دراسات

أساطيل الظل كرافعة حرب: دراسة تكشف كيف يتجاوز الحوثيون العقوبات ويحوّلون التهريب إلى “اقتصاد حرب”

غلاف الدراسة - مركز سوث24

آخر تحديث في: 17-01-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | عدن


قدّم مركز سوث24 للأخبار والدراسات دراسة بحثية للباحث د. يوسف مرعي بعنوان: “أساطيل الظل كرافعة حرب: كيف يتجاوز الحوثيون العقوبات؟”، خلُصت إلى أن شبكات الشحن المعتمة والتهريب البحري لم تعد مجرد “حيلة” لتفادي القيود الدولية، بل تحوّلت إلى منظومة موازية تُغذّي قدرات الحوثيين المالية والعسكرية وتُطيل أمد الصراع، مع امتدادات تتجاوز الداخل اليمني لتلامس أمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.


تضع الورقة هذا الملف في سياقين متداخلين: تصاعد هجمات الحوثيين على الشحن في البحر الأحمر منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، واتساع “بيئة التحايل” عالميًا بعد الحرب الروسية-الأوكرانية بما أفرز بنية شبه جاهزة من شركات واجهة ووثائق ومسارات “مُعتمة” يمكن لوكلاء خاضعين للعقوبات—ومن بينهم الحوثيون—تكييفها لمصلحتهم. وتوضح الدراسة أن الحوثيين بنوا شبكات تهريب قبل سيطرتهم على صنعاء، لكن تلك الشبكات توسّعت بعد 2014 بشكل غير مسبوق، وارتبطت بتأمين الوقود والسلاح والموارد عبر البحر.


وتلفت الورقة إلى أن “أسطول الظل” في جوهره يتكوّن في الغالب من سفن قديمة تُخفي هويتها عبر أساليب متعددة، مثل الإبحار دون تأمين، أو إيقاف أجهزة الإرسال والتتبع، أو تزوير الوثائق، أو تغيير الأسماء، وصولًا إلى تبديل الأعلام وتغليف الملكية عبر هياكل شركات معقدة. وتستند الدراسة إلى تعريف دولي حديث تبنته المنظمة البحرية الدولية، حيث تشير إلى أن مفهوم “الأسطول المظلم/أسطول الظل” يرتبط بالسفن التي تنخرط في عمليات غير قانونية بهدف الالتفاف على العقوبات أو التهرب من لوائح السلامة والبيئة أو تجنب تكاليف التأمين والانخراط في أنشطة محظورة أخرى.


من الالتفاف إلى التموضع: العقوبات الأميركية وحدود الردع


تخصص الدراسة جزءًا مهمًا لتحليل مسار العقوبات الأميركية على الحوثيين، معتبرة أن واشنطن اتجهت خلال 2025 إلى تشديد الاستهداف الممنهج لشبكات الحوثيين و”أساطيل الظل”، مع انتقال لافت من استهداف حلقات التمويل المجردة إلى استهداف سلسلة الإمداد نفسها: الشركات الوهمية، الوسطاء، السفن، ومديري الموانئ المرتبطين بشبكات إدخال الوقود. وتورد الدراسة أن هذا التحول يهدف إلى “خنق الموارد” وتقليص قدرة الجماعة على تحويل تهريب النفط إلى إيرادات تشغيلية مستدامة.


وتذهب الورقة إلى أن تأثير العقوبات—على الرغم من اتساعه—ظل في كثير من الحالات عند مستوى كبح النشاط أكثر من وقفه بالكامل، بسبب طبيعة الشبكات اللامركزية، وقدرتها على تغيير واجهاتها القانونية ومساراتها بسرعة، فضلًا عن استغلال “منطقة رمادية” في الامتثال البحري العالمي.


وفي جانب يربط المحلي بالإقليمي، تُبرز الدراسة صلة الحوثيين بما تصفه بـ”أسطول الظل” الروسي-الإيراني الأوسع، باعتباره جزءًا من منظومة تهريب عالمية ظهرت بقوة بعد تشديد القيود على صادرات الطاقة الروسية والإيرانية. وتوضح أن استهداف الناقلات والمديرين والوسطاء والضغط على المشترين يربط ملف الحوثيين بالحملة الأميركية الأوسع ضد الشحن الموازي الروسي والإيراني.


“112 سفينة ظل” وطرق تمويه متعددة


في توصيفها لخصائص “أساطيل الظل الحوثية”، تنقل الدراسة تقديرًا لافتًا على لسان المحلل العسكري اليمني العميد ياسر صالح، الذي قال إن عدد أسطول الظل الذي يعتمد عليه الحوثي يبلغ “حوالي 112 سفينة ظل”، تعمل ضمن شبكات معقدة لإخفاء الهوية والمهام.


وتشرح الورقة كيف استغل الحوثيون تعقيدات الجغرافيا الساحلية اليمنية—على البحر الأحمر والبحر العربي—من خلال الجزر النائية والموانئ غير الرسمية، إضافة إلى استخدام سفن الصيد والسفن التجارية كغطاء لتهريب الأسلحة ومكوناتها والبضائع والنفط، مستفيدين من ضعف الرقابة والفساد المحلي.


وبحسب الدراسة، فإن منظومة التهريب لا تعتمد على قناة واحدة: من تمويه الشحنات داخل سفن تجارية وحاويات بضائع، إلى استخدام زوارق سريعة لمسافات قصيرة، واستغلال الجزر كنقاط إنزال وتخزين مؤقت، وتجزئة الشحنات—وأحيانًا تهريب أجزاء من الأسلحة بشكل منفصل—ثم تجميعها لاحقًا داخل اليمن.


الأثر: قوة قتالية مستدامة ومخاطر على الأمن البحري


تحلل الدراسة آثار هذه المنظومة على ثلاثة مستويات: عسكري واقتصادي وأمني بحري. وتؤكد أن تهريب الأسلحة عبر “أساطيل الظل” يطيل أمد الصراع عبر استمرار تدفق الذخائر والمعدات اللازمة للهجمات البحرية والبرية، ويمنح الجماعة قدرة على المناورة رغم القيود. كما تشير إلى أن التهريب لا يقتصر على النفط، بل يشمل مكونات وتقنيات ذات استخدام مزدوج تُعزز قدرات الطائرات المسيّرة والاتصالات والتشويش.


وتقدم الورقة أمثلة على جهود الضبط والمصادرة في مناطق خارج سيطرة الحوثيين، بينها ضبط شحنات كبيرة ومتنوعة، وعمليات تفتيش دقيقة لسفن وحاويات—وتعتبرها مؤشرات على تطور قدرات الرقابة المحلية حين يتوفر التنسيق الاستخباري والفني.


وعلى المستوى البحري الأوسع، تحذّر الدراسة من أن اتساع نشاط “أساطيل الظل” يرفع المخاطر على أمن الملاحة، ويُصعّب التمييز بين الحركة المشروعة والتهديدات المحتملة في الممرات المزدحمة، خصوصًا مع تعطيل نظام التعريف الآلي (AIS) والتلاعب ببيانات المواقع.


العقبات أمام المكافحة: جغرافيا معقدة وتقنيات تمويه


ترصد الورقة تحديات مكافحة التهريب الحوثي عبر البحر، وتصفها بأنها مزيج من عوائق جغرافية وفنية: مساحات بحرية واسعة وممرات متعددة وجزر نائية وساحل طويل يمنح المهربين نقاط انطلاق متغيرة، إلى جانب “التحديات الفنية” المرتبطة بإطفاء/التلاعب بأنظمة AIS وتغيير الأعلام والأسماء بصورة مستمرة، ما يجعل التعقب شديد الصعوبة.


كما تتضمن الدراسة تنويهًا منهجيًا مهمًا: أن نطاق التحليل يتركز على مسارات التهريب البحرية ولا يشمل شبكات التهريب البرية، وأن جزءًا كبيرًا من العمل أُنجز قبل تطورات لاحقة في حضرموت والمهرة، بما يعني أن بعض المعطيات قابلة للتطور تبعًا لتغيرات الميدان ومسارات النفوذ.


