبالتالي أصبح لدينا معطيات جديدة أفرزها الواقع الاجتماعي والسياسي في الجنوب الذي عاش فترة ما بعد 1994، حتى 2015، على أساس مفهوم الشمال المنتصر والجنوب الخاضع المهزوم.

لعب حزب الإصلاح دوراً كبيراً في حرب 1994، وقاتل في صفوفه جنوبيين كما قاتل مع علي عبد الله صالح قيادات جنوبية احتضنها بعد أحداث 1986 في الجنوب، ولجأت اليه بعد هزيمتها وعلى رأسها عبدربه منصور هادي الذي عَينه لاحقا نائباً للرئيس ليضاف للحرب طرفان، أحدهما يقاتل برغبة الانتقام والعودة للسيطرة من جديد، والآخر الإسلامي اعلن تكفير الشعب الجنوبي بأكمله ساعياً بعد اقتحام عدن لنشر ثقافة التطرف والتكفير.

 قامت عناصر التنظيم بتدمير الاضرحة والمقابر، وبدأ بعضهم يدعوا إلى هدم المعابد اليهودية والهندوسية والكنائس التاريخية التي تقع في أماكن مختلفة داخل عدن، كما قاموا بتغيير أسماء المدارس والمعاهد الى أسماء قيادات إسلامية بهدف التحضير لسيطرة دينية متشددة، على غرار خلافة مُصغرة بعد ن أوحى لهم صالح بذلك كنوع من المكافأة بعد اقتحام عاصمة الجنوب عدن في 1994.

"إنَّ السيطرة على الجنوب حلمٌ إخواني قديم أعاد التحالف العربي إحياءه من جديد من خلال دعم هذه الجماعة بالمال والسلاح تحت مظلة ما يسمى جيش وطني"

 إلا أنّه لم يُمكن- أي علي عبد الله صالح- الجماعة من تحقيق هدفها لاحقاً، وكان هذا أحد أسباب بدايات الخلاف معهم، حيث تم الحد من تطلعاتهم مؤقتاً بعد الهجوم الانتحاري الذي تبنّته القاعدة على المدمرة الامريكية (يو إس إس كول)، والذي أدّى الى مصرع أكثر من 18 أمريكي، وإصابة 38 بجروح، وكان سيؤدى إلى رد فعلٍ عسكريٍ عنيفٍ وغاضبٍ من قبل الولايات المتحدة، إلا أنّه تم تهدئة الأمور بعد تعهدات حكومية بمزيد من الإجراءات الأمنية ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة والتي يقع كثير منها تحت عباءة حزب.

"تحوّل عبد ربه منصور هادي إلى أداة بيد الإخوان المسلمين الذين تحالف معهم بعد أن استوعب تماماً انّه لم يعد مقبولً في الداخل الشمالي او الجنوبي"

الغرضُ من هذا السرد التاريخي المختصر، هو الإشارة والتوضيح إنَّ السيطرة على الجنوب حلمٌ إخواني قديم أعاد التحالف العربي إحياءه من جديد من خلال دعم هذه الجماعة بالمال والسلاح تحت مظلة ما يسمى جيش وطني، والذي في حقيقته عبارة عن مليشيات عسكرية وقبلية مسلحة موالية لحزب الإصلاح، ظلت تنتظر الفرصة المواتية للانقضاض على الجنوب من محافظة مأرب ليصبح القتال جنوباً هو الهدف الرئيسي، وليس تحرير صنعاء من الانقلابيين الحوثيين .

الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي يعتبر عملياً منتهياً ولايته، لكنّه يحظّى بشرعية دولية يستمدها من قرار مجلس الامن الدولي 2216، والذي وضع اليمن تحت البند السابع، تحوّل إلى أداة بيد الاخوان المسلمين الذين تحالف معهم بعد أن استوعب تماماً انّه لم يعد مقبولً في الداخل الشمالي أو الجنوبي، ليصبح هَمه الأوحد البقاء على كرسي السلطة لأطول فترة ممكنة مهما كانت هشة وهلامية.

إدارة بايدن والواقع الجديد ومبادرة كيري 

يعتقد كثير من قيادات حزب الإصلاح أنَّ الإدارة الامريكية الجديدة القادمة، وفوز الديمقراطيين ستصنع فارق كبير لصالحهم على التحالف العربي، الذي يعتقدون أنه برعايته اتفاق الرياض واعترافه بالمجلس الانتقالي الجنوبي وقفَ حجر عثرة أمام طموحاتهم نحو التوسع جنوباً والسيطرة على المنافذ البحرية والموارد النفطية والغازية، باعتبار الحوثيين في الشمال يعانون من حصار حقيقي ورقابة شاملة على تحركاتهم من قبل التحالف العربي، وبالتالي التحرك جنوباً والسيطرة عليه قد يُعزّز من بناء قدرة عسكرية واقتصادية ضمن نطاق استراتيجي واسع، مما يُمكنّهم لاحقاً من الاستغناء عن شرعية هادي والانفراد بالسلطة.

من المهم التذكير أنّ مبادرة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري طُرحت في عهد الرئيس الديمقراطي السابق، أوباما، والتي كانت تتضمن الانفتاح على الجميع، ومن ضمنهم الحوثيين في اطار منهج شامل سيتضمن في مرحلته الأولى تشكيل سريع لحكومة وحدة وطنية، وانسحاب (الحوثيين) من صنعاء والأماكن الأخرى وتحويل الأسلحة الثقيلة من أيدي الحوثيين وحلفاءهم إلى طرف ثالث (لم يحدده)، على أن تحترم حكومة الوحدة الوطنية الحدود وعدم تهديد دول الجوار.

"من المتوقع بعد فوز بايدن عودة مبادرة كيري، وهذا يضع هادي والإصلاح أمام أمرين: اتفاق الرياض أو مبادرة كيري التي ستفرض الحوثيين إلى جانب الانتقالي الجنوبي"

 إلا أنّ الحوثيين لم يتعاطوا بإيجابية مع المبادرة لتأتي الانتخابات الامريكية، وتتغير الإدارة الديمقراطية الى إدارة جمهورية جديدة برئاسة ترامب، الذي وضع جانباً جميع المبادرات والملفات التي أدارها أو عمل عليها الديمقراطيون في عهد أوباما، ومن ضمنها مبادرة كيري لإحلال السلام في اليمن.

من المُتوقع بعد فوز جو بايدن وعودة الديمقراطيين الى الحكم أن يعاد احياء مبادرة كيري مع إضافة مهمة سيتعامل معها كقوة جديدة استطاعت أنّ تفرض وجودها السياسي والاجتماعي والعسكري، وهي المجلس الانتقالي الجنوبي، وبالتالي لن يكون امام الرئيس هادي وشركائه في حزب الإصلاح سوى الاختيار بين أمرين :
 
أما التسريع بتطبيق اتفاقية الرياض وتشكيل الحكومة بشراكة حقيقة للمجلس الانتقالي، أو أن يتوقعون عودة شرسة لمبادرة كيري تفرض عليهم الحوثيين كشريك إلى جانب الانتقالي والإعداد لانتقال سلس للسلطة وإلغاء شرعية هادي.
أودّ التنبيه هنا أنَّ موقف الحوثيين قد يتغير نحو القبول بالمبادرة خاصة وأنّ النظام الايراني مستعد لإظهار بادرة حسن النوايا للإدارة الأمريكية الجديدة في مقابل العودة للاتفاق النووي.

يعني باليمني: "ارضوا بواحد قبل ما يفرضوا عليكم اثنين ويمكن ثلاثة".

كلمات مفتاحية: جو بايدن مبادرة كيري عبد ربه منصور هادي حزب الإصلاح الإخوان المسلمون المجلس الانتقالي الجنوبي الحوثيين السعودية