عدن: أزمات قديمة وأخرى جديدة.. من المسؤول عن تدهور الأوضاع؟‎

عدن: أزمات قديمة وأخرى جديدة.. من المسؤول عن تدهور الأوضاع؟‎

التقارير الخاصة

السبت, 06-03-2021 الوقت 03:23:48 مساءً بتوقيت عدن

سوث24| قسم الرصد

أزمات لا تنتهي، هكذا هو حال عدن، المحافظة المنكوبة خدمياً واقتصادياً، والتي يعيش سكانها أوضاعاً معيشية وإنسانيةً وخيمة رغم تحريرها من ميليشيا الحوثي وحلفائها قبل أكثر من ستة أعوام. واليوم، بعد أكثر من شهرين على وصول حكومة المناصفة بين جنوب وشمال اليمن- التي تمخّضت عن اتفاق الرياض بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة الرئيس هادي - لم يتغير الحال، بل ازداد سوءاً، وزادت معه معاناة الناس.

فضلا عن أزمة الكهرباء طويلة الأمد، تشهد عدن أيضا أزمات أخرى تؤرق ساكنيها. ضاعفت معاناة الناس انقطاع رواتب كثير من القطاعات العسكرية والمدنية والأمنية. المياه تنقطع بشكلٍ مستمر عن كثير من الأحياء في المدينة. المشتقات النفطية تختفي من المحطات الحكومية وتُباع في الأسواق السوداء والأرصفة بأسعار مرتفعة. أسعارُ السلع الغذائية تشهد صعوداً مُرعبا بالتزامن مع الهبوط الحاد لعملة الريال اليمني أمام العملات الأجنبية.

كل هذا معاً في خضم وضع سياسي يشوبه الغموض والتناقض بعد تشكيل حكومة المناصفة اليمنية، وانتهاء نزاعٍ عسكريٍ استمر لأكثر من عام ونصف بين الجنوبيين بقيادة الانتقالي وأجنحة الإخوان المسلمين في شرعية الرئيس هادي، التي تسيطر على قطاع سياسي وعسكري واقتصادي واسع يكاد يكون مستقلاً عن الحكومة الجديدة ومتمرداً - بشكلٍ غير مباشر- على اتفاق الرياض.

الكهرباء

"نحن مقبلون على صيف حار لا يمكنني إلا أن أصفه بالكابوس، إذا كان التيار الكهربائي ينقطع لنصف يوم في هذه الأيام المعتدلة والباردة في عدن كيف سيكون حالنا في هذا الصيف؟ عدن تتعذّب أمام مرأى ومسمع الجميع"، يقول المواطن أنور محمد- من أبناء مديرية خور مكسر بعدن- لـ "سوث24"، وهو أبٌ لأربعة أولادٍ يعمل حمالاً للبضائع في أحد المحلات.

أزمة الكهرباء ليست امراً جديداً على سكان عدن، فهذه المعاناة بدأت منذ الوهلة الأولى أعقاب حرب 2015 وتحرير المحافظة، لكنّها اليوم أكثر استفحالاً من أي وقت مضى، ولم تتحقق الوعود المستمرة والمشاريع المزعومة حتى الآن، ورغم الجهود التي تبذّلها سلطة عدن المحلية برئاسة المحافظ أحمد لملس، تتدهور خدمة الكهرباء باستمرار في ظل صمت وعجز حكومي على مستوى الوزارة والجهات المعنية.

اعتبر المنسق العام لإدارة المحافظ لملس، فهد الخليفي، في حديث لـ "سوث24" أنّ أزمة الكهرباء "موضوع سيادي تتحمله الحكومة، وقد أتى المحافظ لملس على تركة ثقيلة في ما يخصّ الخدمات والكهرباء"، ويقول الخليفي أنَّ سبب أزمة الكهرباء هي "البنية التحتية المتهالكة للكهرباء والعبث الذي تعرّضت له منظومة الكهرباء بعد حرب 2015"، مشيراً إلى أنَّ "الربط العشوائي وعدم تسديد الفواتير من قِبل المواطنين" زاد المشكلة سوءاً، بالإضافة إلى "ارتفاع تكاليف الوقود الذي تتحمل الدولة جزء كبير من دعمه".

من بين الأسباب، أيضا، المحطات الكهربائية الحكومية المتهالكة، التي خرج كثير منها عن الخدمة، والمحطات التجارية التي تتوقف عن العمل بين حين وآخر نتيجة لنفاد الوقود. لجأت سلطة المحافظ لملس إلى تسلّف أطنان من الوقود من تجارٍ لتغطية احتياجات بعض المحطات في سبيل التخفيف من انقطاعات الكهرباء، وهي حلول "ترقيعية تعبّر عن غياب الدور الحكومي وحالة التخبط والعشوائية واللادولة"، حدّ تعبير المواطن أنور محمد.

وفقاً لمصدر في كهرباء عدن تحدّث لـ"سوث24"، فإنَّ محطة "الرئيس هادي" الغازية لن تدخل الخدمة على المدى القريب في عدن، وهي محطةٌ توليدية بقدرة 264 ميجا وات يجري العمل عليها في عدن منذ سنوات، وهو ما يبدّد مزاعم حكومية بقرب تشغيل هذه المحطة.

ووفقاً للمصدر، فالمشكلة في مفاتيح وخطوط نقل الطاقة هي ما يمنع هذه المحطة عن العمل خلال الأشهر القادمة، والتي وإن دخلت الخدمة سيوقفها نفاد الوقود المتكرر الذي أوقف محطات أخرى أقل استهلاكاً.

لكنَّ المنسّق لإدارة المحافظ لملس، فهد الخليفي، توقّع أن تدخل هذه المحطة في نهاية شهر أبريل/نيسان القادم، وتحدّث عن إجراءات وخطوات حثيثة ستسهم في التخفيف من أزمة الكهرباء تشمل "الإصلاحات في محطات الدولة التابعة للمديريات والتي تعرّضت للتخريب في الحرب".

المرتبات

منذ أكثر من ثمانية أشهر، انقطعت مرتبات منتسبي القطاع العسكري والأمني في عدن ومحافظات الجنوب، وهو ما أضفى معاناة جديدة ومنغّصة في حياة المواطنين الذين يعتمد كثير منهم- بشكلٍ مباشر- على هذه المرتبات في تسيير شؤونهم، ولم تُصرف هذه المرتبات رغم الوعود المتكررة.

وأقامت الهيئة العسكرية الجنوبية العليا مخيمات اعتصام أمام مقر القوات السعودية بمدينة البريقه بعدن أواخر العام المنصرم للمطالبة بالمرتبات قبل أن يتم فضّها بعد وساطات قادها محافظ عدن لملس، إلا أنَّ الهيئة أصدرت مؤخراً عدة بيانات تؤكد فيها عزمها على إعادة فتح هذه المخيمات وجملة من الخطوات التصعيدية الأخرى إذا ما استمر الحال على ما هو عليه.

يقول فهد الخليفي في حديثه لـ"سوث24" أنّ "المحافظ لملس بذل جهود كبيرة بخصوص رواتب العسكريين وهم يعرفون ذلك أكثر من غيرهم، رغم أنّ هذا ليس من اختصاصه، واستطاع تأمين مرتب شهر لهم بالتعاون مع الصرافين في عدن الذين لبوا دعوة المحافظ والحكومة آنذاك، واليوم تتحمل حكومة المُناصفة كافة المسؤولية في صرف الرواتب"

"أصابنا التعب ونحن ننتظر هذا المرتب، خذلنا الجميع ولم نعد نصدّق أي أخبار تتحدث عن صرف المرتبات، تخيّل أنهم قد صرفوا لنا أكثر من 10 مرتبات في المواقع الإخبارية لكننا لم نحصل على ريال واحد على أرض الواقع"، يقول الجندي في القوات الجنوبية، محمد السعدي لـ سوث24، ويضيف "يريدون تركيع أهل عدن والجنوبيين ثمناً لمواقفهم الوطنية، حتّى هذه الحكومة التي أملنا فيها خيراً لم تقم بأي شيء، لن ننظر لأطفالنا وهم يموتون جوعاً، في نهاية المطاف سنحمل سلاحنا ولن نميّز أحد".