“بنية موازية لاقتصاد حرب” لا تكفي معها الأدوات البحرية وحدها


في خاتمتها، تضع الورقة توصيفًا مركزيًا للظاهرة، معتبرة أن أساطيل الظل “لم تعد مجرد وسيط لتهرب جماعة الحوثي من العقوبات”، بل “غدت بنية موازية لاقتصاد حرب متكامل” قادرة على إعادة تشكيل توازن القوى داخليًا وترك أثر على التنافس الإقليمي. وتضيف الخاتمة أن هذه الشبكات مكّنت الحوثيين من تحويل الموارد المهربة إلى “قدرة قتالية مستدامة”، بما يضعف فعالية منظومات الرقابة الدولية ويُرسّخ حضور الجماعة في البحر الأحمر.


وتشدد الدراسة على أن معالجة التهديد لا يمكن أن تُبنى على الإجراءات البحرية وحدها، بل تتطلب “تفكيك البنى المالية الداعمة” وتطوير “آليات تتبع عابرة للولاية الجغرافية” وتعزيز التعاون الاستخباراتي المحلي والدولي.


التوصيات: من الردع المؤقت إلى الوقاية الهيكلية


تختتم الدراسة بحزمة توصيات عملية متعددة المستويات، تركز على الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء استجابة طويلة الأمد:


- تعزيز الامتثال والرقابة في قطاع النقل البحري عبر نهج استباقي يشمل الاستثمار في برامج الامتثال وأنظمة مراقبة متقدمة والمشاركة المؤسسية في منصات القطاع لتفادي المخاطر القانونية والتجارية.


- مواءمة جهود بناء القدرات البحرية مع الواقع السياسي اليمني بما يعزز التماسك المؤسسي ويحد من تفاقم الانقسامات، مع مراعاة خريطة الفاعلين المحليين وتداخل النفوذ والدعم الخارجي.


- تكامل أدوات العقوبات مع الجهد البحري والاستخباري عبر تنسيق فعّال يتيح تتبع شحنات النفط والسلاح وربطها بمسارات التمويل والشبكات الداعمة، لتعزيز فعالية الإنفاذ.


- دعم بدائل اقتصادية في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين لتقليل جاذبية اقتصاد التهريب والحد من قدرة الحوثيين على احتكار تجارة الوقود والسلع الأساسية داخل السوق اليمنية.


- رفع مستوى التنسيق الدولي والانتقال إلى الوقاية الهيكلية عبر التشديد على معايير تسجيل السفن وتوظيف التقنيات الحديثة في الرصد واستهداف الشبكات الاقتصادية المُمكِّنة لهذه الأنشطة.


- معالجة الجذور الاقتصادية والسياسية للصراع بوصفها شرطًا لإنهاء أنماط التهريب والتمويل غير المشروع بصورة مستدامة، لا مجرد احتواء أعراضها.


وبهذه الخلاصة، تقدم دراسة د. يوسف مرعي—كما يعرضها مركز سوث24—قراءة تربط بين التهريب البحري وتمويل الحرب وتوازنات الإقليم، وتدفع باتجاه مقاربة مركّبة ترى أن “أساطيل الظل” ليست تفصيلًا هامشيًا في حرب اليمن، بل أحد محركاتها المالية واللوجستية التي تتطلب تفكيكًا ممنهجًا يتجاوز البحر إلى الاقتصاد والسياسة وشبكات الامتثال العالمية.


- يمكن تصفح وتحميل الدراسة كاملة من خلال (الرابط التالي)


نبذة عن المؤلف:

د. يوسف مرعي

حاصل على شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية والسياسة الدولية، ومتخصص في السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط. تتركز اهتماماته البحثية على سياسات روسيا والصين تجاه اليمن والخليج العربي ومنطقة القرن الأفريقي، مع التركيز على تفاعلات القوى الكبرى في البيئات الهشة ومناطق الصراع.


- جميع الحقوق محفوظ لمركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا