تصميم: مركز سوث24
آخر تحديث في: 10-02-2026 الساعة 8 مساءً بتوقيت عدن
"تأثير هذه المواد الإعلامية يرتبط بطبيعة الجهة التي تصدر عنها، فالإشكالية تتفاقم حين تكون صادرة عن شخصيات أو منصات رسمية أو شبه رسمية قريبة أو محسوبة على دوائر القرار السعودي.."
مركز سوث24| عبد الله الشادلي
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الرياض بوصفها ساحة لإدارة الحوار الجنوبي المرتقب، ومحاولة صياغة تفاهمات سياسية لمستقبل الجنوب، برز عامل موازٍ أخذ يفرض نفسه على المشهد، يتمثل في تصاعد خطاب إعلامي سعودي تجاوز حدود النقد السياسي التقليدي إلى مستويات حملت إساءات مباشرة لرموز جنوبية، واستدعاءً لحوادث أمنية سابقة وربطها بأطراف إقليمية كانت إلى الأمس القريب تعمل مع السعودية داخل اليمن ضمن التحالف العربي، مثل الإمارات.
هذه الموجة لم تقتصر على منصات فردية أو حسابات شخصية، بل امتدت إلى وسائل إعلام مؤثرة ورسمية من صحف وقنوات فضائية، ما منحها وزنًا سياسيًا أكبر وأخرجها من نطاق الجدل الإعلامي إلى دائرة التأثير على البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة بالحوار.
وفي سياق محلي يتسم بحساسية عالية نتيجة سلسلة من التطورات الأخيرة في جنوب اليمن، شملت القصف الجوي السعودي الذي استهدف القوات الجنوبية في حضرموت مما أدى لمقتل وإصابة العشرات وتعميق حالة الشك تجاه دور الرياض، لم تُقرأ هذه الرسائل بوصفها مواد إعلامية عابرة، بل مؤشرات لطبيعة الاصطفافات السياسية ونوايا المملكة. وهو ما رفع منسوب التوتر والغضب الشعبي الجنوبي.
وعلى الرغم من انتصار السعودية على المجلس الانتقالي الجنوبي عسكريًا في حضرموت والمهرة، وتحقيق اختراق سياسي في صميم المجلس أدى لإعلان وفده الرفيع تفكيكه وحله في 9 يناير الماضي وسط رفض لمؤسسات المجلس والشعب في الداخل، استمر الإعلام السعودي في التعبئة مع تجاهل الوقائع الجديدة والحاجة لمناخ ملائم للحوار الجنوبي. هذا التداخل بين المسار السياسي الرسمي الذي ترعاه الرياض وبين المسار الإعلامي الموازي يطرح تساؤلات حول حدود تأثير الخطاب الإعلامي في لحظات حساسة، ومدى قدرته على دعم مناخ التهدئة أو تقويضه.
تعبئة إعلامية متطرفة
وصلت موجة التصعيد الإعلامي السعودي إلى ذروتها في 7 يناير الماضي، بتبني سردية “الهروب” لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي الذي كان من المتوقع وصوله إلى الرياض مساء ذلك اليوم على متن رحلة جوية مع وفد من أعضاء المجلس. وهو الوفد الذي وصل الرياض لوحده بدون الزبيدي، وسط ظروف غامضة وفرضيات متعددة حول ما حدث.
ورغم عدم وجود أدلة قاطعة بشأن خروج الزبيدي من البلادـ، أو بقائه داخلها، قدم الإعلام السعودي، بما في ذلك قنوات العربية والحدث والإخبارية وصحف عكاظ والوطن وغيرها، سردية الهروب بوصفها إطارًا تفسيريًا شاملًا للأحداث السياسية في عدن، حيث جرى تقديم عيدروس الزبيدي كطرف “فرّ” من المدينة في توقيت حساس، مع سرد مسار تفصيلي لرحلته عبر الصومال وصولًا إلى الإمارات.
اللافت أن التغطية لم تكتفِ بنقل معلومة، بل صاغت الحدث ضمن بنية درامية تُظهر الفعل كانسحاب مذل لا كتحرك سياسي أو أمني، ما حوّل الخبر إلى أداة تعبئة نفسية، لم يكن هدفها توثيق الواقعة بقدر ما هدفت لتثبيت صورة ذهنية لدى الجمهور الجنوبي الذي يعتبر الزبيدي رمزًا وطنيًا على نطاق واسع: قائد يهرب بدل أن يواجه.
ثم انتقلت التغطية إلى مستوى أكثر حدة عبر إدخال عناصر إذلال رمزية داخل القصة نفسها، حيث جرى تداول روايات مهينة حول طريقة الخروج، من قبيل تصويره كشخص تم تهريبه خفية ضمن الأمتعة أو البضائع. ولم تكن مجرد تفاصيل صحفية، بل أدوات تشهير اجتماعي تُستخدم لكسر الهيبة الرمزية لشخصية سياسية أمام قاعدتها الاجتماعية. حيث تتحول اللغة الإعلامية إلى سخرية مبطنة أو إهانة مباشرة، تتجاوز النقد السياسي المشروع إلى خطاب وصم اجتماعي، وهو نمط معروف في حملات التحريض المنظمة، إذ يُستهدف الرمز لزعزعة الجماعة المرتبطة به نفسيًا.
