السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر يلتقي وفد المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض، 8 يناير 2026 (رسمي)
آخر تحديث في: 29-01-2026 الساعة 7 مساءً بتوقيت عدن
"الانقسام بين وفد جنوبي محتجز في الرياض، وشارع جنوبي يرفض حل المجلس الانتقالي، وقيادة غائبة حاضرة رمزيًا – كشف مأزق السياسة السعودية في الجنوب.."
افتتاحية مركز سوث24
ما جرى في جنوب اليمن منذ الثالث من ديسمبر 2025 لم يكن انفجارًا مفاجئًا، بل لحظة كشف كبرى لمسار طويل من التراكمات السياسية والأمنية، ولتصادم مشاريع مؤجلة، ظل الجميع يتعامل معها بمنطق إدارة الوقت لا حل الإشكال. السيطرة السريعة التي نفذها المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة لم تكن مجرد خطوة عسكرية، بل إعلان سياسي عملي بأن الجنوب دخل مرحلة جديدة من فرض الوقائع، وأن معادلة "الشراكة الهشة" التي نشأت بعد 2019 وصلت إلى نهايتها الطبيعية.
في المقابل، أظهرت ردود الفعل السعودية أن ما تعتبره الرياض "ضبطًا للمشهد" لم يعد ممكنًا بالأدوات القديمة. فإيفاد المسؤول السعودي محمد القحطاني إلى حضرموت، ومحاولة إعادة إنتاج حلول وسط بين سلطة محلية ضعيفة وجماعات مسلحة قبلية، كشف مبكرًا أن السعودية ما زالت تتعامل مع الجنوب كمساحة نفوذ أمني، لا كقضية سياسية ذات جذور وهوية وتمثيل شعبي واسع. ومع اتساع سيطرة القوات الجنوبية وطرد المنطقة العسكرية الأولى، بدأت ملامح القلق السعودي تتبلور في اتجاهين متوازيين: أمني، يتمثل بالخوف من فقدان السيطرة على الشريط الحدودي والمنافذ لصالح قوات تدعمها الإمارات، وسياسي، يتمثل في خشية ولادة كيان جنوبي مستقل خارج مظلة الوصاية على جيرانها.
التصعيد اللاحق، من اشتباكات غيل بن يمين، إلى إعادة تموضع قوات "درع الوطن"، ثم القصف الجوي المباشر الذي استهدف المرافق والقوات الجنوبية، مثّل انتقالًا سعوديًا واضحًا من موقع الوسيط إلى موقع الطرف. وهنا تحديدًا، تحوّل الصراع من خلاف داخلي جنوبي – يمني، إلى صدام إقليمي حول من يملك قرار الجنوب ومستقبله. فالدعوات السعودية العلنية لانسحاب قوات المجلس، وتبني خطاب "وحدة اليمن" في ذروته العسكرية، ترافقت مع خطاب ديني تعبوي غير مسبوق، ما أعاد إلى الأذهان نماذج صراعات فشلت المنطقة في تجاوزها.
في الضفة الأخرى، نجح المجلس الانتقالي – رغم تقديراته الخاطئة – في تحويل المواجهة إلى اختبار شرعية. فالاعتصامات الشعبية، والتفويضات المتتالية، واصطفاف السلطات المحلية والنخب الإدارية، أظهرت أن المجلس لم يعد مجرد كيان عسكري أو سياسي طارئ، بل أصبح – في نظر شريحة واسعة من الجنوبيين – الممثل الواقعي لقضية الجنوب. إعلان الفترة الانتقالية، والدعوة إلى استفتاء، ثم التلويح بإعلان دستوري، كلها خطوات هدفت إلى نقل الصراع من الميدان إلى سؤال "من يمثل الجنوب؟".
