التقارير الخاصة

حكومة الزنداني المرتقبة في اليمن: التوقيت والتحديات الرئيسية

رئيس الوزراء المعيّن حديثاً، د. شايع الزنداني، بعد تعيينه وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، العاصمة عدن، 3 أبريل 2024 (رسمي)

آخر تحديث في: 22-01-2026 الساعة 10 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


في 15 يناير الجاري، أعلنت وكالة سبأ الحكومية تقديم رئيس الوزراء سالم صالح بن بريك استقالة حكومته إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في خطوة قالت إنها تفتح الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة تهدف لمواكبة الأوضاع وتحسين الأداء التنفيذي. 


وفي 16 يناير، صدر قرار بتعيين د. شائع محسن الزنداني، وزير الخارجية الحالي، رئيسًا لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


وجاءت الاستقالة بعد أقل من عام على صعود سالم بن بريك، الذي صدر قرار تعيينه في مطلع مايو 2025 خلفاً لأحمد عوض بن مبارك. وجاء التعيين آنذاك في مرحلة وُصفت بأنها من أكثر الفترات حساسية منذ اندلاع الحرب، مع استمرار انهيار العملة الوطنية، وتراجع الإيرادات العامة، وتدهور الخدمات الأساسية في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً.


وخلال فترة توليه المنصب، سجّل بن بريك عدداً من المؤشرات التي اعتُبرت إيجابية مقارنة بالفترات السابقة، أبرزها تحسن سعر صرف الريال اليمني بنحو 33% من قيمته الإجمالية أمام الدولار الأمريكي، إلى جانب إطلاق مسار إصلاحات شمل تشديد الرقابة على الإيرادات العامة، ومحاولات للحد من بعض مظاهر الفساد، والسعي لتوحيد القرار المالي، إضافة إلى تقييد التعامل بغير العملة الوطنية في عدد من المعاملات.


لكنه أيضًا اصطدم بمعوقات كبيرة، من بينها عدم التزام كثير من المؤسسات الحكومية بتوريد إيراداتها للبنك المركزي بعدن.  إضافة إلى تطورات سياسية متسارعة أدت لخروجه من عدن في ديسمبر الماضي على إثر الأزمة التي اندلعت بين المجلس الانتقالي الجنوبي من جهة، والسعودية ومعها رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي من جهة أخرى.


وفي الأيام الأخيرة التي سبقت استقالته، لوّح بن بريك باتخاذ إجراءات وصفها بـ "الحازمة"، تشمل منع الجبايات غير القانونية في النقاط الأمنية. واليوم، تثير الحكومة المرتقبة تساؤلات جوهرية؛ لكونها تأتي وسط تغييرات عسكرية ميدانية وأزمة داخل مجلس القيادة الرئاسي، مما يضع التشكيلة الجديدة في سياق سياسي معقد يتجاوز الطابع الإداري الصرف.


التوقيت والسياق


يأتي قرار تغيير حكومة بن بريك وتكليف الزنداني بتشكيل حكومة جديدة في لحظة تتسم بإعادة ترتيب المشهد في مناطق سيطرة الحكومة، بعد إعلان رئيس المجلس الرئاسي عزل 2 من أعضاء المجلس هم عيدروس الزبيدي وفرج البحسني، وتعيين بدلاء لهم. وهي خطوات أثارت الجدل، وجاءت ضمن سلسلة تطورات بدأت بدخول القوات الجنوبية حضرموت مطلع ديسمبر الماضي، وانسحابها منها مطلع يناير الجاري تحت وطأة الغارات السعودية.


ويرتبط توقيت الحكومة الجديدة، وفق محللين تحدثوا لمركز سوث24، بتحركات تقودها المملكة العربية السعودية لتثبيت مسار سياسي وإداري وأمني في جنوب اليمن، وضبط إيقاع معسكر الشرعية على نغمات الرياض.


وقد تزامنت استقالة بن بريك مع الإعلان في 15 يناير عن دعم مالي سعودي بقيمة 90 مليون دولار، استخدمت لتغطية راتب شهرين للقوات العسكرية والمدنيين، وهو ما منح الحكومة الجديدة هامش حركة أولي بعد أشهر من تعثر صرف المرتبات، في ظل وضع اقتصادي بالغ التعقيد، وتراجع شبه كامل للإيرادات السيادية، خاصة مع استمرار توقف صادرات النفط والغاز منذ أكتوبر 2022.