على خط موازٍ، أعادت بعض التغطيات تركيب صورة الزبيدي سياسيًا باعتباره تابعًا فاقدًا للاستقلالية، عبر ربط كل تحركاته بقرارات إماراتية مزعومة وتقديمه كشخص لا يمتلك إرادة ذاتية. الأخطر من ذلك كان توظيف التقنية البصرية لإضفاء طابع “يقيني” على السردية، عبر إنتاج محتوى يحاكي مسار الهروب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو الرسوم التوضيحية.
وفي 11 يناير، أعادت صحيفة الوطن السعودية فتح ملف اغتيال محافظ عدن الأسبق اللواء جعفر محمد (2015)، وقدّمته بصيغة اتهامية مباشرة للإمارات، عبر مقابلة/شهادة منسوبة لمسؤول أمني (العميد نصر الشاذلي) تزعم أن الاغتيال تم “بسيارة مفخخة” وأن الدافع كان رفض المحافظ “إملاءات” إماراتية مرتبطة بالموانئ والمطار والسلاح والذخيرة، مع ربطٍ سياسي واضح بين الاغتيال وبين صراع النفوذ في عدن.
الصحيفة التي سبق ونسبت العملية نفسها للحوثيين والحرس الثوري والرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، لم تُقدِّم الاتهام باعتباره “فرضية” أو “معلومة قيد التحقيق”، بل كاستنتاج مكتمل يهدف لإعادة تشكيل ذاكرة الجمهور حول حدث قديم ضمن معركة سياسية راهنة.
لكن المشكلة الجوهرية هنا أن اغتيال جعفر محمد سعد تم تبنيه رسميًا في حينه من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية/داعش”، وهو ما وثقته تغطيات دولية متعددة.
وبصورة موازية، صعّدت الوطن في مطلع فبراير الجاري باتجاه ملف اغتيال اللواء ثابت مثنى جواس قائد محور العند وأحد أبرز الشخصيات العسكرية في جنوب اليمن (2022)، وقدمت سردية تتجاوز “اتهام الإمارات” إلى الحديث عن “تنسيق/تفاهمات سرية” بين أبوظبي والحوثيين، وأن تصفية جواس جاءت “كقربان” لتلك التفاهمات، مع إدخال أسماء فاعلين جنوبيين في الحبكة، واعتبار “التضليل الإعلامي” جزءًا من العملية.
وجاء هذا التقرير للوطن على الرغم من أن المحكمة الجزائية المتخصصة الابتدائية في عدن، كانت قد أصدرت في 18 نوفمبر 2024 حكمًا بالإعدام بحق أربعة متهمين في قضية اغتيال اللواء ثابت جواس، مع تفاصيل للأسماء والعقوبات. وهي خلية مرتبطة بأمجد خالد، ضابط يمني كان يقود خلية من مدينة التربة في تعز بين الأعوام 2019 – 2025 ومسؤول عن عمليات تفجير واغتيالات في عدن ولحج.
ومؤخرًا، أعلن خالد المقرب من حزب الإصلاح تحالفه مع الحوثيين في فيديو مصور يرجح أنه نشره من صنعاء. وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الانتقالي كان قد طالب في ِأبريل 2021 التحالف بقيادة السعودية بمحاكمة أمجد خالد. وقال المتحدث الرسمي علي الكثيري إن المجلس يعبر عن أسفه لوجود أمجد خالد في معسكرات تحت غطاء التحالف وحمايته.
من زاوية تحليل الدافع، فإن “استذكار” هذه الملفات القديمة بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت يوحي بأنه يخدم وظائف سياسية وإعلامية محددة: أولًا إعادة تأطير الخلاف السعودي–الإماراتي داخل اليمن كخلاف أخلاقي/أمني لا كخلاف نفوذ ومصالح، عبر ربط الإمارات مباشرة بملفات دم حساسة.
ثانيًا نزع شرعية الانتقالي والزبيدي اجتماعيًا؛ فحين تُربط الإمارات—بوصفها الحليف الأبرز للانتقالي—باغتيالات رموز محلية، تُسحب شرعية القيادة الجنوبية من السياسة إلى المجال القيمي (الخيانة/العمالة/التصفية)، وهو أخطر أنواع الاستقطاب لأنه يُنتج شقًا داخل المجتمع لا داخل النخب فقط.
كما أن هذا الخطاب لا يهدد التوازن السياسي فقط، بل يحمل قابلية عالية لإشعال نزاعات اجتماعية جنوبية–جنوبية، لأنه يستحضر ضحايا لهم مكانة رمزية في ذاكرة الجنوبيين، ويحوّلهم إلى “أدلة إدانة” ضد طرف داخلي عبر بوابة الإمارات.
ولم تقتصر التعبئة الإعلامية غير المهنية والمتطرفة للإعلام السعودي على هذه التجاوزات الجسيمة، لكنها تعتبر الأخطر من حيث تبعاتها الأمنية والاجتماعية في جنوب اليمن. وهو ما يؤدي بالضرورة إلى عرقلة مسار الحوار الجنوبي أو خلق حالة من الشك بين الجنوبيين، مما يعيد السؤال نفسه إلى الواجهة حول من يخدم الإعلام السعودي اليوم وهل هو انعكاس لسياسة المملكة.
التأثير على الشارع الجنوبي وجهود الحوار
يرى رئيس نقابة الصحفيين والإعلامين الجنوبيين، عيدروس باحشوان، أن الحملات الإعلامية التي طالت رموزًا جنوبية قوبلت باستهجان شعبي واسع، بل أسهمت في رفع مستوى الالتفاف حول قضية الجنوب بدلًا من إضعافها. وقال لمركز سوث24 إن هذا الخطاب دفع حتى الأصوات الجنوبية المتحفظة إلى التعبير العلني عن رفضه، معتبرين أن مثل هذا الأسلوب لا ينسجم مع موقع المملكة كراعٍ للحوار.
وشدد باحشوان على أن المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق الإعلاميين الجنوبيين الموجودين بدعوات سعودية في الرياض، داعيًا إلى عدم التماهي مع أي خطاب مسيء، والعمل على تصحيح الصورة لدى السعوديين. وأشار إلى أن الشرخ في الثقة الذي خلفته هذه الحملات الإعلامية يحتاج إلى جهود كبيرة لمعالجته.
من جانبه، وضع الباحث السياسي والإعلامي أوسان بن سدة هذا التصعيد في سياقه السياسي، مشيرًا إلى أن الإعلام في المراحل الحساسة لا يعمل بمعزل عن البيئة السياسية، بل يصبح جزءًا من أدوات التأثير فيها.
وأضاف بن سدة لمركز سوث24 أن انتقاص بعض المنصات من رموز الجنوب أو التقليل من مشروعية الاحتجاجات السلمية يُنتج بيئة غير محايدة للحوار، ويثير الشكوك حول نوايا الجهات الراعية.
ويُحذّر أوسان بن سدة من الآثار النفسية لهذا الخطاب، خاصة حين يحمل مساسًا بالاحتجاجات السلمية أو يشكك في مشروعيتها، معتبرًا أن ذلك يستدعي ذاكرة جنوبية ارتبطت بخطابات الإقصاء والتخوين. وقال إن هذه الرسائل تُستقبل في الجنوب كمؤشرات على بيئة حوار لا تبدو مطمئنة بما يكفي، ما قد يؤثر على قابلية الشارع لتقبّل أي مخرجات مستقبلية.
من جهته، يرى الصحفي والكاتب فضل مبارك أن تأثير هذه المواد الإعلامية يرتبط بطبيعة الجهة التي تصدر عنها، موضحًا أن الإشكالية تتفاقم حين تكون صادرة عن شخصيات أو منصات رسمية أو شبه رسمية قريبة أو محسوبة على دوائر القرار السعودي، وهو ما يجعلها تُقرأ كرسائل سياسية وليست مجرد تعبير عن رأي.
وأضاف مبارك لمركز سوث24 أن الإعلام السعودي لم يُظهر خلال الشهرين الماضيين قدرًا كافيًا من الاتزان في تغطية الملف الجنوبي، حيث طغت المزاجية والانفعالات اللحظية على كثير من المواد، ما ساهم في خلق مناخ غير مريح للشارع الجنوبي في وقت يتطلب أعلى درجات التطمين.
وتكمن المخاوف الأكبر بشأن تأثيرات التعبئة الإعلامية السعودية على مسار الحوار الجنوبي، حيث إن بيئة الحوار لا يمكن أن تستقر في ظل خطاب إعلامي يتسم بالاستفزاز أو الانتقاص.
ويؤكد عيدروس باحشوان أن المطلوب من القيادة السعودية هو وقف هذا النهج الإعلامي السلبي، والتركيز على مسار يرفع من فرص الوصول إلى نتائج عادلة ومتوازنة. معتبرًا أن لغة التهديد أو التشويه لا تخدم الاستقرار ولا تعكس روح الحوار الذي تتطلع إليه شعوب المنطقة.
ويرى فضل مبارك أن الخطاب الرسمي السعودي، رغم أنه يقدم رسائل إيجابية، إلا أنه بحاجة إلى خطوات عملية تدعم هذا التوجه، بما في ذلك ضبط الخطاب الإعلامي الموازي، وتهيئة بيئة أكثر توازنًا. وقال إن نجاح الحوار يعتمد على قدرة الإعلام الرسمي على العمل بنوايا صادقة تخدم المسار السياسي ولا تعرقله.
وتجدر الإشارة إلى أن قنوات فضائية ومواقع رسمية تابعة للحكومة اليمنية ويشرف عليها وزير الإعلام المقيم في الرياض معمر الإرياني قد انخرطت بشكل كامل في التعبئة الإعلامية السعودية، وعملت كرديف لها. وهو ما أدى لخلق حالة اصطفاف سعودية شمالية أثارت حفيظة الجنوبيين.