غير أن التحول الأخطر تمثّل في قرار الرياض كسر الخطوط الحمراء: قصف قوات جنوبية، استهداف معدات إماراتية، ثم الضربات الواسعة في حضرموت وسيئون، وما أعقبها من فوضى أمنية وانتشار السلاح، وعودة مخاوف الإرهاب. كل ذلك أظهر الرياض طرفاً مباشراً في معادلة القوة جنوباً. هذا التحول أنتج نتائج عكسية سريعة: انسحاب القوات الجنوبية من حضرموت، انهيار أمني ونهب معسكرات بكامل عتادها، وتحذيرات من وصول السلاح إلى جماعات إرهابية. وهنا ظهر التناقض الأخطر في المقاربة السعودية: السعي لإعادة السيطرة السياسية عبر أدوات عسكرية، على حساب ملف مكافحة الإرهاب الذي تقول الرياض إنه أولوية استراتيجية وعلى حساب علاقتها مع الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي.
سياسياً، حاولت السعودية تعويض الخسائر الميدانية عبر بوابة "الحوار الجنوبي–الجنوبي"، مستندة إلى دعم وزير الدفاع خالد بن سلمان لمشروعية قضية الجنوب، وإلى دعوة رشاد العليمي لحوار برعايتها. غير أن هذه المبادرة جاءت في بيئة مشحونة، وفي ظل إجراءات قسرية بحق وفد الانتقالي وقادة المجلس من الطرفين، وانتهت بإعلان حل المجلس من الرياض، وهو قرار افتقر لأي سند شعبي أو سياسي في الداخل الجنوبي، وسرعان ما أسقطه الشارع في تظاهرات 10 و16 يناير و 23 يناير.
الانقسام الذي أعقب ذلك – بين وفد جنوبي محتجز في الرياض، وشارع جنوبي يرفض حل المجلس، وقيادة غائبة حاضرة رمزيًا – كشف مأزق السياسة السعودية في الجنوب. فمن جهة، لا تستطيع الرياض القبول باستقلال فعلي، ومن جهة أخرى، لم يعد بوسعها فرض بديل يحظى بالقبول الشعبي. محاولات إعادة هندسة المشهد، عبر تعيينات رئاسية، ولجان عسكرية، وحكومة جديدة، واستدعاء النخب الجنوبية إلى المملكة، بدت أقرب إلى إدارة أزمة لا حلها.
أما حضرموت والمهرة، فقد تحولتا إلى نقطة صراع جديد. فالدفع بمشاريع "الإقليم الشرقي" أو "دولة حضرموت"، بدعم سعودي مباشر أو غير مباشر، يعكس توجهاً لتفكيك الجنوب من داخله بدل مواجهته ككتلة سياسية واحدة. هذا التوجه، وإن بدا تكتيكًا ذكيًا على المدى القصير، يحمل في طياته مخاطر استراتيجية، لأنه يفتح الباب لصراعات داخلية طويلة، ويضعف أي إمكانية لبناء استقرار حقيقي، ويحوّل قضية الجنوب من قضية وطن إلى قضية أقاليم وسلطنات.
ما تكشفه هذه السلسلة من الأحداث هو أن التوجه السعودي لم يعد يقوم على دعم مشروع سياسي واضح، بل على منع تشكل كيان سياسي جنوبي مستقل خارج إرادتها. السعودية لا تريد استقلالا مفروضاً من الشارع، ولا تريد أيضاً إعادة إنتاج مركزية شمالية ضعيفة؛ بل تسعى إلى صيغة تضبط الجنوب أمنياً، وتعيد ترتيب نخبه سياسياً، بما يضمن استمرار نفوذها المباشر على القرار والمنافذ والملف الأمني.
في المحصلة، يبدو أن السعودية تقود الجنوب نحو مفترق طرق خطير: إما إعادة صياغة العلاقة معه على أساس شراكة سياسية تعترف بحقه في تقرير مصيره ضمن مسار تفاوضي واضح يكون فيه الجنوب طرف أصيل، أو الاستمرار في إدارة الأزمة عبر القوة والاحتواء المرحلي، وهو خيار سيؤدي إلى استنزاف طويل، ويضع الرياض في مواجهة مباشرة مع شارع كامل، لا مع فصيل سياسي فقط.
الأسابيع القادمة ستكشف إن كانت الرياض قادرة على التحول من سياسة الإكراه إلى سياسة التسوية، أم أنها ستواصل محاولة هندسة الجنوب بالقوة، وهو رهان أثبتت الوقائع الأخيرة أنه مكلف، وغير مضمون النتائج، وخطير على استقرار المنطقة بأسرها.
- مركز سوث24
قبل 1 شهر