في ذكرى 22 مايو!

كتابات رأي

الجمعة, 22-05-2020 الوقت 02:04:12 مساءً بتوقيت عدن

في ذكرى 22 مايو الذي لا يعنينا: يسمونها "مليشيات" ونراها قواتٍ تنتمي إلى أرضها.

جرد علي عبدالله صالح المنقلب على الوحدة السلمية بحرب صيف 1994 شعب الجنوب من قوته العسكرية وفق استراتيجية المنتصر ، فجعل قادة الجيش والأمن وأفرادهما في المحافظات كلها من خارجها مضيفاً إليهم جنوبيين موالين مأموناً جانبهم لاعتبارات معيشية، بعد أن صفّى الجيش الجنوبي بالحرب، أو النفي، ثم بالتسريح القسري (خليك في البيت)، فكانت ألوية الشمال وكتائبه منتشرة على امتداد الجنوب مستقوية على شعب أعزل على أرضه المستباحة. 

المكلا: 5 يوليو 1994

أتذكر الآن في الأيام الأولى بعد احتلال المكلا (5 يوليو 1994) صورة ذلك الطقم العسكري المثقل بالجند الأغراب المتسخين أمام البنك الأهلي في ديس المكلا، عاكساً الخط بسرعة جنوبية، وهم يتلفظون بكلمات مزعجة، والمارة ذاهلون واجمون. كانت تلك الصورة عتبة المرحلة منذ 94.

شعب أعزل

لقد عمل علي عبدالله صالح وشركاؤه - شركاء عبدربه الآن - على نزع سلاح الجنوب، بحيث يضمنون تنفيذ خططهم الجهنمية للاستباحة والنهب والعبث وخلخلة المجتمع ثم إعادة تشكيله بالطريقة التي يرونها ضامنة لاستمرار وحدتهم المعمدة بالدم، كما كان يقول صالح مزهواً، ويهدد في أكثر من مناسبة بالعبارة الدموية (الوحدة أو الموت).

قبضة حديدية 

ظن صالح وشركاؤه وأدواته أن الجنوب سيظل أعزل إلى ما لا نهاية، فأمعنوا في الفساد والإفساد والعبث بكل شيء، وكانوا يقمعون بقبضتهم الحديدية كل صوت معارض أو متبرم، بوسائل شتى. وكان شعب الجنوب إلا قلة تماهت مع المرحلة يتململ، وكانت الملاحقات والسجون والإغراءات والابتزاز من أساليب تثبيت سلطة مانسميه (الاحتلال) بلا مبالغة.

قصر ضابط يعمل في سيئون  

أتذكر قبيل انطلاق الحراك الجنوبي السلمي في 2007، كنت برفقة صديقين ضيوفاً في بيت صديق من أبين كان نائب وزير في بصنعاء. أعد وليمة على شرفنا، كما قال، ودعا إليها عدداً من أصدقائه الضباط الأبينيين الكبار، وهم ممن كانوا في صف شرعية 94. بعد الغداء أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا عن أوضاع الجنوب. بدأ همساً، فهناك توجس من أن يكون بيننا عين أو أذن من عيون النظام وآذانه، لكني كنت، بلا توجسات، أتحدث بنبرة حادة. كان الضباط يتشاغلون عن المشاركة في الحديث، بأحاديث جانبية، أو بتنقية أغصان القات وأعواده، ويتلفتون يمنة ويسرة لا شعورياً، وكان نائب الوزير يحاول أن يغير الموضوع، لكني كنت أتعمد معرفة آرائهم ومواقفهم مما يحدث. كدت أيأس، فأقول في نفسي: ليس بهم طاقة ولا لهم إرادة، حتى انفجر أحدهم بعد مهامسة مع النائب الذي قال له بصوت عالٍ: خذ راحتك.. ما احد غريب.

انطلق الضابط متحدثاً بألم تاريخي، موجهاً الحديث إليّ. كل ما تقوله صحيح، ولدينا أكثر، ثم سرد قصصاً وحكايات من أعاجيب ما فعل صالح وشركاؤه وأعوانه، وكيف يعيش الجنوبي عسكرياً كان أم مدنياً، ضابطاً كبيراً أم جندياً كموظف في شركة خاصة بلا ضمانات. ثم نهض من مجلسه، ليفتح إحدى النوافذ، وقال لي: تعال، أنظر . أترى هذا القصر وبوابته الضخمة وحمايته. قلت له: نعم. أهو مبنى حكومي أو عسكري؟ قال: كلا، هذا قصر ضابط أدنى مني رتبة يعمل في سيئون. إنهم عصابة نهب وتهريب وفساد.

وامتد الحديث، وأدلى كل من الموجودين بدلائهم، فوجهت في نهاية المجلس سؤال اللحظة: وما العمل؟ قال: لن نحقق شيئاً ونحن شعب بلا سلاح.
مليشيات ام نواة جيش؟

أستعيد ذلك الحديث، بعد أن صار للجنوب الآن نواة جيش جنوبي، ولم يعد شعباً أعزل. لقد كانت المقاومة الجنوبية القوة الأولى التي جابهت تحالف الحوثي - صالح، وانتصرت عليه في 2015، ثم تشكيل وحدات الجيش الجنوبي في ما عرف بالأحزمة الأمنية، والنخب، ومنها النخبة الحضرمية التي كان لها شرف دحر عناصر تنظيم قاعدة الاحتلال في 2016.

خطاب الوحدة السنوي

كم هو الفرق كبير بين ما ساد منذ 94 وما استجد منذ 2015 من توازن عسكري، نراه جيشاً جنوبياً قادته وأفراده ذوو انتماء للأرض، ويرونه صبح مساء مليشيات مدعومة إماراتياً. لقد استعاد الجنوب لحظة التوازن والتفوق ميدانياً، ولا عجب اليوم أن يخوض معركة استكمال التحرر، بإرادة فولاذية، تنكسر أمامها قوات من بقايا جيش القمع والاستعراض والكشوفات الوهمية، بلا قضية سوى إعادة الهيمنة بوهم تسعيني وضعه الجنوب تحت الأقدام، ولم يدع لنظام البقايا  حتى فرصة الزهو بخطاب إنشائي سنوي سقيم عن ذكرى وحدة 22 مايو المعمّدة بالدم والحماقة التاريخية.

كلمات مفتاحية: الوحدة اليمنية جنوب اليمن استقلال الجنوب المجلس الانتقالي القوات الجنوبية الحكومة اليمني نظام صنعاء 22مايو