Hoover
آخر تحديث في: 19-02-2026 الساعة 4 مساءً بتوقيت عدن
"ضمن هذا السياق الأوسع، تبرز اليمن لا بوصفها ملفًا إنسانيًا أو نزاعًا داخليًا فحسب، بل كساحة اختبار عملية لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، خصوصًا فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.."
مركز سوث24 | محضار علوي
يتجه خبراء العلاقات الدولية وصنّاع السياسات عادةً إلى تحليل التحولات السياسية الكبرى من منظور دولي شامل، انطلاقًا من مراكز القوة العالمية، وليس من زوايا محلية أو إقليمية ضيقة. وفي هذا السياق، تظل الولايات المتحدة الأميركية الفاعل الأكثر تأثيرًا في تشكيل مسارات الشرق الأوسط، نظرًا لارتباط معظم التحولات الأمنية والعسكرية والسياسية في المنطقة بالسياسات الأميركية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
منذ مطلع شهر ديسمبر الماضي، شهد الإقليم سلسلة من التطورات المتزامنة في أكثر من ساحة، شملت اليمن، وسوريا، والسودان، وإيران، وإسرائيل، ومنطقة القرن الإفريقي. ويصعب قراءة هذه الأحداث بوصفها وقائع منفصلة، إذ تشير مؤشرات متعددة إلى أنها تجري ضمن سياق إعادة تقييم أميركية أوسع لأولوياتها الأمنية في الشرق الأوسط، في ظل تصاعد المنافسة الدولية على النفوذ، وتراجع شهية التدخل المباشر، والسعي إلى ضمان أمن الممرات البحرية الحيوية.
السياق الأميركي: من إدارة الأزمات إلى إعادة ترتيب الأولويات
تزامنت هذه التحولات مع زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، في توقيت لافت جاء عند نهاية عام وبداية آخر، وهي عادةً مرحلة تعتمد فيها القوى الكبرى مراجعة أهدافها الاستراتيجية متوسطة وطويلة المدى. ورغم أهمية الزيارة سياسيًا، إلا أنه لا يمكن اعتبارها سببًا مباشرًا للتحولات الجارية، بقدر ما يمكن قراءتها كحدث كاشف لمسار كان يتشكل داخل المؤسسات الأميركية منذ فترة، خصوصًا على مستوى وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي.
تشير سياسات الإدارة الأميركية خلال العامين الأخيرين إلى توجه متزايد نحو إعادة هيكلة منظومة الردع الأميركية، ليس فقط من حيث الانتشار العسكري، بل من حيث أدوات التأثير السياسي والاقتصادي والاستخباراتي. وقد برز هذا التوجه من خلال التركيز على “إدارة الشركاء” بدل الانخراط المباشر، وتوسيع أدوار الحلفاء الإقليميين في تحمل كلفة الاستقرار.
في هذا الإطار، تكتسب تصريحات ومداخلات شخصيات أميركية نافذة، إلى جانب صعود أدوار فاعلين من خارج المؤسسات التقليدية، دلالات خاصة، لكنها تظل جزءًا من مسار مؤسساتي أوسع، لا يمكن اختزاله في شخص الرئيس الأميركي أو دائرته الضيقة.
السعودية وإسرائيل في المعادلة الأميركية الجديدة
لطالما شكّلت كل من المملكة العربية السعودية وإسرائيل ركيزتين أساسيتين في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، مع تفضيل تاريخي واضح لإسرائيل باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن القومي الأميركي. إلا أن مؤشرات متعددة خلال الفترة الأخيرة توحي بإعادة توازن نسبي في إدارة العلاقة مع الطرفين، بما يهدف إلى منع تحوّل أي منهما إلى عبء على الأولويات الأميركية الأوسع.
في هذا السياق، يمكن قراءة تصريحات الأمير تركي الفيصل، التي أشار فيها إلى أن زيارة ولي العهد «كسرت الطوق الذي كان يراعي مصلحة إسرائيل على حساب العلاقات الأميركية–السعودية»، باعتبارها توصيفًا لتحول في آليات إدارة العلاقة، لا إعلانًا عن تغيير جذري أو نهائي. فالتفضيل المتساوي إن صح التعبير - يفرض على كل من الرياض وتل أبيب الدخول في ترتيبات وتفاهمات تقلل من احتمالات التصادم، وتنسجم مع الرؤية الأميركية للاستقرار الإقليمي.
إيران: بين تغيير السلوك وتغيير النظام
فيما يتعلق بإيران، لا تزال السياسة الأميركية تتأرجح بين خيار احتواء السلوك وخيار تغيير النظام، دون حسم نهائي. إلا أن التصعيد الاقتصادي، والعزلة السياسية، ومحاولات تفكيك شبكة النفوذ الإقليمي، تشير إلى أن واشنطن تسعى – على الأقل – إلى إضعاف النموذج الأيديولوجي القائم، بما يسمح مستقبلاً بإعادة إدماج إيران ضمن منظومة إقليمية أكثر انسجامًا مع المصالح الأميركية.
غير أن أي تحول جذري في إيران، سواء على مستوى النظام أو توجهاته، سيعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية، ويطرح تحديات مباشرة أمام حلفاء واشنطن، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، التي قد تجد نفسها أمام تحالف إقليمي جديد يفرض عليها إعادة تعريف أولوياتها الأمنية.
