التحليلات

إلى أين يتجه مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية بعد تعثر مفاوضات إسلام أباد؟

الصورة: إنترنت

15-04-2026 الساعة 4 مساءً بتوقيت عدن

تُعد أزمة انعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران عاملاً بنيوياً حاسماً في تفسير تعثّر مباحثات إسلام أباد، إذ لم تنشأ هذه الأزمة من خلافات آنية، بل من تراكم تاريخي.


مركز سوث24 | محمد فوزي


في أعقاب الإعلان عن تعثر مفاوضات إسلام أباد بين الولايات المتحدة وإيران، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتوجه نحو فرض حصار بحري على إيران، وهو التطور الذي لا يمكن قراءته كتعثر دبلوماسي عابر، بل يعكس عمق التباينات البنيوية بين الأطراف المتفاوضة، وحدود القبول المتبادل فيما يتعلق بملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، وأمن الممرات الملاحية. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود قدرة الوسطاء على إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار في ظل هذه الحالة من التباين الكبير، والسيناريوهات المتوقعة بخصوص مسار التصعيد.


أولاً: لماذا تعثرت مفاوضات إسلام أباد؟


غادر كل من الوفدين الأمريكي والإيراني العاصمة الباكستانية إسلام أباد، وسط استمرار التباينات بين الطرفين. وفي هذا السياق، أشار نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، إلى أنّ جوهر الخلاف يتمثل في رفض إيران التخلي عن برنامجها النووي، في حين حمّلت وكالة "تسنيم" الإيرانية الولايات المتحدة مسؤولية تعثر المفاوضات، متهمةً إياها بالمبالغة في مطالبها والسعي لتحقيق طموحات مفرطة.. وبشكل عام، يمكن إرجاع تعثر مفاوضات إسلام أباد إلى جملة من العوامل المركبة، وذلك على النحو التالي:


1- أزمة انعدام الثقة المتراكمة: تُعد أزمة انعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران عاملاً بنيوياً حاسماً في تفسير تعثّر مباحثات إسلام أباد، إذ لم تنشأ هذه الأزمة من خلافات آنية، بل من تراكم تاريخي طويل من الشكوك والصدمات الاستراتيجية المتبادلة. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 وما أعقبها من قطيعة سياسية وأزمات متلاحقة، ترسّخ لدى طهران إدراك بأن واشنطن تميل إلى توظيف التفاوض كأداة ضغط مرحلية لا كمسار التزام مستدام، وهو ما تعزّز بشكل حاد بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، حيث رأت إيران أنّ أي ضمانات أمريكية تظل رهينة لتغير الإدارات السياسية. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى السلوك الإيراني—خاصة فيما يتعلق بتوسيع النفوذ الإقليمي وبرامج الصواريخ ودعم الفاعلين من دون الدول—بوصفه دليلاً على ازدواجية الخطاب الإيراني بين التهدئة الدبلوماسية والتصعيد الميداني. هذه الحلقة المفرغة من الشك المتبادل أدّت إلى تفريغ أي مسار تفاوضي من مضمونه.


2- أزمة "التفاوض تحت النار": بالتزامن مع المباحثات المنعقدة في إسلام أباد، لم تتوقف آلية الحشد العسكري لدى كافة الأطراف، خصوصاً في ظل الهجمات الإسرائيلية العنيفة على لبنان، وما لوحت به إيران من أنّ هذه الهجمات تؤثر على استمرارها في المباحثات، بما يعبر عن تداخل البُعد العسكري مع الدبلوماسي فيما يُعرف بـ "التفاوض تحت النار"، وبما يعكس بيئة إقليمية مشبعة بإشارات الردع والاستعراض العسكري، ما يدفع كل طرف إلى استخدام التصعيد كأداة لتحسين شروطه التفاوضية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الحشد العسكري—سواء عبر تعزيز الانتشار، أو رفع الجاهزية، أو تكثيف الرسائل النارية—بوصفه جزءاً من "لغة التفاوض" وليس بديلاً عنها. 


