المشروع المتخيل: مشروع الوحدة اليمنية (1)

كتابات رأي

الإثنين, 01-06-2020 الوقت 11:43:10 مساءً بتوقيت عدن

كثير منا تساءل ما الذي جعل الحزب الاشتراكي يقدم على الوحدة مع الشمال بهذا الشكل غير المدروس؟ وللتعرف على أهم تلك الأسباب كان علينا البحث في خلفية ذلك الحدث من صانعيه والقريبين من دوائر صنع القرار حينها. استندنا في ذلك لشهادة الشهيد المغدور جار الله عمر، عن خلفية الذهاب للوحدة، وهي كالتالي:

 جار الله عمر:
["ظهر النفط، المسيّل خصوصاً، بكمّيّات تجاريّة في الجنوب. والجنوب على وشك أن يصبح دولةً نفطيّة ينتج أكثر من الشمال. وقد بادرت الدول الخليجيّة، السعوديّة خصوصاً، للانفتاح على الجنوب وتقديم المساعدات له. وأذكر عرضاً غير رسميّ بأنْ يسدّد المغتربون في الخليج وتحديداً في السعوديّة ديونَ عدن.

هل كان هناك تنافسٌ في هذا المجال بين السعوديّة والجنوب تحديداً؟ كلّا لم يكن هناك تنافس لأّن الجنوب الجديد يمكن أن يقوم بدورٍ لا تستطيع السعوديّة القيام به، والسعوديّة أرادتْ إقامة علاقة مع الجنوب خصوصاً أنّها لم تنجح في علاقةٍ أقامتْها مع الشمال لأنّ القبائل كانوا يأخذون منها الأموال ويخدعونها. أراد السعوديّون منفذاً تجاريّاً على البحر العربيّ. كان بإمكان عدن أن تكون ذلك المنفذ حيث عدن مدينة حديثة ومعاصرة، والسّعوديون يعيشون في كبت ويبحثون عن متنفّس، كان بإمكان عدن أن تكون منطقةً سياحيّة ومنفذاً إلى العالم والعصر.

خضع الأمر للنّقاش داخل الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ، وكان الحديث عمّا نريد من الدولة في الجنوب. وأذكر أنّ علي البيض وآخرين قالوا بصريح العبارة: ينبغي أن نسرع بإقامة الوحدة اليمنيّة قبل أن نصبح دولةً نفطيّة. كانت هذه نقطةً مهمّة جدّاً. حمل علي سالم البيض هذا الرّأي الّذي وافقناه فيه فقد أردنا أن تقوم دولة الوحدة قبل أن يصبح الجنوب دولةً نفطيّة، فالشعب في الجنوب وكثيرٌ من الناس سيعارضون قيام الوحدة وسيرغبون في أن تكون عدن والجنوب واحدة مثل الدّول الخليجيّة الصغيرة، أيْ بلداً يبلغ عدد سكّانه مليوناً ونصف المليون أو مليونين ويملك ثروةً نفطيّةً لكنّه لا يملك سكّاناً. يمكن أن يعيش هؤلاء في رفاهية، لكنّ هذه الأمور لا تبني مشروعاً أو وطناً أو دولةً أو نهضة.

ثمّ إنّ مشكلة هذا المشروع أنّه صغير وقد رغبنا بمشروع كبير. قد يقول البعض إنّنا حالمون وخياليّون وقد يقول آخرون إنّ دولة لوكسمبورغ صغيرة لكن سكّانها سعداء، أو سويسرا أو النّرويج أو سنغافورة إلخ. لكنّ هذا ما دار في أذهاننا يومها، وكنتُ واحداً من الذين فكّروا فيه. لكنْ أذكر أنّ علي سالم البيض طرَح هذه الفكرة وهو لا يستطيع التّحدّث الآن كما أنّه ليس مرتاحاً منّي ولا إليّ ولا تعجبه أفكاري. وعلى الرّغم من ذلك أريد قول الحقيقة. قال علي سالم البيض إنّه إذا ظهر النفط فربّما يصبح هناك دولة صغيرة تزدهر مؤقّتاً، لكن ليس المستقبل لهذه الكيانات الصغيرة بل هو لمشروعٍ كبير.

جار الله عمر موجها حديثه لعفاش "الحزب الاشتراكيّ يريد أن يعقد معك صفقة كاملة. يسلّم نفسه لك بشكلٍ كامل، كلّنا سلّمنا أنفسنا، العاصمة، الدولة، صنعاء، وستكون أنتَ رئيساً"
وبرأيي، المشروع الكبير الذي يمكن أن يستمرّ ليس اليمن الحالي، فحتى اليمن الحالي صغير يتعدّد ويتطوّر، المهمّ أنّ فكرة الوحدة مرتبطة بالتنمية والتطوّر والمشروع التوحيديّ العربيّ، أي أنّ المشروع التوحيديّ العربي موجودٌ في أعماقنا وثقافتنا وجذورنا وطفولتنا. وبناءً على هذه الخلفيّة كان الجنوب مستعدّاً وجاهزاً ولكن بآراءَ مختلفة."]

 هذه كانت خلفية إقدام البيض وحزبه بتسريع الذهاب للوحدة، البحث عن مشروع كبير مرتبط بالتنمية والتطور المقترن بالوحدة العربية. هكذا يبرّر للذهاب للوحدة حينها بالنوايا الحسنة للقيادة وتغليف ذلك بشعارات وطنية بواحدية الأرض والمصير!

الحقيقة الأكثر فهما صرّح بها الرفيق ياسين سعيد نعمان، عندما كان أمينا عاما للحزب الاشتراكي بقوله "حقق الحزب الاشتراكي أهدافه الرئيسية بالقضاء على مشروع الجنوب العربي الاستعماري وتحقيق الوحدة اليمنية".

ثم الأنكى، هذا القول للشهيد المغدور جار الله عمر موجها حديثه لعفاش "الحزب الاشتراكيّ يريد أن يعقد معك صفقة كاملة. يسلّم نفسه لك بشكلٍ كامل، كلّنا سلّمنا أنفسنا، العاصمة، الدولة، صنعاء، وستكون أنتَ رئيساً، سنعطي أنفسنا لكَ بالجملة وسنصبح تحت قيادتك فلمَ تريد أن تأخذنا بالتّقسيط وعلى دفعات؟"

 هكذا قامت سلطة الاشتراكي بتسليم الجنوب (تسليم أهالي.. نظيف) إنسان، أرض، هوية، تاريخ، ثروة، في مقابل مشروع متخيّل في رؤوس قيادتنا العتيدة. ورغم ذلك قُوبلوا بالغدر والرصاص والإقصاء، ولذا أطرح الاسئلة التالية للقراء:

هل كان هناك مشروعا حقيقياً كان يجب الدخول فيه حتى ولو على حساب الجنوب وشعبه؟ 
هل لا يمكن بناء مشروع وطني جنوبي إلا بالوحدة مع الشمال؟
لماذا لم تفكر القيادة الجنوبية في بناء مشروعها الوطني الجنوبي؟
ما هي متطلبات بناء مشروع وطني جنوبي؟
أسئلة للنقاش من أجل رؤية وملامح للمشروع الوطني الجنوبي القادم بعيداً عن وهم المشاريع المتخيلة مستقبلا.

كلمات مفتاحية: الوحدة اليمنية علي سالم البيض الحزب الاشتراكي اليمن الشمالي اليمن الجنوبي