اليمن كساحة اختبار للتحولات الإقليمية
ضمن هذا السياق الأوسع، تبرز اليمن لا بوصفها ملفًا إنسانيًا أو نزاعًا داخليًا فحسب، بل كساحة اختبار عملية لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، خصوصًا فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.
تشير مسارات التسوية المطروحة إلى أن الهدف الأميركي لا يتمثل في فرض نموذج سياسي محدد، بقدر ما يتمحور حول ضمان استقرار الممرات البحرية، وتقليص مصادر التهديد غير التقليدية. وفي هذا الإطار، عاد النقاش حول مستقبل جنوب اليمن إلى الواجهة، بعد أن نجح الفاعلون الجنوبيون، وعلى رأسهم المجلس الانتقالي الجنوبي، في إعادة طرح القضية على المستوى الدولي خلال السنوات الماضية.
وعلى الرغم من التغيّرات التي طرأت على المشهد في جنوب اليمن، عقب التدخل السعودي هناك، تتمحور مسارات الحل المحتملة في اليمن في اتجاهين رئيسيين، يختلفان في تصور شكل الدولة وطبيعة السلطة، لكنهما يشتركان في كونهما محكومين بتوازنات داخلية وضغوط إقليمية ودولية معقدة.
المسار الأول يتمثل في الذهاب نحو دولة فدرالية موسعة، تقوم على كيان واحد يضم محافظات الجنوب، مع احتمال انضمام مناطق من الإقليم الشرقي الشمالي إذا ما نجحت هذه المناطق في بلورة توافق سياسي جامع. ويستند هذا السيناريو إلى رغبة أطراف دولية في الوصول إلى تسوية أقل كلفة سياسيًا وأمنيًا، إلى جانب قوى إقليمية ترى في الحفاظ على كيان موحد – ولو بشكل شكلي – وسيلة لتجنب سيناريو التفكك الكامل. ورغم أن هذا الخيار قد يسهم في تقليص مخاطر الانقسام الحاد، فإنه ينطوي في المقابل على كلفة سياسية مرتفعة، أبرزها هشاشة بنية الدولة الناتجة، واستمرار الصراع على الصلاحيات بين المركز والأقاليم، فضلًا عن ضعف السلطة المركزية وعجزها عن فرض سياسات مستقرة. ويظل تحقق هذا السيناريو مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على إنجاز توافقات سياسية شديدة التعقيد، يصعب ضمان استدامتها في ظل تاريخ طويل من الصراع وانعدام الثقة.
أما المسار الثاني، فيقوم على فرضية قيام دولتين مستقلتين، لكل منهما نظام مركزي موحد: دولة في الجنوب، وأخرى في الشرق والشمال. ويجد هذا السيناريو دعمًا متزايدًا لدى قوى جنوبية ترى فيه حلًا نهائيًا يعالج جذور الصراع، كما تنظر إليه بعض الأطراف الدولية بوصفه خيارًا أكثر واقعية مقارنة بمحاولات إعادة إنتاج وحدة هشة. ويكمن جوهر جاذبية هذا المسار في وضوح بنية السلطة وتقليص بؤر الصراع الداخلي الناتجة عن تداخل الصلاحيات، غير أنه يفتح في الوقت ذاته الباب أمام كلف سياسية وأمنية لا يستهان بها، أبرزها إعادة رسم خرائط النفوذ، واحتمالات نشوب صراعات حدودية، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بتقاسم الموارد. وعليه، فإن إمكانية تحقق هذا السيناريو تظل مشروطة بتفاهمات إقليمية صلبة، وضمانات دولية قادرة على إدارة مرحلة الانتقال ومنع الانزلاق إلى صراعات جديدة.
في كلا السيناريوهين، يظل شمال اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين حالة خاصة. فمن المرجح أن يستمر ككيان مستقل فعليًا، مدعوم أيديولوجيًا من إيران، لكنه محاصر سياسيًا واقتصاديًا، على غرار نموذج كوريا الشمالية. ويُعد هذا الخيار أقل كلفة من محاولة إسقاط النظام الحوثي عسكريًا، نظرًا للتكلفة البشرية العالية، والطبيعة العقائدية الصلبة للحركة.
الخلاصة
تعكس التحولات الجارية في الشرق الأوسط مرحلة إعادة صياغة للسياسات الأميركية، لا قطيعة كاملة مع الماضي. ويظل العامل الحاسم في ترجيح أي من هذه المسارات هو قدرة واشنطن على إدارة ملفات إيران، وأمن الممرات البحرية، وشراكاتها الإقليمية ضمن إطار مؤسساتي مستقر، يمنع القوى الدولية المنافسة، كالصين وروسيا، من استثمار فراغ النفوذ.
في هذا السياق، لا يُعد اليمن استثناءً، بل نموذجًا مصغرًا لكيفية تفاعل التحولات الدولية مع الأزمات المحلية، حيث تتقاطع المصالح، وتُختبر السياسات، وتُعاد صياغة الجغرافيا السياسية بوسائل أقل مباشرة، وأكثر تعقيدًا.