3- الفجوة الكبيرة في المطالب: لا يمكن فصل التعثر الذي مُنيت به مفاوضات إسلام أباد عن الفجوة الكبيرة في المطالب التفاوضية بين الجانبين، وتتمحور أبرز نقاط الخلاف التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران حول حزمة مطالب متشابكة تعكس تضارباً عميقاً في تعريف كل طرف للأمن والمصالح الاستراتيجية. ففي صدارة هذه الخلافات يأتي الملف النووي، حيث تدفع واشنطن نحو فرض قيود صارمة وطويلة الأمد على مستويات التخصيب وآليات التفتيش (ذكرت تقارير أن واشنطن طلبت تجميد الأنشطة النووية الإيرانية لمدة 20 عاماً)، بما يضمن إبعاد طهران عن أي قدرة على الاقتراب من "عتبة نووية"، بينما تصر إيران على حقها في التخصيب لأغراض سلمية ورفض أي قيود تُفسَّر كمساس بسيادتها أو كتمييز استراتيجي ضدها.


ويتوازى ذلك مع خلاف لا يقل حدة بشأن العقوبات، إذ تطالب طهران برفع كامل وفوري للعقوبات الاقتصادية كشرط أساسي لأي اتفاق، في حين تفضّل واشنطن مقاربة تدريجية ومشروطة تربط تخفيف العقوبات بسلوك إيران والتزاماتها المستمرة. كما يمتد الخلاف إلى برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إدراج هذه الملفات ضمن أي تسوية شاملة، بينما ترفض إيران توسيع نطاق التفاوض خارج الإطار النووي، معتبرةً ذلك خطوطاً حمراء مرتبطة بأمنها القومي. وفي العمق، تعكس هذه المطالب المتعارضة معضلة "التزام مقابل ضمانات".


4- الضغوط الداخلية لدى كل طرف: تلعب الضغوط الداخلية دوراً حاسماً في تقييد هامش الحركة التفاوضية لكل من الولايات المتحدة وإيران، بما انعكس مباشرة على تعثر مباحثات إسلام أباد. ففي الداخل الأمريكي، تواجه أي إدارة حاكمة اعتبارات معقدة تشمل ضغوط الكونغرس، وحسابات الانتخابات، وانتقادات التيارات المتشددة التي ترفض تقديم تنازلات لطهران دون ضمانات صارمة، ما يدفع صانع القرار إلى تبني مواقف تفاوضية حذرة أو متشددة لتجنب الكلفة السياسية.


وفي المقابل، تتحرك القيادة الإيرانية في بيئة داخلية لا تقل تعقيداً، حيث تتقاطع مواقف المؤسسات السياسية والعسكرية، مع حساسية الرأي العام تجاه العقوبات والضغوط الاقتصادية، فضلاً عن تخوفات النخبة الحاكمة من أن يُفسَّر أي تراجع تفاوضي كإشارة ضعف تمسّ بشرعية النظام. هذا التوازي في الضغوط الداخلية لدى الطرفين يخلق ما يمكن تسميته بـ"معضلة التصلب المتبادل".


5- حضور العامل الإسرائيلي: يمكن القول إنّ إسرائيل كانت حاضرة بشكل غير مباشر في مسار تعثر المباحثات الخاصة بوقف إطلاق النار في إسلام أباد، ليس فقط بسبب استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان، بما يفرض ضغوط كبيرة على المسار التفاوضي ويفخخه، لكن أيضاً على مستوى المواقف الإسرائيلية من المفاوضات نفسها. حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إنّ الحرب ضد إيران "لم تنته بعد"، مؤكداً أنّ لدى إسرائيل "المزيد من الأهداف" التي ستتعامل معها لاحقاً، وفي سياق متصل قال رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي دافيد برنياع، إنّ مهمة الجهاز لن تنتهي في إيران حتى يسقط النظام في طهران.


جاءت هذه التصريحات والمواقف الإسرائيلية بالتزامن مع الزخم الخاص بمباحثات وقف إطلاق النار، وهو تزامن يصعب اعتباره عفوياً بقدر ما يعكس توجهاً إسرائيلياً ممنهجاً لإبقاء مسار التصعيد مفتوحاً. فإعلان إسرائيل أن الحرب "لم تنته بعد" وأن هناك "أهدافاً إضافية" قيد التنفيذ، يقوّض مباشرة أي إشارات تهدئة مطلوبة لنجاح التفاوض، ويبعث برسالة ضمنية إلى طهران بأنّ البيئة الميدانية ستظل متحركة وغير مستقرة، ما يقلل من حوافزها لتقديم تنازلات. 


ثانياً: المسارات المحتملة للتصعيد


شهدت الساعات الأخيرة تصريحات لافتة من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، قال فيها إن وقف إطلاق النار الحالي لا يزال "متماسكاً"، مشيراً إلى أنّ واشنطن تواصل مفاوضاتها مع إيران في محاولة للتوصل إلى اتفاق شامل، وفي هذا الإطار يمكن قراءة مستقبل مباحثات إسلام أباد بين الولايات المتحدة وإيران عبر مجموعة من السيناريوهات الواقعية التي تحكمها طبيعة "التفاوض تحت الضغط"، إضافة إلى مجموعة من المحددات الحاكمة لموقف كل من إيران والولايات المتحدة، ويتجلى ذلك على النحو التالي:


1- اتفاق مرحلي وجزئي محدود: يفترض هذا السيناريو أن تتجه المباحثات إلى صيغة "خفض التصعيد مقابل تنازلات جزئية"، بحيث توافق إيران على إجراءات محدودة (مثل ضبط مستوى التخصيب أو التهدئة في الإقليم)، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات أو تجميد إجراءات التصعيد الأمريكي. هذا السيناريو مدفوع برغبة الولايات المتحدة في تجنب حرب واسعة، وحرص إيران على كسر الضغوط الاقتصادية دون تقديم تنازلات استراتيجية كبرى. لكنه سيظل هشاً وقابلاً للانهيار مع أي تصعيد ميداني. 


2- فشل المباحثات وتصاعد المواجهة: في حال استمرار الضغوط الإسرائيلية وارتفاع سقف المطالب الأمريكية وكذلك الإيرانية (خصوصاً ما يتعلق بوقف التخصيب أو تقليص النفوذ الإقليمي، وفي المقابل سقف المطالب المرتفع لإيران)، قد تنهار المفاوضات بالكامل، ما يفتح الباب أمام تصعيد عسكري مباشر أو غير مباشر في الخليج أو عبر وكلاء إقليميين. هذا السيناريو يتعزز مع غياب الثقة، واستمرار العمليات العسكرية أو التهديد بها.


3- إطالة أمد التفاوض دون حسم: يفترض هذا السيناريو تحول المفاوضات إلى عملية طويلة بلا نتائج حاسمة، حيث يستخدمها الطرفان لكسب الوقت: واشنطن لاحتواء التصعيد، وطهران لتثبيت مكاسب ميدانية أو التقدم في برنامجها النووي. هذا النمط شبيه بجولات تفاوض سابقة، حيث تستمر اللقاءات دون اختراق حقيقي، مع إدارة الأزمة بدلاً من حلها. 


4- اختراق مفاجئ: يفترض هذا السيناريو – الأقل ترجيحاً – حدوث تقدم كبير إذا توفرت صفقة شاملة تشمل الملف النووي والدور الإقليمي مع ضمانات دولية بعدم تجدد الحرب، وربما بوساطة أطراف إقليمية مثل مصر وباكستان أو قوى دولية أخرى. لكن هذا السيناريو يتطلب تغيراً جذرياً في مواقف الأطراف، وهو غير متوفر حالياً.

إجمالاً، ومع الإعلان عن احتمالية انعقاد جولة مباحثات جديدة تلوح في الأفق، تبدو المباحثات أقرب إلى إنتاج "تهدئة مؤقتة" أو إدارة للأزمة وليس حلاً جذرياً لها. فالتناقضات البنيوية بين الطرفين—خصوصاً حول البرنامج النووي والدور الإقليمي—لا تزال عميقة، كما أنّ العوامل المعطِّلة مثل الدور الإسرائيلي والتصعيد الميداني تجعل أي اتفاق شامل أمراً بالغ الصعوبة. لذلك، من المرجح أن تنتهي هذه الجولة إما باتفاق محدود هش، أو باستمرار حالة "اللا حرب واللا سلم"، مع بقاء المنطقة على حافة التصعيد. 


محمد فوزي
خبير في شؤون الأمن الإقليمي، باحث في مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا