الإصلاح القضائي الشامل وأولويات الحكومة الجديدة

كتابات رأي

الإثنين, 04-01-2021 الوقت 10:13:26 مساءً بتوقيت عدن

جاء قرار إعلان تشكيل الحكومة الجديدة- حكومة الكفاءات السياسية- بالمناصفة بين الجنوب والشمال، بعد انتظار طويل ومعاناة مريرة عاشتها جماهير الشعب بمختلف قطاعاتها في المحافظات الجنوبية في جميع جوانب الحياة، باعثاً الأمل في نفوس الناس مجدداً بعد ان بلغ اليأس والإحباط العام أقصى درجاته، وكان لتصريحات فخامة الأخ رئيس الجمهورية ودولة الأخ رئيس الوزراء بالتأكيد على معالجة كافة الاختلالات وإعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة أثراً بالغاً في استشراف المستقبل باطمئنان. 

وما يتوجب التأكيد عليه في هذا الصدد أنَّ برنامج الحكومة ينبغي أنّ يتضمن في أولوياته مسألة الإصلاح القضائي الشامل كضرورة حتمية من أجل بناء قضاء قوي ومستقل وهو ما يشكل ضمانات مهمة للاستقرار ونشر العدل وسيادة القانون والقضاء على الفساد والظواهر الإجرامية، وخلق حياة كريمة وآمنة. ومن أجل تحقيق ذلك، ينبغي وضع خطة الإصلاح القضائي الشامل تتضمن تقييماً لمسيرة القضاء إيجاباً وسلباً قبل الوحدة وبعدها تستهدف تطوير الإيجابيات وتجنب السلبيات.

لقد تزامن تشكيل الحكومة الجديدة مع الذكرى (الثانية والأربعين) لإنشاء المحكمة العليا لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في السابع والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1978، التي باشرت عملها في بداية شهر يناير 1979، وتشكّلت بقرار مجلس الشعب الأعلى لأول مره في تاريخ الجمهورية من القضاة التالية اسماؤهم:
 
1- نجيب عبدالرحمن شميري / - رحمه الله - رئيساً
2- احمد عمر بامطرف / نائباً للرئيس 
3- علي حسين ابوبكر / - رحمه الله - عضواً
4- رئيس القضاء العسكري في وزارة الداخلية / عضواً 
5- رئيس القضاء العسكري في وزارة الدفاع / عضواً 

وفي ذات التاريخ تمَّ من قِبل مجلس الشعب الاعلى تعيين مدعياً عاما للجمهورية، وهو الأخ طه علي صالح، ونائباً للمدعي العام، وهو الأخ محمد عمر الكاف رحمهُ الله.

"ينبغي تقييم التجربة القضائية الفريدة في دولة الجنوب سابقاً، وذلك عن طريق استخلاص إيجابياتها والعمل على تطويرها للاستفادة منها في عملية الإصلاح القضائي المنشودة في الوقت الحاضر"

وقد باشرت المحكمة العليا للجمهورية والنيابة العامة مهام عملهما من مقرهما في العاصمة عدن، ابتداءً من الأول من يناير 1979، وأعقب ذلك مباشرةً إنشاء وتشكيل المحاكم الاستئنافية والابتدائية والنيابات العامة في جميع محافظات الجمهورية، وبإنشاء وتشكيل تلك المحاكم والنيابات العامة اُستكملت إجراءات تكوين سلطة قضائية واحدة لعموم الجمهورية لأول مرة في تاريخ البلاد، وبذلك انتهى التمزق القضائي والتشريعي الذي كان سائداً في عهد السلطنات والإمارات والمشيخات خلال فترة الاستعمار البريطاني للبلاد، وقد تحقّق كل ذلك بعد أن تم الاستغناء عن القضاة السودانيين الذين استعانت بهم حكومة الاستقلال في بادئ الأمر خلال الفترة من 1968 الى 1976 لسد النقص الذي تركهُ رحيل القضاة الإنجليز من محاكم عدن.

 وفي السنوات اللاحقة، جرى توسيع المحكمة العليا في الأعوام 1982 و1984 و1986 برفدها بعددٍ من القضاة من الذين انهوا دراساتهم في الخارج، وعلى الرغم من انعدام الامكانيات اللازمة للعمل آنذاك بسبب شحة الموارد المالية للدولة ونظراً للمواقف السلبية من بعض الدول العربية والأجنبية تجاه النظام السياسي في الجمهورية- آنذاك، وما كان يتعرض له من مؤامرات خارجية، إلا أننا قمنا بتأسيس قضاء قوي ونزيه وعادل ومستقل عمل على تثبيت سيادة القانون ونشر العدل والقضاء على الظواهر الإجرامية وبسط الأمن في البلاد، وكان ذلك بفضل تكاتف الجهود المتفانية المخلصة للكوادر الوطنية القضائية والقانونية مع هيئة المحكمة العليا، ولذلك ينبغي تقييم تلك التجربة الفريدة والغنية بالمكاسب والمنجزات القضائية والقانونية، وذلك عن طريق استخلاص إيجابياتها والعمل على تطويرها للاستفادة منها في عملية الإصلاح القضائي المنشودة في الوقت الحاضر، من أجل بناء قضاء نزيه وعادل ومستقل وقوي يُشِكلُ ضمانةً أكيدةً لحياةٍ آمنة وكريمة ومستقرة.

ومما لاشك فيه أنَّ إصلاح السلطة القضائية بجميع هيئاتها واجهزتها مثل مجلس القضاء الأعلى، المحكمة العليا، المحاكم الاستئنافية والابتدائية، النيابة العامة، التفتيش القضائي والإدارة القضائية المساعدة في وزارة العدل، مسألة في غاية الأهمية ينبغي أن تكون في اولويات برنامج الحكومة الجديدة.

"القضاء هو الضمانة الأساسية لقيام دولة النظام والقانون، لأنَّ العدل هو أساس الحكم، وهو الملجأ والملاذ الأخير لِكُلِ مواطن مظلوم ينشُد العدالة ورفع الظلم عن كاهه"

 وعلى الرغم من أنَّ اتفاق الرياض قد اغفل في بنوده موضوع إصلاح القضاء على الرغم من اهمية السلطة القضائية في بنيان الدولة، إلا أنَّ ذلك لا يعني بأيِ حالٍ من الأحوال إهمال هذا الموضوع او تجاهله او الانتقاص من ضرورته ودوره الحيوي الهام في الوطن، فإذا صَلُح القضاء صلحتَ أحوال البلاد والعِباد، والقضاء الوطني المستقل القوي العادل النزيه هو الملجأ والملاذ الأخير لِكُلِ مواطن مظلوم ينشُد العدالة ورفع الظلم عن كاهله، لأن القضاء هو الجهة المختصة دستورياً وقانونياً بفض المنازعات أياً كانت أنواعها بين المواطنين أو بين مؤسسات وهيئات الدولة المختلفة، وكذا بين جميع الهيئات والمكونات والأشخاص الطبيعية والاعتبارية في البلاد، ولذلك يجب اللجوء الى القضاء والاحتكام إليه في حل جميع القضايا والخلافات والمنازعات بمختلف انواعها بدلاً من الاحتكام الى السلاح.

"استقلال القضاء هو من اهم الضمانات الدستورية الضرورية لوجود قضاء عادل وقوي ونزيه، ولا يمكن للقضاء ان يكون مستقلاً إلا إذا قام على دعامتين اساسيتين وهما استقلاله كمؤسسة واستقلاله كأفراد، وهذا ما يجب أن يتم العمل عليه"

 والقضاء هو الضمانة الأساسية لقيام دولة النظام والقانون، لأنَّ العدل هو أساس الحكم، فالدولة إذا اُرِيد لها ان تكون دوله قوية ومتطورة وعادلة ومستقرة وآمنة، وقادرة على توفير العيش الكريم والحياة الآمنة والمستقرة لمواطنيها، يجب أنّ تقوم على أساس سيادة القانون، والضامن لتحقيق سيادة القانون هي السلطة القضائية، فهي إحدى السلطات الدستورية الثلاث التي تتكون منها الدولة، وهي تملك من الصلاحيات والاختصاصات الدستورية والقانونية ما يكفي للاضطلاع بمهامها على اكمل وجه.

 والقضاء المستقل القوي والعادل والنزيه هو الضمانةُ الأكيدة لسيادة القانون التي من شأنها تثبيت دعائم الأمن والأمان ونشر الطمأنينة في حياة المواطنين والقضاء على الظواهر الإجرامية، وإحقاق الحقوق وردها الى اصحابها، وإنهاء الظلم والفساد بكافة اشكالهما، وإيقاف انحراف اي سلطة من السلطتين التنفيذية أو التشريعية بمهامها، أو تجاوز اختصاصاتها او تجبُر إحداهما على الاُخرى. 

واستقلال القضاء هو من اهم الضمانات الدستورية الضرورية لوجود قضاء عادل وقوي ونزيه، ولا يمكن للقضاء ان يكون مستقلاً إلا إذا قام على دعامتين اساسيتين وهما:

الاُولى : استقلال القضاء كمؤسسة.
والثانية : استقلال القضاة كأفراد.

وهذا ما يتطلب بالضرورة من القيادة السياسية ممثلةً بفخامة رئيس الجمهورية، والسلطة التنفيذية، الالتزام الكامل والدقيق بالمعايير والاُسس الموضوعية كالنزاهة والكفاءة والخِبرة في اختيار وتعيين القضاة في جميع الهيئات القضائية، و التخلي عن الاعتبارات الحزبية او المناطقية، أو الولاءات الفئوية او الشخصية في التعامل مع القضاء كمؤسسة، أو مع القضاة كأفراد مُهمتِهِم تطبيق القانون ونشر العدالة في المجتمع. 

إنَّ أي قصور أو خلل في أداء القضاء يعكس نفسه على مختلف أنشطة الدولة وخططها في مجالات التنمية والأمن والاستثمار والإصلاح المالي والإداري، ولذلك ينبغي تبني خطة شاملة للإصلاح القضائي، ومن أجل ذلك يقع على عاتق القضاة الوطنيين الشرفاء الأحرار ممن يمتلكون كفاءات عالية وخبرات طويلة وتجارب غنية في العمل القضائي بشكلٍ عام المساهمة بفعالية وشجاعة دون خوف أو مجاملة،  من أجل كشف وتشخيص مكامن الخلل والقصور والأخطاء والسلبيات في اجهزة القضاء، والمساهمة في ضع خطط وبرامج الإصلاح القضائي الشامل، والاستفادة مما هو إيجابي لتطويره وتحديثه والتخلي عن السلبيات والمعوقات. نسأل الله للجميع الهِداية والتوفيق لِما يُحِبُه ويرضاه وهو حسبُنا ونِعم الوكيل.

- صفحة الكاتب على فيسبوك

كلمات مفتاحية: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حكومة المناصفة اليمنية القضاء اليمني