وفي تقييمه لأبعاد استقالة رئيس الحكومة السابق بن بريك، قال الخبير الاقتصادي وأستاذ المالية العامة بجامعة عدن، د. محمد جمال الشعيبي، إن قراءة هذه الخطوة تقتضي النظر إلى طبيعة الظروف الاستثنائية التي أدار فيها سالم بن بريك ملفاً اقتصادياً شديد التعقيد.


وأضاف الشعيبي لمركز سوث24، أن بن بريك تولى مهامه في ظل انهيار حاد للعملة، وشح الموارد، وتعدد مراكز القرار، وغياب الاستقرارين السياسي والأمني، معتبراً أن هذه العوامل قيدت بشكل كبير قدرة أي رئيس حكومة على إحداث تحول اقتصادي جوهري ومستدام.


وأوضح أن بن بريك يُحسب له محاولته التعامل مع هذا الواقع عبر إجراءات اتُخذت في وزارتي المالية وإدارة الإيرادات، واصفاً تلك الخطوات بأنها "إصلاحات جزئية" اصطدمت بحدود الواقع السياسي والمؤسسي، وليس بضعف في الرؤية أو الكفاءة بحد ذاتها.


وأشار الشعيبي إلى أن الاستقالة لا يمكن قراءتها باعتبارها فشلاً شخصياً، بقدر ما تعكس إدراكاً بأن الاستمرار في المنصب، وبالصلاحيات المحدودة نفسها، لن يفضي إلى تغيير جوهري في المسار الاقتصادي، في ظل غياب أدوات التأثير الحقيقية.


من جانبه، يرى الأكاديمي والمحلل الاقتصادي د. أسامة محمد السقاف أن استقالة بن بريك يمكن فهمها من زاويتين متداخلتين. وقال السقاف لمركز سوث24 إن الزاوية الأولى إدارية ومهنية، حيث تُحسب لبن بريك جملة من الجهود في إدارة الموارد، ومحاولة الحد من بعض الاختلالات المالية، رغم محدودية الأدوات المتاحة أمامه.


وأضاف أن الزاوية الثانية سياسية ومؤسسية، إذ يعكس توقيت الاستقالة حجم التحديات البنيوية التي تواجه أي مسؤول اقتصادي في ظل تداخل القرار الاقتصادي بالاعتبارات السياسية، وغياب الاستقرار، وهو ما يحد من فرص الإصلاح الحقيقي.


في المقابل، يرى المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية فارس النجار أن استقالة وزير المالية سالم بن بريك لا تعني خروجه من المشهد، مضيفاً لمركز سوث24 أنها "تعكس إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة القرار. كما أن تعيينه مستشارًا للشؤون الاقتصادية والمالية يثبت استمرار حاجة الدولة إلى خبرته".


وأشار إلى أنّ بن بريك عمل في ظروف مالية وسياسية شديدة التعقيد، ونجح إلى حد كبير في إدارة مرحلة صعبة بإمكانات محدودة، واعتبر أن ما جرى لا يمثل تقييماً سلبياً لأدائه، بل انتقالًا إلى موقع يمنحه مساحة أوسع للتأثير في صياغة السياسات الاقتصادية بعيدًا عن ضغوط العمل التنفيذي اليومي.


ويرى فارس النجار أن تعيين د. شائع الزنداني رئيسًا للوزراء يجب قراءته في سياق سياسي–دبلوماسي أوسع، باعتباره اختيارًا لشخصية تمتلك حضورًا سياسيًا وخبرة دبلوماسية تؤهلها لإدارة الحكومة في مرحلة تتداخل فيها الملفات الاقتصادية مع السياسة الخارجية والدعم الدولي والعلاقات الإقليمية. 


ويؤكد أن هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمات الاقتصادية لم تعد تُدار بأدوات فنية فقط، بل تتطلب قدرة سياسية على الحشد وجذب الدعم الدولي وترجمة الالتزامات الخارجية إلى مسارات تنفيذية داخلية، وهي خبرات راكمها الزنداني خلال مسيرته الدبلوماسية.


ويعتقد النجار أن قرار تعيين الزنداني هو قرار سياسي بالدرجة الأولى، لكنه محمّل بأهداف اقتصادية وخدمية واضحة، في ظل أزمة اقتصادية مزمنة لم تعد مشكلتها في التشخيص بقدر ما هي في غياب القرار التنفيذي الموحد. 