يعقوب السفياني
صحفي ومحرر في مركز سوث24 للأخبار والدراسات


ويؤكد المسؤول في مكتب محافظ عدن، الخليفي بأنَّ "القوات الجنوبية التي أنشأها التحالف العربي بعد حرب 2015 ولم تُدرج في أجهزة الدولة حتّى الآن" لم تتلقَ مرتباتها منذ أشهر عدة، ولا يمكن "نسيانها"، وهي من "تستحق دعمها وتوفير مرتباتها من قِبل التحالف العربي".

الجدير بالذكر أنّ قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي تلقّت - قبل أكثر من 10 أيام - وعوداً من قيادة التحالف العربي السعودية بصرف مرتبات القوات الجنوبية التي ترابط في سلسلة من الجبهات المفتوحة ضد الحوثيين تمتد من حيفان وطور الباحة بلحج إلى حجر والفاخر شمال الضالع، ولم تتحقّق هذه الوعود حتى الآن.

ووفقاً لعضو الجمعية الوطنية لدى الانتقالي الجنوبي، وضاح بن عطية، أوقفت قيادة التحالف في عدن مخصصات التغذية الجنوبية بدلاً عن الإيفاء بوعدها الذي مرّ عليه أكثر من 10 أيام. عطية - في تغريدته على منصة تويتر- قال إنَّ قوات التحالف أعلنت "وقف التغذية على القوات الجنوبية التي تحمي أغلب المناطق المحررة وتواجه الحوثي في أكثر من ١٨ جبهة".


ولا تقتصر أزمة المرتبات فقط على القطاع العسكري، بل تشمل أيضاً القطاع المدني وخصوصاً المعلمين، ورغم كون هذه المرتبات تُصرف شهرياً بشكلٍ شبه منتظم، إلا أنّها ونتيجة للتدهور الاقتصادي وهبوط الريال اليمني فقدت أكثر من نصف قوتها الشرائية، ومعرضّة لفقدان المزيد إذا استمر ارتفاع الأسعار، وهو ما سبّب تعطيل العملية التعليمية أكثر من مرة، وتلوح في الأفق اليوم بوادر إضراب شامل عن التعليم ينفذّه المعلمون في عدن والمحافظات الجنوبية.


لقد "ضغط المحافظ لملس ولا يزال بخصوص قضية رواتب المعلمين"، يقول الخليفي "لكنّها قضية مركزية لا تعني معلمي عدن فقط، بل كافة معلمي الجنوب واليمن، ويجب أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها لمساعدة المعلمين في مواجهة ارتفاع الأسعار وانهيار العملة وغلاء المعيشة".

هبوط العملة وارتفاع الأسعار

وبالتوازي مع ذلك، انهار الريال اليمني إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في أواخر العام 2020، إذ تخطى الدولار الواحد 900 ريال يمني، ليتحسن بعدها بالتزامن مع الانفراجة التي شهدها اتفاق الرياض بين الانتقالي الجنوبي وحكومة الرئيس هادي، لكن هذا التحسن لم يدم طويلاً بعد وصول حكومة المناصفة اليمنية إلى عدن مع مطلع العام الجديد.

 واليوم بلغَ سعر الدولار أكثر من 870 ريالاً يمنياً، وهو مرشحٌ للارتفاع أكثر خلال الأيام القادمة، خصوصاً مع حالة الفساد المستشري في قطاعات الدولة المالية والبنك المركزي، وهو ما كشفته "فضيحة" نهب الوديعة السعودية التي أوردها تقرير أممي، ونفته إدارة البنك، المتهمة بقضايا فساد سابقة.


انعكس هذا الهبوط الحاد للعملة على كافة مناح حياة المواطنين، وتسبّب بارتفاع جنوني للأسعار، إذ ارتفعت أسعار معظم السلع الغذائية الأساسية بنسب تتراوح بين 25 إلى 35%.

ومع انقطاع مرتبات القطاع العسكري، ومرتبات القطاع المدني الضئيلة، وهذا الارتفاع المستمر بأسعار السلع الغذائية، تبدو حياة المواطنين في عدن ومحافظات الجنوب أشبه بـ "الجحيم المستعر"، كما يقول المواطن أنور محمد لـ"سوث24".

يضيف أنور "كثير من الناس المتعففين يختارون البقاء في بيوتهم على الرغم من أنّهم قد لا يأكلون أكثر من وجبة واحدة في اليوم، منهم من كان راتب والدهم المتقاعد مصدر دخلهم الوحيد، ومنهم المعلم الذي لم يعد مرتبه يكفي لنصف متطلبات الحياة، ومنهم أنا ممن يتلقون أجر يومي ضئيل قد لا نجده في الغد".

تجدر الإشارة إلى تحذيرات خبراء الاقتصاد من حالة الكيانات الموازية للدولة التي تسيطر على مواردها النفطية والغازية، والتي تُشكّل عصب وبنيان الاقتصاد اليمني، وهي الموارد التي تسيطر عليها القوات الموالية للإخوان المسلمين في مأرب وحضرموت وشبوة، ويتهم المجلس الانتقالي الجنوبي وأطراف سياسية أخرى في حكومة المناصفة جماعة الإخوان المسلمين بنهب الموارد النفطية وتكريسها لتنفيذ أجندة مشبوهة، ومشاريع "وهمية".


ومنذ سبتمبر/أيلول 2016، وهو تاريخ قرار الرئيس اليمني هادي نقل البنك المركزي من صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى العاصمة عدن، امتنعت سلطات محافظة مأرب الغنيّة بالغاز عن توريد إيرادات المحافظة إلى البنك المركزي.

ويشكل اللاجئون الأفارقة ونازحي شمال اليمن في عدن عبئاً إضافياً آخر على المدينة، إذ يفترش هؤلاء أرصفة الطرقات ويلجأ بعضهم إلى التسوّل بحثاً عن الغذاء، دون معالجة حقيقية لأوضاعهم.


الوقود والمياه

وإلى ذلك، شهدت عدن خلال الأسابيع الأخيرة أزمةً حادةً في الوقود، بعد أن بلغ سعر عبوة البترول سعة 20 لتر إلى أكثر من 10 آلاف ريال مقارنة بـ 7600 ريال هو السعر الرسمي لها. ونتيجة لأزمة الوقود هذه، ارتفعت أسعار المواصلات والأجرة في المدينة لتضيف معاناة جديدة على كاهل المواطنين.

ولحل أزمة الوقود، قام محافظ عدن، منذ ثلاثة أيام، بزيارة إلى مقر شركة النفط ومصافي عدن واجتمع بإدارتها، ووجّه باتخاذ العديد من الإجراءات العاجلة لتوفير المشتقات النفطية وضخّها للمحطات. أسفرت هذه الجهود عن توفير الوقود بسعر 8 آلاف ريال لكل 20 لتر من البترول، بزيادة 400 ريال عن سعرها السابق، وهو ما اعتبره مواطنون غير كافياً.

وفي تقرير أوردته صحيفة "عدن تايم" الإخبارية، فإنَّ اللجنة الاقتصادية العليا اليمنية رفعت الرسوم الجمركية على واردات النفط في عدن بنسبة 15%، وهو ما تسبب في ارتفاع أسعار البنزين المستورد إلى عدن بشكلٍ كبير جداً، لا سيما مع استمرار ارتفاع أسعار النفط عالمياً، حدّ قول الصحيفة.

ووفقاً لـ"عدن تايم"، ارتفع سعر طن البنزين المستورد إلى عدن من 650$ للطن إلى 730$$، بمعدل زيادة 80$، وقالت المصادر لعدن تايم أنَّ أسعار البنزين خلال الأسابيع القليلة الماضية ارتفعت أربع مرات، حيث كان طن البنزين بسعر 505$ وكانت عبوة البنزين بسعة 20 لتر تُباع في محطات عدن بسعر 6600 ريال يمني، وارتفع الطن بعدها إلى 550$، ثم إلى 650$ لاحقاً، واليوم بعد قرار اللجنة أصبحَ سعر الطن 730$، وهو ما سببب أزمة وقو حادة في عدن أوصلت سعر العبوة 20 لتر من البنزين إلى أكثر من 10 آلاف ريال، قبل أن يتدخل محافظ عدن أحمد لملس ويوفره بسعر 8 آلاف ريال.

كما تعاني بعض مديريات عدن أزمة مياهٍ مستمرة، حيث تنقطع إمدادات المياه لأيامٍ كاملة، ويلجأ بعض المواطنين المقتدرين لشراء براميل المياه المُحملة على مركبات النقل، فيما يكتفي البسطاء منهم بنقل ما يحتاجونه من المياه على ظهور الحمير.


أطفال ينقلون المياه على ظهر الحمير في عدن (فرنس برس)

ووفقاً لفهد الخليفي، تعرضّت مؤسسة المياه بعدن لـ"عبث كبير وممنهج، ولا تزال الإيرادات منخفضة مقارنة بالمصاريف بسبب عدم تسديد الرسوم وخروج كثير من الحقول عن الجاهزية"، وأكّد الخليفي أنّ خدمة المياه تشهد تحسناً كبيراً منذ تولي المحافظ لملس إدارة عدن، إذ ارتفع ضخ المياه إلى عدن إلى "أكثر من 80 ألف متر مكعب"، بالإضافة لـ"تغييرات إدارية أجراها المحافظ في مؤسسة المياه".

وتحدّث الخليفي عن الإنجازات في مجال خدمة المياه في عدن التي تمّت منذ وصول المحافظ لملس ومنها "افتتاح 10 آبار جديدة في حقل المناصرة المائي، وإعادة تأهيل 5 آبار أخرى، بتمويلٍ من البرنامج السعودي".

وأشار الخليفي إلى توسّعٍ قادم في هذا المجال منها "10 آبار جديدة بتمويل الإغاثة الكويتية، و5 آبار بتمويل البرنامج السعودي، وأيضاً إعادة ترتيب حقول الروة في محافظة أبين لضخ المياه إلى عدن".

وعن أحياء عدن التي تواجه مشكلة دائمة في المياه، خصوصاً في مديرية صيرة، قال الخليفي في حديثه لـ"سوث24" أنَّ مؤسسة المياه بقيادة مديرها محمد باخبيرة "تبذّل جهوداً لتحسين الأوضاع، رغم أنَّ البناء العشوائي في الجبال والأماكن المرتفعة تمَّ بدون تخطيط من الدولة"، ووفقاً للخليفي، ذلك ما يجعل توفير الخدمات بحاجة لـ "إمكانيات أكبر في ظل ظروف صعبة تمّر بها البلاد".

غضبٌ شعبي

نتيجة لكل هذه الأزمات، شهدت عدن غلياناً شعبياً واسعاً خلال الأيام القليلة الماضية. في وقت متأخر من مساء الثلاثاء الماضي، خرجت تظاهرات شعبية غاضبة في مدينتي كريتر وخور مكسر، أشعل فيها المتظاهرون النيران في إطارات السيارات وقطعوا الطرقات، رافعين شعارات تطالب بصرف المرتبات وتوفير الوقود وحل مشكلة الكهرباء.


شباب غاضبون يقطعون الطريق ويحرقون الإطارات، 2/مارس عدن كريتر (نشطاء - فيسبوك)

واحتجّ المئات من المواطنين في ساحة العروض بخور مكسر على تردي الأوضاع الخدمية، منددين بالخذلان وخيبة الأمل التي تعرضّوا لها من قبل حكومة المُناصفة الجديدة، وتوعّد هؤلاء بتظاهرات وتصعيد مستمر إذا استمرت الأوضاع بما هي عليه.


مئات المتظاهرين يحتشدون في ساحة العروض، 4/مارس عدن، خور مكسر (أحمد بن عامر - فيسبوك)

وتعليقاً على هذه الاحتجاجات، قال فهد الخليفي، المنسق العام لإدارة المحافظ لملس، أنّ "التعبير عن الرأي حق مكفول للجميع، وخروج المتظاهرين بطريقة سلمية للتعبير عن غضبهم بسبب الظروف المعيشية حقٌ لهم، لكن المهم أن لا تخرج هذه المظاهرات عن نطاق السلمية وأن لا يُترك المجال للمتصيدين لتحقيق أهداف حزبية أو معادية ضد عدن والجنوب عامة".

وكان خبر تمويل برنامج مكافحة الجراد الصحراوي المقدّم من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، والذي دُشن بحضور وزيري الزراعة والبيئة بحكومة المُناصفة، قد أثار موجة سخط وسخرية واسعة بين صفوف الجنوبيين في مواقع التواصل الاجتماعي، وقال نشطاءٌ أن برنامج الإعمار كان من الأولى به المساهمة في حل مشكلة الكهرباء عوضاً عن مكافحة الجراد التي لا يجد معظم السكان مشكلة في اعتبارها "غذاء مجاني".

غياب حكومي

"التركة ثقيلة أمام المحافظ لملس، ولا زال يواجه الكثير من التحديات لوحده رغم وجود الحكومة التي- للأسف- إلى الآن لم تعمل بالكفاءة والفعالية التي كنّا نتوقعها منها"، يقول فهد الخليفي، ويضيف "لكن ربما التركة أكبر حتّى من قدرات الحكومة".

ويؤكّد الخليفي أنَّ لملس "يقوم بأكثر من عمله كمحافظ، خصوصاً في مجال الخدمات والرواتب وغيرها من الأمور التي تعتبر من مسؤولية الحكومة"، معرباً عن أمله أن تكون حكومة المناصفة "في مستوى الثقة، وأن تنهض بعمل حقيقي يشعر به المواطن البسيط".

وقال الخليفي أنّ على أبناء عدن "أن يثقوا" بأنَّ المحافظ لملس سيبذل كل الجهود للنهوض بهذه المدينة من وضعها، مؤكداً أنَّ عدن "ستعود لمركزها الحضاري والثقافي وزهرة للمدائن".

وتواصل "سوث24" مع مكتب رئيس وزراء حكومة المناصفة، الدكتور معين عبد الملك، للاستفسار عن الدور الحكومي فيما يخص العديد من القضايا والأزمات في عدن وبقية المحافظات، وخطط الحكومة للصيف القادم في عدن، لكن لم تتم الإجابة على الأسئلة المطروحة بعد أن كنا قد تلقينا وعداً بذلك، لسببٍ مجهول.

القادم

من المرجّح أن تزداد التظاهرات الشعبية خلال الأيام القادمة تزامناً مع تصعيد محتمل للهيئة العسكرية الجنوبية العليا ونقابة المعلمين الجنوبيين، تجاه ما يعتبره الجنوبيون "حرب تركيع وتجويع وإخضاع مُمنهجة".

وهو ما يعزّزه عودة "العمليات الإرهابية" إلى عدن، كان آخرها محاولة اغتيال القائد العام لألوية الدعم والإسناد العميد محسن الوالي، وأركان حربه العميد نبيل المشوشي، الخميس الماضي، أسفرت عن استشهاد مجندين ومدني، وإصابة 13 آخرين.


الهجوم الإرهابي الذي استهدف قيادة الدعم والإسناد بمتفجرات في براميل وكمين، 4/مارس عدن، الشعب (إعلام الدعم والإسناد - فيسبوك)


يعتبر الجنوبيين هذه الأعمال استكمالاً للحرب التي تشّن ضدهم على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والخدمية والأمنية، وهو ما حذّر منه بيان الانتقالي الجنوبي بعد الحادثة الإرهابية، وقال، على لسان ناطقه علي الكثيري، أنّه لن يقف مكتوف الأيدي تجاهه. لكنّ المسؤولية التي تقع على عاتق المجلس الانتقالي الجنوبي، تتطلب أكثر من هذه البيانات.

وفي الوقت الذي، تحوم الكارثة الإنسانية حول عدن، تجتهد حكومة المناصفة بجمع التبرعات المالية من القطاعات التجارية والحكومية، من عدن، لدعم القتال في جبهات مأرب في أقصى شمال شرق اليمن. وينظر مراقبون إلى أنّ هذه المعاناة التي يعيشها المواطن في عدن، تعبّر بصورة جلية عن فشل حكومة المناصفة، حتى الآن في تغيير هذا الواقع، وكذلك فشل التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، في الوفاء بالتزاماته تجاه المواطنين، ووفقا للبند السابع الذي أتاح له التدخل عسكريا في البلاد.

- مركز سوث24 للأخبار والدراسات

عدن جنوب اليمن التحالف العربي حكومة المناصفة المجلس الانتقالي الجنوبي أزمة الكهرباء