أسرار السياسة العالمية: الجزء الأول

كتابات رأي

السبت, 10-04-2021 الوقت 02:03:36 مساءً بتوقيت عدن

«الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقي في العتمة» غوته

المقدمة

كانت وما زالت جميع الألسن في كل بقاع الأرض من كل الأجناس تتحدث عن كيفية سقوط بابل العظيمة (الولايات المتحدة الأمريكية) والسؤال الذي يطرح نفسه مرارا وتكرارا كيف ستسقط؟

أتفق معظم المحللين بأنّ سقوط الولايات المتحدة الأمريكية سار على قدم وساق لكن ما لم يُعرَف حتى الآن هو كيف ستسقط؟ لعل الجواب قد اتضح جلياً الآن، بأنّ سقوط الولايات المتحدة سيتم بأيدي الطغمة الخفية (اللوبي الصهيوني) المتحكمة في زمام "سياسات" جميع ممالك الأرض! والخفي والعجيب هو أنّ من حملوا على أنفسهم قيام الإمبراطورية الأمريكية هم ذاتهم من حملوا على أنفسهم الآن إسقاط هذه الإمبراطورية، فهل يعقل ذلك؟!

الأمر بسيط والأسباب أبسط. اللوبي الصهيوني المتحكم بصناعة القرار السياسي "العالمي" تعلّموا عبر تاريخهم الطويل في الحروب ضد ممالك "الأمم" -أي الذين لا ينتمون إلى العرق اليهودي- دروس وخفايا كثيرة لم يدركها الاّ بعض من سياسي ورؤساء العالم. وهذه الدروس والخفايا تكمن في دراسة التوراة والتمعن في سر أسرار مفهوم قيام الممالك وسر أسرار هبوطها وتهدُّم صولجان سلطانها، وإليكم القصة.

أصل الحكاية

في سفر التوراة كان المفهوم الأول لنشأة أي مملكة هو مراعاة التمثل بتطبيق الشريعة الإلهية وهي ببساطة إقامة العدل والحق مع الرحمة والابتعاد عن عبادة الأصنام وتحريم الزنا والمثلية للشعوب وغيرهما من النجاسات. لعل هذه المبادئ بسيطة ومفهومة لدى كل البشرية لكن تطبيق "كل" تلك المبادئ مجتمعة، بالصورة العملية يعد من عاشر المستحيلات لأن الحكم في الزمان الحاضر أصبح وسيلة للوصول للحكم وإرضاء الطغمة العالمية والتمتع بالمجد الفارغ بدلا عن كونه غاية لاصطلاح أهداف الحكم وهي معلومة لدى الجميع.

ومن هنا يوضح لنا بأن ما هدم تلك الممالك والامبراطوريات العظيمة وحكومات الدول تباعا لم يكن بسبب فساد السياسيين في الدرجة الأولى، بل بسبب افسادهم لشعوبهم عبر سنّ وتشريع قوانين تخدم أبطال العدل وتشويه الحق واستنزاف الرحمة من قلوب الشعوب وهدم صورة الإنسان النقية بتسويغ الإثم وتحليل المحرمات. لأنّ فساد الحاكم أو المسؤول السياسي لا يعد شيئا بطبيعة الحال، كإفساد شعب كامل وانحلال القيم والمبادئ الإنسانية ونشر الإباحية، كما قال الملك الحكيم سليمان بن داود «وَالإِثْمُ يُدَمِّرُ جَمِيعَ الأَرْضِ، وَالْفُجُورُ يَقْلِبُ عُرُوشَ الْمُقْتَدِرِينَ.»

وتفسير معنى كلام الملك سليمان بسيط وهو أن ابتداع الفجور وسّنها كما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية بالسماح للمثليين بالزواج (تسويغ الإثم) وغيره الكثير الكثير من إتاحة الاباحيات على الملأ هو ما سيتكفل بقلب عروش المقتدرين "الولايات الأمريكية" وابتداء هذه الانقلاب (أي انحطاط مجد الولايات المتحدة الأمريكية) آتٍ ونظرته وشاهدته جميع أعين الشعوب وهو ببساطة يكمن في نتيجة الانتخابات الأمريكية.

مفهوم فيروس كورونا

فيروس كورونا الذي اصبغ العالم رهبة لم يكن عبثيا، فهو من جانب كمم أفواه الشعوب وأرغمهم على الكمون الشتوي قبل ميعاده، ومن جانب آخر سمح للأمريكيين بانتخاب رئيسهم عبر "البريد". ولو تساءلنا وتمعنا جليا عن مفاد الانتخاب بالبريد سندرك مغزى الأمر!! وبالرغم من ذلك لن نستطع حسم الأمر او ادعاء أنّ الانتخابات الأمريكية تم تزويرها كما يدعى الرئيس ترامب، لكن يمكن القول بأنه تم التلاعب بنتائجها لتمكين الحزب الديمقراطي (اليساري التقدمي حديثا) واستمالة غضب الجمهوريين لاستثارة غضبهم نحو الميل نحو اليمين المتطرف. وهنا تكمن بداية شرارة انحلال قوى الولايات المتحدة عبر اصطفافها فريقين "متحاربين" وربما أكثر عبر قادم الأيام، من خلال تكوين حزب يميني صريح ينادي بانفصال إحدى الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الآلية، أي الانقسام السياسي الإيديولوجي المتطرف معلومة لدى الطغمة العالمية التي استنسخت هذه التجربة مرارا وتكرارا وتم تطبيقها على الكثير من ممالك وشعوب الأرض. وهذه الفكرة مستقاة من التوراة حين انشقت وتمزقت مملكة سليمان إلى مملكتين، مملكة الشمال "اسرائيل" ومملكة الجنوب "يهوذا" في عهد الملك رحبعام ابن الملك سليمان وأُعطيَ سبطا واحد (اي ولاية واحدة).

