القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (5)

كتابات رأي

الثلاثاء, 12-01-2021 الوقت 02:08:51 مساءً بتوقيت عدن

جاء إعلان 22 مايو 1990 مسبوقاً بعدد من التفاعلات المتناقضة في العلاقة بين الجنوب والشمال، فمن ناحية شهدت مناطق الحدود العديد من مظاهر التوتر والمواجهات المسلحة الخفيفة في نقاط التماس بين حضرموت والجوف وبين شبوة ومأرب، والبيضاء ومكيراس ويافع في أبين، وقعطبة والضالع كما في كرش والشريجة ، ومناطق الصبيحة والحجرية بلحج، وكان واضحاً أن أزات النظام في صنعاء تراهن على ضعف الوضع العسكري والأمني والسياسي الجنوبي نتيجة لما خلفته أحداث 13 يناير من أضرار بليغة، حيث جرت العودة إلى أعمال التخريب وزراعة الألغام والتحرشات عبر الحدود، والتعدي على بعض المواقع العسكرية الجنوبية في مناطق التماس.

 لكن قوات الأمن والجيش الجنوبية أفشلت كل تلك المحاولات وأجبرت قوات الأشقاء على الكف عن محاولاتها، وبرهنت على أن الوضع الأمني والعسكري في الجنوب لا يزال يتمتع بقدرة ممتازة على حماية الحدود والتصدي لأعمال التخريب والتحرش وإنه رغم آثار  كارثة يناير ما يزال يتفوق على وضع الأشقاء في الشمال في كثير من النقاط.

ومن ناحية ثانية كانت الزيارات المتبادلة بين ممثلي الحكومتين تسير باتجاه محاولات التهدئة، وفي العام 1988، توصل وزيرا الداخلية في الجمهوريتين إلى اتفاق السماح للمواطنين بالتنقل بالبطاقة الشخصية وهو ما لم يكن مسموحاً من قبل، كما وقعت بعض الاتفاقيات على إنشاء الشركات والاستثمارات المشتركة في مجالي السياحة والتنقيب عن النفط في مناطق التماس بين حضرموت والجوف، وبين شبوة ومأرب.

وساهمت تلك الاتفاقيات في تخفيف التوتر وتطبيع الأوضاع، وازدياد أعداد  المسافرين بين الدولتين، وبالتوازي مع هذا تنامت الزيارات الرسمية بين قيادتي البلدين حتى جاءت زيارة الرئيس الشمالي علي عبد الله صالح لعدن في نهاية نوفمبر 1989 وتوقيع اتفاقية 30 نوفمبر التي قضت بالتوقيع على مسودة الدستور المنجز منذ مطلع الثمانينات، وتلى ذلك عدد من لقاءات القمة بين قيادتي البلدين في البيضاء وتعز حتى إعلان قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990.

وقد ترافق إعلان مايو مع حماسٍ كبيرٍ وعارمٍ شمل كل محافظات الجنوب والشمال، ففي الجنوب بني هذا الحماس على عدة منطلقات، فتلاميذ المدرسة الاشتراكية كانوا يرون في "الوحدة" تحقيقا للشعار التاريخي الذي رافق مسيرة التجربة الجنوبية منذ يومها الأول، والمواطن العادي غير المسيس كان يراهن على أمر جديد لم يعرف ما هو، لكنه سيكون مختلفا عن النموذج الذي لم يعجب البعض من تجربة الاقتصاد الواحد والصوت السياسي الواحد والبطء المزمن في عجلة النمو الاقتصادي مقارنة معه الحملة القوية المروجة للنموذج الاقتصادي في الشمال الذي لم يكن المواطنون الجنوبيون يرون منه إلا ظواهره  السطحية ولم يتبينوا ما وراءه من مساوئ وعيوب إلا بعد أن "وقع الفأس في الرأس" كما يقال.

 أما القوى السياسية الجنوبية غير الراضية عن تجربة الجنوب في الداخل والخارج، فقد رأت في هذه الخطوة خلاصاً من النظام الذي لم يرق لها يوماً، ولها معه ثارات متعددة، وقلة قليلة من قيادات الحزب الاشتراكي وبعض المعارضين بما في ذلك قيادات سلاطينية وسياسية من النازحين الجنوبيين حذرت من الاندفاع المستعجل غير المدروس، ونبهت إلى المخاطر التي قد تترتب على فشل تلك التجربة ما لم توضع لها شروط النجاح وضمانات عدم النكوص، لكن تدافع الأحداث وتسارع الخطوات لم يدع فرصة للاستماع لمثل هذه الأصوات المتعقلة في ظل طغيان الحالة العاطفية الجارفة في التعامل مع هذه القضية الحساسة.

"لن نتوقف طويلا عند الإجراءات العملية التي سارت عليها خطوات التحرك باتجاه إعلان مايو 1990، لكننا يمكن أن نتوقف عند السؤال المحوري: لماذا فشلت تجربة وحدة 22 مايو"

أما  في الشمال فقد بني الحماس أيضا على عدة اعتبارات، قد تكون مختلفة عما هو عليه الحال في الجنوب، فهناك القوى المعارضة بكل أطيافها السبتمبرية القومية واليسارية كانت ترى في خطوة 22 مايو مدخلا لحصول انفتاح سياسي يخرجها من دائرة المعارضة السرية الملاحقة والمتهمة في وطنيتها، إلى العلن ويضيف لها رديفاً سياسياً قوياً هو الحزب الاشتراكي اليمني الذي سيغدو جزءً من الحكم بالنصف، بينما كانت القوى النافذة من رجالات الجيش والمشايخ وكبار الملاك كانوا ترى في الجنوب ساحة واسعة للتوسع الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وكانت الطبقات الطفيلية التي تتحكم في صناعة القرار مثلما تتحكم في عجلة الاقتصاد ترى في الجنوب مزيداً من الأسواق والمستهلكين لتسويق بضائعها ومضاعفة أرباحها،  وفرصة للمزيد من الممارسات الطفيلية المعهودة عنها بعد أن استنفدت كل ممكنات الهيمنة والتوسع والعبث في الشمال.

 أما المواطنون الشماليون البسطاء وهم الغالبية فرأوا في الانفتاح بين الدولتين ومن ثم السير باتجاه "الوحدة"، فرصة لمزيد من مجالات العمل والتنقل الحر وتخفيف القيود المفروضة عليهم من النظام الأبوي القائم في مناطق الشمال، بل أن آلاف المرضي الذين توافدوا إلى مستشفيات عدن ولحج وأبين، وحتى عتق وبيحان من أبناء محافظات الشمال أثناء التنقل باستخدام البطاقة الشخصية، نقلوا صورةً وردية عن الخدمة الطبية المجانية في الجنوب جعلتهم ومعهم قطاع واسع من المواطنين الشماليين يرون هذا الخير الوفير في "وحدة" 22 مايو.

ووحدهم أتباع الإسلام السياسي رفضوا بيان نوفمبر والخطوات المتتابعة باتجاه إعلان 22 مايو، ويتذكر الجميع ذلك الانقسام الحاد الذي شهده "مجلس الشعب التأسيسي" في صنعاء عشية إعلان بيان 22 مايو، فقد كانت القوى الإسلامية (تيار الإخوان المسلمين المدعوم من القبائل وكبار المشائخ وبعض القادة العسكريين) ترى في وحدة 22 مايو مشاركة لتيار الكفر والإلحاد القادم من الجنوب في الحكم وتمكينة من نشر "أذاه" في الشمال، واعتبروا أن "الشراكة مع الكفار كفر"، وظلت تلك الرؤية حتى العام 1994 وما بعده هي المهيمنة على قيادات وقواعد هذا التيار.

لن نتوقف طويلا عند الإجراءات العملية التي سارت عليها خطوات التحرك باتجاه إعلان مايو 1990 فالتفاصيل موجودة لدى كل من عاش تلك الفترة وما كتب عنها من أخبار وتعليقات وتقارير وتفاصيل تغني عن كل حديث لكننا يمكن أن نتوقف عند السؤال المحوري: لماذا فشلت تجربة وحدة 22 مايو بين دولتي "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" و"الجمهورية العربية اليمنية"؟

- صفحة الكاتب على فيسيبوك

كلمات مفتاحية: الجنوب العربي الهوية الجنوبية العربية اليمنية