اليمن.. بيدق اللعبة الأمريكية في الشرق الأوسط

كتابات رأي

الخميس, 11-02-2021 الوقت 09:26:38 مساءً بتوقيت عدن

أعلنت إدارة بايدن عن إنهاء الدعم الأمريكي لعمليات المملكة العربية السعودية في اليمن، تمامًا كما أنها تراجعت أيضًا عن تصنيف إدارة ترامب لأحد الأطراف المتحاربة الرئيسية -الحوثيين- كمنظمة إرهابية. ويردد الرئيس الجديد: "يجب أن تنتهي هذه الحرب". إنها "كارثة إنسانية واستراتيجية".

بالتأكيد هي كذلك؛ لكنّ ذلك لا علاقة له بالدعم الأمريكي أو بتصنيف الحوثيين كإرهابيين. للأسف بالنسبة لشعب اليمن، فإن خطوة بايدن ليست أكثر من سياسة كابوكي خارجية (كابوكي: من أنواع المسرح الياباني، سوث24)، مع عدم وجود نية لمعالجة المشكلة الأساسية المتمثلة في موت اليمنيين. بل إنها تمثّل تلاعبًا آخر بالدولة الصغيرة المطلّة على البحر الأحمر كبيدق في اللعبة التكتيكية الأمريكية في الشرق الأوسط.

"سياسة بايدن تمثل تلاعبًا آخر بالدولة الصغيرة المطلّة على البحر الأحمر كبيدق في اللعبة التكتيكية الأمريكية في الشرق الأوسط."

أولًا، نشب الصراع الفوضوي لبلد فوضوي، مبني على توحيد فوضوي بعد الحرب الباردة بين شمال وجنوب اليمن. وفي حين أنه من المغري إلقاء اللوم على طائفة أو أخرى، طرف أو آخر، متدخل أو آخر، فلا يوجد سبب للاختيار.

ضمنت القيادة المفلسة في البلاد أن تظل غنائم القيادة، كما هي، في أيدي المقربين من القبائل. وفي رياح الربيع العربي، قرر الزعيم المخلوع (علي عبد الله صالح) التعاون مع أقلية متضررة (الحوثيين) للانقلاب على رئيسهم عبد ربه منصور هادي. بدوره، تطلّع هادي إلى حكومة المملكة العربية السعودية للحصول على المساعدة في عام 2015. وهكذا بدأ الفصل الأخير من الصراع.

إن متاعب اليمن، الدولة الفقيرة للغاية، التي لم تغيرها آلهة البترول، هي مزيج قوي من المعارك الدينية والسياسية والاقتصادية والإقليمية التي لم يتم مواجهتها قط، سواء من قبل أطراف خارجية أو قادة الداخل. بدلًا من ذلك، أصبحت الانقسامات العديدة التي تشق البلاد فرصًا للأجانب لتعزيز لعبتهم الرائعة. في الستينيات، كان المصريون هناك للأسف. لم يحصل السوفييت على الكثير من السعادة من وكلائهم في جنوب اليمن. وسيتذكر الأمريكيون تفجير المدمرة الأمريكية كول من اليمن من قبل القاعدة عام 2000، وهو نذير لهجمات 11 سبتمبر. ثم كان هناك أنور العولقي، الداعية السلفي الأمريكي المولد والقائد الرئيسي داخل فرع القاعدة في اليمن والذي لا يزال يلهم الهجمات. لقد مات منذ عام 2011، وتم إلقاء القبض على زعيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية مؤخرًا، لكنّ المجموعة لا تزال تتخذ موطنها في جنوب غرب البلاد الوعر. داعش موجودة هناك أيضًا.

"متاعب اليمن، الدولة الفقيرة للغاية، التي لم تغيرها آلهة البترول، هي مزيج قوي من المعارك الدينية والسياسية والاقتصادية والإقليمية"

ثم هناك الحوثيون، الشيعة الزيديون (طائفة مختلفة عن تلك التي تحكم إيران) الذين يسيطرون الآن على العاصمة صنعاء بالإضافة إلى ما يقرب من 80 في المائة من سكان اليمن الذين يغلب عليهم السنة. إنهم مسلحون ويديرهم الحرس الثوري الإيراني. بالنسبة لإيران، شيعة اليمن فليسوا قضية إنسانية، بل يمثلون فرصة لمهاجمة المملكة العربية السعودية، بشكل سريع وفي كثير من الأحيان. وهناك أيضا سعوديون انخرطوا بناء على طلب الرئيس هادي وبدعم من الولايات المتحدة. كان الرئيس السابق باراك أوباما يأمل في استرضاء الرياض مقابل دعمها للاتفاق الإيراني الذي كان حريصًا على توقيعه.

كما لو أنّ هذا الحساء القوي لم يكن كافيًا لليمن، بدأت معارك جديدة بالوكالة بين مختلف القوى الخليجية في الظهور في السنوات الأخيرة. مثل الأمريكيين، تدخلت الإمارات العربية المتحدة في القتال في اليمن لمساعدة السعوديين التعساء. لكنّ الخلاف الجديد بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة وقطر من جهة أخرى يعني أنّ القوات الإماراتية تناور للحد من التأثير القطري - وبالتالي الإخوان المسلمين - على الأرض. وبدأت عمان في وضع أنفها في الفوضى السياسية أيضًا، منزعجة من أن مجال نفوذها في شرق اليمن تم اغتصابه من قبل وكلاء مدربين سعوديا وإماراتيا.