هذا المفهوم البسيط تم تطبيقه مرارا وتكرارا على ممالك الأرض قاطبة حتى توصلنا إلى الشكل الحالي من الأنظمة الرئاسية والملكية والبرلمانية "الدولية" ذات الحكم الأضيق والمحصور. ولعل ما يجري في الولايات المتحدة الآن هو نسخة طبق الأصل، تكرار لنفس المشهد. أما سيناريو فيروس كورونا (الوباء المستحدث) هو محاكاة مصطنعة لتماثل الغضب الإلهي من جانب، ولكي تفرز نتيجة انتخابات امريكية على هذه الشاكلة من التضاد والانقسام والمظاهرات التي لم تشهدها الولايات المتحدة في التاريخ الحديث من جانب آخر. أما ما خفي كان أعظم وهو: من أجل استكمال الفتنة الامريكية سيحاولون قتل ترامب وربما سينجحون (كما فعلوا مع كينيدي مع اختلاف الأسباب) من أجل زيادة حدة الصراع والتوتر بين الجمهوريين والديمقراطيين لاستخراج حزب يميني جديد «وتمزيق إحدى الولايات المتحدة»، على أن تكون هذه الولاية الأمريكية المنشقة عدوا لدودا لباقي الولايات المتحدة وحينها يمكن أن تنشأ حرب من داخل الولايات المتحدة أي بين الأمريكيين وبعضهم لاستكمال إضعاف الامبراطورية الامريكية "بيديها" دون تدخل خارجي في المرحلة الأولى لكي يصدق قول السيد المسيح "َإِنِ انْقَسَمَتْ مَمْلَكَةٌ عَلَى ذَاتِهَا لاَ تَقْدِرُ تِلْكَ الْمَمْلَكَةُ أَنْ تَثْبُتَ. وَإِنِ انْقَسَمَ بَيْتٌ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَقْدِرُ ذلِكَ الْبَيْتُ أَنْ يَثْبُتَ.. لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ قَوِيٍّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَوَّلاً، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ." وهذه الآيات تعبر عن الطريقة المثلى التي انتهجتها "الطغمة العالمية" لإخضاع أمم وشعوب الأرض منذ زمان بعيد حين استخدمت هذه الآلية "ودفعت دفعا" لتقسيم الإمبراطوريات القديمة عبر حثّ أطرافها الداخلية على الانقسام السياسي والانفصال الجغرافي، وأوضح وأقرب مثال على ذلك هو انفصال جنوب السودان "مملكة الجنوب" عن السودان "مملكة الشمال" حتى انهارت مملكة السودان وسلطان نظام الإنقاذ بعد أقل من عشرة سنوات بعد انفصال جنوب السودان. وهذا هو ما يجري الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، ليصدق قول التوراة أيضا في النص "كَمَا فَعَلْتَ يُفْعَلُ بِكَ. عَمَلُكَ يَرْتَدُّ عَلَى رأسك إنها إحدى القواعد العامة في سياسة "الطغمة العالمية" التي انتهجتها منذ حداثة عهدها. 

فلا تستطيع قوة على الأرض من هدم سلطان ونفوذ قوى الولايات المتحدة الأمريكية ما لم تنقسم الولايات المتحدة أولا من تلقاء ذاتها وتضعف داخليا وتنقسم عبر حث أطرافها على التنازع، حينها يصبح زوال سلطانها أمر حتمي أي مسألة وقت ليس أكثر حتى ينهدم ويتلاشى ترأسها للعالم. فيروس كورونا وباء مستحدث ليماثل الغضب الإلهي لكن كيف ذلك؟ بكل بساطة فإن فيروس كورونا ليس هو المسبب الاول لمرض وموت تلك الآلاف البشرية، بل تحول الالتهاب الفيروسي إلى التهاب بكتيري ومن ثم إلى (صدمة تعفن الدم نتيجة لتسمم الدم)  فكل الذين ماتوا بسبب فيروس كورونا لم يكن فيروس كورونا هو القاتل، بل عدم أخذ مضادات حيوية تمنع تحول الالتهاب البكتيري إلى التهاب عام في الدم.

ديناميكية الهبوط والصعود

لعل مثل هذه القراءات ستغضب الكثيرين وستلقى جدلا واسعا وساخطا لكنها قراءة تلقي الضوء على أركان منظورة لطبيعة المنظومة العالمية التي ترمي إلى إعادة صياغة كل مفهوم السياسة العالمية الحديثة. وبالتأكيد فإنّ لهبوط نجم وخبوه سيدفع بظهور نجم آخر ولمعانه وتوهجه ولعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يكن عبثيا ولا صدفة عابرة، بل واقع ملموس سيرمى بظلاله بعد حين على المشهد السياسي العالمي خاصة بعد كشف بوريس جونسون عن برنامج استثمار في القوات المسلحة يوصف بأنه الأكبر منذ انتهاء الحرب الباردة بتمويل قدر ب 22 مليار دولار. وكذا فإن تمدد موجة التطبيع الإسرائيلي العربي لم تكن بادرة شخصية طيبة لإحلال السلام على الأرض وإن كان ظاهرها ينبئ بذلك فإن باطنها ينبئ بعكس ذلك، وهو خلق فريق عربي موالي لإسرائيل وآخر منهاض لوجود إسرائيل وسط المنطقة العربية المتأججة الصراع مسبقا بين السنة والشيعة لتزعم العالم الإسلامي إلى حين إشعال فتيل الأزمة، وبهذه الطريقة أيضا سينقسم العالم العربي والإسلامي على ذاته وهذا هو المغزى الحقيقي والأكيد من زرع إسرائيل في هذه المنطقة لحين قيام حرب شرق اوسطية بين السنة والشيعة على أن تمتد الى حرب عالمية فيما بعد. وكذا تمدد أنشطة تركيا في المنطقة وبزوغ نجم أردوغان لم يكن صدفة عابرة، بل إنّ تلك الأحداث تُنبئ بأنّ الرجل يتم دفعه الآن نحو الجموح واستمالته لتعزيز ثقته بنفسه لإنجاح تطبيق نظرية "الرجل العظيم" عليه، التي ستؤدي بعد حين لجموحه أكثر فأكثر في المنطقة ومن ثم استنزاف قواه كما حصل مع نابليون بونابرت. فكل نهاية لأي رجل ومملكة ودولة تبدأ بحث الطرف المستهدف نحو الجموح عبر زرع إحساس التكييف "الرجل العظيم". ومَن مِن بني البشر لا يسقط إن تم دفعه نحو الإحساس بالعظمة وتملكه ذلك الإحساس. 

والمنطقة الغربية تعلمت هذا الدرس جيدا عبر سنين وحروب طويلة بأمثلة وأحداث وشخصيات كثيرة كان آخرها هتلر. والمنطقة العربية أيضا تعلمت هذا الدرس في شخصيات بعض الرؤساء العرب الذين بطلُت رئاساتهم إثر موجة الربيع العربي. فلكل مُلك بداية لكن النهاية لابد أن تأتي. وها قد شهدنا تغير وجه المنطقة العربية في أقل من عشر سنوات ومازالت العجلة دائرة وسنشهد تغيرات أخرى لعلها للخير فمن يعلم الأقدار والأوقات والأزمنة إلا سبحانه وتعالى العليم بالقلوب فكم وكم بسياسات الدول وفسدانها البيّن وطغيانها الأعمى وصولجانها الأعور. فكل تغيير ابتدأ وإن كان ظاهره مظلم ومجحف لكنه يحمل في طياته في قادم الأيام إن شاء المولى خير لا حصر.

الخلاصة

تسير الولايات المتحدة الأمريكية نحو التطرف السياسي "الانقسام"، وهو أول علائم انحطاط مجد أي دولة مهما بلغت من قوة، لأنه أمر متمم ومقضيا به ولو بعد حين، وفي غضون عشر سنوات ستتغير شكل السياسة العالمية والتعليم والسلوك البشري وأشياء أخرى ستحمل مستجدات تمُنطق بها وجه الدول في تعزيز الفردانية الشخصية من جهة وجود الفرد وإيمانه ومعتقداته، وتعزيز الشمولية الحكومية من جهة سلطان حكّمها وسياساتها من جهة أخرى. وسُتدفع بعض الأيديولوجيات السياسية العالمية المتصارعة إلى سلة مهملات نتيجة سيرورة حتمية تبلور الحضارة، وفي المقابل ستحل محلها التطبيقات العلمية الحديثة أثر ثورة معلوماتية وعلمية جديدتين ستخضع الكثيرين دون دراية لنمط جديد من السلوك البشري لتنظيم مطلق، به سيختفي الكثيرين ممن أبوا التأقلم وفي المقابل ستتوج الاكثرين مِمن رضوا التمازج والانسجام. فلكل عهد بداية ونهاية إلا حماقة الإنسان كما قال اينشتاين تبدأ ولا تنتهي إلا بزواله.

- هذه المقالة والآراء الواردة فيها تمثّل رأي المؤلف، ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لـ "مركز سوث24 للأخبار والدراسات".

كلمات مفتاحية: الولايات المتحدة السياسة العالمية فيروس كورونا مصير العالم