فيينا - مسقط - الرياض: سكّة الحل السياسي في اليمن

كتابات رأي

السبت, 10-04-2021 الوقت 12:56:24 صباحاً بتوقيت عدن

هل يُعقل أن تُنجِز مباحثات فيينا في ظرف أيام معدودة، ما استغرق سنوات طويلة في جنيف؟ إذا كانت الإجابة لا، فإنّ الهدف من الدبلوماسية الأمريكية الراهنة لن يكون العودة الفورية إلى اتفاق شامل مع طهران، بل تهيئة الشروط المُثلى لهذه العودة.

ولا يمكن فهم التحركات الأمريكية الأخيرة إلا بالنظر إلى توازنات الداخل الإيراني وما تتحضّر له البلاد من انتقال سياسي وشيك قد يعيد صياغة شكل النظام ونهجه الاستراتيجي: سواء على مستوى الانتخابات الرئاسية في يونيو القادم، أو على مستوى منصب المرشد الأعلى الذي يستعد لمغادرة الدنيا.

وفي هذه اللحظة الدقيقة لا يمكن لواشنطن أن تستكمل سياسة "الضغط الأقصى" لتغذّي حظوظ الحرس الثوري وتساعده أكثر في الاستحواذ على السلطة، وبالتالي تسريع خطى النظام نحو حيازة السلاح النووي وتفجير الوضع الإقليمي بشكل أكثر تهورا، وهي بالمحصلة توجّهات سوف تعقد أكثر من إمكانية العودة إلى الطاولة بعد يونيو المرتقب، وفي حال أسفرت عن مواجهة إقليمية مسلّحة فإنها ستعطّل الاستراتيجية الأمريكية النازعة نحو تخفيف تواجدها العسكري والانسحاب التدريجي من الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق يبدو منطقياً أن تستولد مشاورات فيينا نتائج ملموسة تُغري الطرفان للمواصلة على ذات المنوال، وثمة عاملان ظرفيان يرجّحان هذا التوجه؛ أولا أنها الطريق الوحيد لتعديل ميزان القوى الإيراني وتقريب مصالح خامنئي والمعتدلين بالدفع نحو التفاوض على حساب الحرس الثوري والمتشددين.

وثانياً فقد سبقت هذه الجولة التفاوضية رسائل إيجابية في اليمن أفادت بجدية الطرفين: دفعت طهران بالحوثي لقبول التفاوض وتخفيف الهجوم العسكري على مأرب، مقابل إعلان الرياض والشرعية لمبادرة جديدة برعاية أمريكية تُعيد تدوير بنود "الإعلان المشترك" المقدم من غريفيث قبل عامين، مع بعض التغيرات الطفيفة.

"مسار مسقط - فيينا قد يكون بداية دوامة أخرى من الصراع الذي تستفيد منه إيران"

لقد جاءت محادثات مسقط كجزء ملحق من "مقاربة بانورامية" تتوخى بالأساس تجسير الهوة التفاوضية مع طهران. وعليه فإنّ مستقبل الحل السياسي في اليمن يظل مرهوناً إما بنجاح المفاوضين في فيينا، وإما بقدرة الحرس الثوري على فرض مقاربته المتطرفة ونسف السكة الدبلوماسية الأمريكية متى ما سنحت له الفرصة.

وبالنسبة للحوثيين فإنهم يتخذون موقفا ضبابيا يتيح لهم التكيّف مستقبلا مع كلا المسارين -مع تفضيل صقور الجماعة لمسار الحرس الثوري؛ من جهة تُبقي مليشيا الحوثي الباب مواربا أمام الحراك الأمريكي وفي أفضل الحالات فإنّها قد تُقدم على صفقات جزئية ذات طابع إنساني (تبادل أسرى، تفريغ صافر)، لكن دون الانخراط بأي مسار جاد للسلام مع اليمنين. ومن جهة أخرى تواصل تصعيدها الميداني، لكن بمنسوب أقل حدة كي لا تثير انتباه المجتمع الدولي، ولا تنغّص ليال الأنس الدبلوماسي في فيينا.

وأمام هذه الديناميكية الإقليمية الجديدة يثور السؤال التقليدي عن خيارات العرب بخصوص الملف النووي، وعن خيارات التحالف العربي بخصوص اليمن؟

للأسف فإنّ بوادر التهدئة العسكرية والسياسية مع الحوثي، دائما ما تستجلب نتائج عكسية في معسكر الشرعية. وتجلّت أولى هذه المفاعيل بعودة المواجهات المسلّحة في أبين وشبوة.

وبخلاف الحوثي وراعيه الإقليمي؛ فإنّ طرفا التسوية في الجنوب (الانتقالي والشرعية) لا يمتلكان القدرة على التأثير في واشنطن. وبالتالي فإنّ رغبتهم في تحسين موقعهم التفاوضي بأي تسوية مستقبلية -حتى وإن كانت مجرد سراب - تجعلهم أميل إلى قضم حصة بعضهما بدلاً عن تعزيز فرصهم السياسية بمواجهة الحوثي.

إنّ مسار "مسقط - فيينا" قد يكون بداية دوامة أخرى من الصراع الذي تستفيد منه إيران من خلال تهدئة نشاطها العدائي في اليمن، مثلما استفادت من رفع منسوبه خلال المرحلة الماضية. 

ولا مجال لتغيير هذه الديناميكية إلا من خلال استكمال "اتفاق الرياض"، وجعله حجر الزاوية في عملية بناء السلام في اليمن؛ وذلك يقتضي عقلانية أكبر من قبل المجلس الانتقالي، ومسؤولية أكبر من قبل هادي والاصلاح، ويقظة استثنائية من السعودية.

- مركز سوث24 للأخبار والدراسات

كلمات مفتاحية: اليمن محادثات فيينا الحوثيون إيران الاتفاق النووي