هذا هو الوضع تقريبًا اعتبارًا من فبراير 2021. هناك حكومة.. (من نوع ما) جديدة معترف بها دوليًا. لا يزال الحوثيون يسيطرون على صنعاء وأراضي كبيرة حولها، ويخنقون المساعدات، ويحرمون من الغذاء والدواء حيثما أمكنهم ذلك. هناك مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث. هناك الآن مبعوث أمريكي خاص جديد، تيم ليندركينغ. وهناك، من الناحية النظرية، سياسة جديدة لبايدن تجاه اليمن. لن تعمل.

إليكم السبب: سياسة بايدن، على الأقل قصدًا، هي عكس سياسة ترامب في اليمن. في الواقع، الأمر مشابه إلى حدٍ كبير: مجموعة من المطالب لتقاسم السلطة بدون نفوذ ولا أسنان. في عالم الأسود والأبيض الذي أصبحت عليه الولايات المتحدة، فإنّ أي شيء يتبناه دونالد ترامب سيئ، إلخ. وهكذا، فإنّ مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة معلّقة. لم تعد الولايات المتحدة تدعم معظم العمليات السعودية في اليمن (بغض النظر عن هذه العمليات المنتهية إلى حد كبير في 2018). لم يعد يُطلق على الحوثيين اسم إرهابيين. وإيران الآن هي المنظور الذي ستنتهي من خلاله سياسة الأمن القومي لبايدن. إذا كان هذا يبدو غير مكتمل، فهناك سبب.

"نشب الصراع الفوضوي لبلد فوضوي، مبني على توحيد فوضوي بعد الحرب الباردة بين شمال وجنوب اليمن"

لسوء الحظ، لا يحتاج السعوديون إلى مساعدة أمريكية لمواصلة إفساد جهودهم لطرد الإيرانيين من اليمن. لقد حاولوا الخروج من اليمن خلال العامين الماضيين ولا يمكنهم حتى القيام بذلك. على مدى تلك السنوات، لم تفعل الولايات المتحدة للسعوديين أكثر من محاولة ضمان تُوقفهم، سواء عن قصد أو عدم كفاءة، عن قصف حافلات مدرسية مليئة بالأطفال. في غضون ذلك، لم يُظهر الحوثيون أي تنازل للسماح بالمساعدات التي كانوا يخزنونها ويفرضون الضرائب عليها ويمنعونها من الوصول إلى ملايين اليمنيين المحتاجين. (هذا هو السبب في أن تجديد المساعدات لن يساعد معظم اليمنيين). ولم تلمّح إدارة بايدن إلى الكيفية التي يعتقدون أنّ خطتهم ستفوز بها في الحرب، أو تحل الأزمة الإنسانية، أو تواجه التهديدات للأمن القومي الأمريكي التي تمثلها مشاكل القاعدة.

ثم هناك السؤال الشائك المتمثل في إرهاب الحوثيين، فهم يواصلون حملتهم الإرهابية التي ترعاها إيران، على الرغم من عدم وصفهم بالإرهابيين. ب

شكلٍ محرج، اضطر فريق بايدن الجديد في وزارة الخارجية إلى إدانة أربع هجمات مسلحة بطائرات بدون طيار موجّهة من الحوثيين على المدنيين في غضون ساعات من قرار شطبها من قائمة الإرهاب.

إذا كانت هذه الحكاية الكابوسية تُثير التعاطف مع مختلف المبعوثين والشعب اليمني المضطهد، فليس من المستغرب. لكن لم يُترجم أي من هذا التعاطف إلى سياسة جادة في اليمن مدفوعة بأي شيء آخر غير إشارات الفضيلة (بأنّ قادة المملكة العربية السعودية أشخاص غير مرغوب فيهم مع الحزب الديمقراطي)، وإشارات إيران (إيران أكثر رضا) في محاولة يائسة لإعادة تشغيل خطة العمل الشاملة المشتركة والمناورات التكتيكية لتبدو وكأنها تعالج أزمة إنسانية دون التزام أي رأس مال جاد في السياسة الخارجية.

كيف ستنتهي؟ بقدر ما بدأت. في حين أنّ الحكومة الجديدة هي ما يمر ببصيص أمل - على الأقل لا يقتلون بعضهم البعض في هذه اللحظة بالذات - فإن أعضاؤها ليسوا في العاصمة ولا يسيطرون على معظم البلاد. لذلك هناك سؤال حقيقي عن مقدار ما يمكن عمله.
 
في غضون ذلك، ليس لدى إيران حافز كبير للتخلي عن حكومة بالوكالة فعّالة في صنعاء. اعتمدت الولايات المتحدة على شركاء للمعلومات الاستخباراتية ضد الجماعات السلفية، ولكن مع تدهور العلاقات مع العرب السنة بشكل حتمي بسبب تركيز بايدن على إيران، فإن هذه المعلومات الاستخباراتية لا بد أن تتلاشى. هل سيساعد هذا الشعب اليمني؟

- هذه المقالة نشرت بالإنجليزية في منصة (The Dispatch)
- ترجمه للعربية وعالجه: مركز سوث24 للأخبار والدراسات

كلمات مفتاحية: اليمن الولايات المتحدة الحرب في اليمن