ووفقًا له، فإن تشتت مراكز القوى وتعدد المرجعيات وضعف الانسجام داخل الحكومات السابقة أعاق أي معالجة جدية للاقتصاد والخدمات، ما دفع مجلس القيادة الرئاسي إلى تبني خيار إعادة التشكيل الحكومي كمدخل سياسي لإعادة ترتيب المشهد وتهيئة بيئة أكثر قدرة على التحرك اقتصاديًا.


التحديات الرئيسية


سترث حكومة د. شائع الزنداني المرتقبة فاتورة ثقيلة من الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تتطلب حلولًا غير تقليدية وصلاحيات واسعة. ورغم نجاح الحكومة السابقة برئاسة سالم بن بريك في كبح جماح العملة نسبيًا، تظل قضية استئناف تصدير النفط والغاز، المتوقفة بسبب تهديدات الحوثيين، حجر الزاوية لأي استقرار مالي مستدام. 


كما تواجه الحكومة تحديات مرتبطة بمراكز قوى تقتات على الجبايات غير القانونية وترفض توريد الإيرادات السيادية، وفي مقدمتها إيرادات الغاز في مأرب، إلى جانب الحاجة إلى استعادة هيبة الدولة في النقاط الأمنية ومعالجة أزمة الكهرباء التي تحولت إلى عنوان دائم للأزمة الخدمية.


وفي ما يبدو أنها محاولة سعودية لتهيئة المناخ السياسي والاقتصادي لانطلاق الحكومة الجديدة، أعلن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في 21 يناير توقيع مذكرة تعاون مع هيئة التجارة الخارجية لدعم مسارات التنمية الاقتصادية، بالتوازي مع توقيع اتفاقية مع وزارة الكهرباء اليمنية لشراء المشتقات النفطية من شركة بترومسيلة وتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في مختلف المحافظات، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط الخدمي وتحسين إمدادات الطاقة.


ويرى الخبير الاقتصادي د. عيسى أبو حليقة أن توقيت تعيين الزنداني جاء في مرحلة شديدة الحساسية مع تسارع المتغيرات السياسية والاقتصادية، معتبرًا أن الرجل يتمتع بكفاءة وخبرة دبلوماسية واسعة وشبكة علاقات دولية مهمة، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في شخص رئيس الحكومة بقدر ما يرتبط بطبيعة التشكيلة الحكومية المرتقبة والصلاحيات التي ستُمنح لها. 


ويشير إلى أن استمرار توقف صادرات النفط والغاز يجعل أي استقرار مالي هشًا وقابلًا للاهتزاز، مرجحًا أن تخضع عملية التشكيل لضغوط سياسية وإقليمية وتوازنات داخلية تشمل أطرافًا فاعلة مثل المجلس الانتقالي الجنوبي والمؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح.


ويضيف أبو حليقة أن التحديات الميدانية الأبرز تتمثل في الوضع الاقتصادي والمعيشي، خصوصًا في عدن التي تواجه ضغطًا سكانيًا متزايدًا على الخدمات، ما يستدعي توفير فرص عمل وتحسين مستويات الدخل ومعالجة أزمات الرواتب في القطاعين المدني والعسكري. كما أن توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية رفع من فاتورة الرواتب والميزانية التشغيلية، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة كهرباء مزمنة نتيجة الاعتماد على الوقود الأحفوري، ما يفرض التوجه نحو الطاقة الشمسية والمتجددة كحل مستدام على المدى المتوسط والبعيد.


ويؤكد أبو حليقة أن نجاح الحكومة الجديدة مرهون بتحقيق الاستقرار الأمني، وتفعيل العمل المؤسسي، وتطوير الأنظمة المحاسبية في المنافذ والجمارك والضرائب لمحاربة الفساد، إضافة إلى استئناف تصدير النفط والغاز، وعقد مؤتمرات استثمارية، وتأمين دعم دولي فعّال. 


وفي السياق ذاته، يرى الدكتور أسامة السقاف أن المرحلة المقبلة تمثل فرصة لإعادة تقييم السياسات، لكنها لا تعفي المنظومة الحاكمة من مسؤولية النجاح أو الفشل، مشددًا على أن التحدي الحقيقي يكمن في ردم الفجوة بين الاحتياجات الشعبية المتزايدة والموارد المحدودة.


صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا