العولمة وفلسفة صناعة الإرهاب

كتابات رأي

الجمعة, 06-03-2020 الوقت 11:19:58 مساءً بتوقيت عدن

الإرهاب هي التهمة التي يلقي بها اليوم كل طرف ضد خصومه متنصلًا من التصاقها به وضلوعه في ارتكاباتها، وذلك على مستوى الدول والأفراد على حد سواء،  لذلك لم يتم لغاية الآن الاتفاق على تعريف واضح وصريح بتوصيف هذه الظاهرة آفة العصر، ولكن الأحداث المتلاحقة في انفجار العنف وتداعياته تدعو كل ذي رأي لدراسة هذه المشكلة التي تفرض ذاتها وتفكيك أركانها والبحث في جذورها، الأمر الذي عملت عليه الكثير من التيارات الفلسفية وأبحاث الفلاسفة كنهج يعتمد العقل وسيلة لرؤية الظواهر والإشكاليات الفكرية، مما يجمل بالتركيبة الفكرية لحامل الفكر الإرهابي الذي يميل إلى إلغاء الآخر المختلف وعدم الاعتراف بمنهج تفكيره المغاير ناهيك عن حقه بالوجود الإنساني خاصة بعد أحداث التفجيرات الانتحارية وقطع الرؤوس والحرق فضيحة العصر وعاره، لادعاء ما بامتلاك الحقيقة الصرفة، وهذه القناعة تقود للسلوك المتطرف الذي يعطي الحق لمعتنقيها بإقصاء الآخر عن الرأي والحياة.


ومن هنا تأتي أهمية تفكيك الحامل الثقافي لهذا الفكر الإقصائي الذي يستند إلى اجتزاء أفكار وأقوال مستلة من التراث والدين بما يخدم التشدد والمغالاة في الاحتكام إلى ما يعتقده الحق القويم الذي لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، ومن خلال إعادة قراءة للتاريخ بمنطق العقل والإنسانية لا بعقلية المنتصر.


ولا نغالي إذا قلنا كلما ازداد منسوب الجهل ازداد الاحتكام الى قواعد جاهزة ومسلم بها لسهولتها وللإجماع الذي يحتمي به بعض الفئات التي تشابه وتتفق على ما يمكن أن نطلق عليه الأصولية الفكرية وما تعتنقه من أيدلوجية سواء كانت دينية أم حزبية،  وما ينجم عنها من تبرير العنف المعنوي والمادي في عقيدة تخشى التغيير والتجديد بدعوى ثبات العقائد والأفكار،  من هنا تأتي أهمية الفكر التحليلي المستند إلى منهج الفلسفة والحرية الفكرية بالدرجة الأولى، التي تفتح آفاق العقل والتنوير ولا تضع حواجز أو معوقات أمام الأفكار التي لا تركن الى الثبات وتقارع الحجة بالحجة والرأي بالرأي وتحتاج الى مناخ من الديمقراطية بعيد عن الثالوث المقدس بالدين والسياسة والجنس.


| كلما ازداد منسوب الجهل ازداد الاحتكام الى قواعد جاهزة ومسلم بها لسهولتها وللإجماع الذي يحتمي به بعض الفئات التي تشابه وتتفق على ما يمكن أن نطلق عليه الأصولية الفكرية وما تعتنقه من أيدلوجية سواء كانت دينية أم حزبية


 ولا يمكن أن نغفل دور الجهات الصانعة له، التي تغذيه وتموله وتحقنه بدماء جديدة، رغم كل المآسي والكوارث التي يذهب ضحاياها من الأبرياء وتأتي من حاجة الجهات المهيمنة على خلق عدو لتبرر سعيها وراء مصالحها بحجة هذا العدو، بشكل غيّب حركات التحرر الوطني وأفرغ من مضمونه لتغليب الجهاد الديني على المقاومة الوطنية.


ورغم ما يقال عن دور العولمة التي شملت سيطرة القوى المهيمنة على العالم في خلق النقيض الذي يسعى لإبراز خصوصيته عبر اختلافه، فهذا لا ينفي المسؤولية الذاتية لدول الهامش في تبيان الجذور الفكرية التي تهيئ الأرضية المولدة للعنف وتغذيها، وأن تتعقب المفاصل التاريخية التي برز فيها عبر دراسة الأسباب والنتائج وفتح الأبواب عن ادعاءات المقدس فيها، حيث لا طريق يغلق أمام العقل والفكر الذي يفحص ويكشف ويدقق. فكل عنف يخلق عنفا مضاد كما يشمل الإرهاب إرهاب دولة وارهاب أفراد بالمقابل، بالغالب الارهابي يعتبر إرهابه نضالا أو جهاد محتكم في ذلك الى قناعة بأن الحق والعدل والصواب إلى جانبه.


وإذ كانت الفلسفة بمضمونها تتناول الأخلاق والضمير والفعل الانساني المواكب لها، فحري بنا أن نفتح الأبواب لها ولحرية الرأي وديمقراطية الفكر التي تجرد الفعل العنفي من أسلحته النظرية في السيطرة على عقول البسطاء الذين يقضون وقودا لنارها غير المقدسة.




كلمات مفتاحية: الإرهاب صناعة الإرهاب إرهاب الدولة الدين السياسة الجنس