السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر يصافح رئيس المجلس السياسي للحوثيين مهدي المشاط في صنعاء، 9 أبريل 2023 (إعلام الحوثيين)
11-05-2026 الساعة 6 صباحاً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
أعادت الاجتماعات الأخيرة للجنة التنسيق العسكري، التي عُقدت في العاصمة الأردنية عمّان يومي 19 و20 أبريل 2026 برعاية مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، إحياء النقاش حول خارطة الطريق المتعثرة بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثيين، بعد أشهر من الجمود الذي فرضته التطورات الإقليمية المرتبطة بالبحر الأحمر والحرب في غزة. وجاءت هذه الاجتماعات في توقيت شديد الحساسية، تزامن مع تصاعد الضغوط الحوثية على الرياض لإعادة تفعيل التفاهمات السابقة، خصوصًا بعد تهديدات أطلقها رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، مهدي المشاط، في 25 مارس الماضي، توعد فيها بالعودة إلى التصعيد العسكري إذا لم تلتزم السعودية بما وصفه “الاستحقاقات المتفق عليها”.
غير أن عودة الحديث عن خارطة الطريق لم تأتِ في فراغ سياسي أو ميداني، بل جاءت بعد متغيرات حادة عصفت بجنوب اليمن منذ ديسمبر 2025، حين دخلت حضرموت والمهرة مرحلة تصعيد غير مسبوقة أعادت رسم خريطة التوازنات داخل المعسكر المناهض للحوثيين. ففي أواخر ديسمبر، شهدت مناطق واسعة في حضرموت مواجهات وتحركات عسكرية متسارعة عقب تقدم قوات جنوبية مدعومة من المجلس الانتقالي الجنوبي نحو وادي حضرموت والمهرة، وطرد قوات شمالية كانت تنتشر فيها.
لكن مطلع يناير 2026 حمل تحولًا أكثر خطورة، بعدما تدخلت السعودية بصورة مباشرة ضد القوات الجنوبية ودفعت بقوات موالية لها في مقدمتها قوات الطوارئ الشمالية نحو حضرموت، تزامنًا مع ضربات جوية استهدفت مواقع وتحركات للقوات الجنوبية. كما رافقت تلك التطورات حملة سياسية وإعلامية ضد المجلس الانتقالي، شملت إعلانًا عن حله من قبل بعض أعضاء وفده الذين وصلوا الرياض لتخفيف الاحتقان مع السعودية، وإغلاق مقراته في عدن وحضرموت لأسابيع قبل أن يعيد المتظاهرون الجنوبيون فتحها في مطلع أبريل الماضي.
وبالتوازي مع هذه التحولات، برزت تحركات سياسية مرتبطة بالحوار الجنوبي المزمع تنظيمه في الرياض، ودعم سعودي لإعادة تنشيط مكونات جنوبية كانت قد انضوت تحت لواء المجلس الانتقالي الجنوبي خلال السنوات الماضية، وتأسيس مكونات جديدة.
وفي خضم هذه المتغيرات، عادت خارطة الطريق نفسها إلى الواجهة، ومعها عادل الجدل خصوصًا في الأوساط الجنوبية. وتعود جذور هذه الخارطة إلى مسار تفاوضي بدأ منذ المبادرة السعودية المعلنة في مارس 2021، قبل أن يتطور عبر مفاوضات مباشرة وغير معلنة بين الرياض والحوثيين بوساطة عُمانية، تخللتها زيارات متكررة للسفير السعودي محمد آل جابر إلى صنعاء خلال 2022 و2023.
غير أن هذا المسار تعرض لانتكاسة كبيرة بعد انتقال الحوثيين إلى التصعيد البحري في البحر الأحمر وخليج عدن عقب اندلاع حرب غزة، وما تبع ذلك من ضربات أمريكية وبريطانية ضد مواقع الجماعة، الأمر الذي ربط الملف اليمني تدريجيًا بحسابات إقليمية أوسع تتعلق بالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وأفقد خارطة الطريق طابعها المحلي البحت.
وخلال الأشهر الأخيرة، أعادت التحركات المرتبطة بملف الأسرى، والحديث عن صفقة تبادل تشمل قرابة 2900 محتجز من مختلف الأطراف، إظهار محاولات الأمم المتحدة والقوى الإقليمية الدفع مجددًا نحو إجراءات “خفض تصعيد” تمهيدية لإحياء المسار السياسي. غير أن تعثر بعض التفاهمات واستمرار الخلافات حول القوائم وآليات التنفيذ عززا الانطباع بأن مسار بناء الثقة لا يزال هشًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة.
لكن القلق الأكبر يتمركز في الجنوب، حيث لا يُنظر إلى خارطة الطريق باعتبارها مجرد تفاهمات أولية نحو العملية السياسية، بل كجزء من ترتيبات سياسية وأمنية وعسكرية أوسع قد تعيد صياغة المشهد اليمني وفق مصالح السعودية والحوثيين دون مشاركة القوى الجنوبية وغياب قضية الجنوب. وتزداد هذه المخاوف مع شعور متنامٍ الجنوبيين بأن الملف يُدار عبر تفاهمات ثنائية تركز بالدرجة الأولى على تأمين الحدود السعودية واحتواء التهديدات الحوثية، أكثر من تركيزها على معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها قضية الجنوب التي تعوذ جذورها إلى 1994، والتي نصت مشاورات الرياض لتشكيل مجلس القيادة الرئاسي في 2022 على إطار تفاوضي خاص بها.
ويكتسب هذا القلق بعدًا أكثر حساسية فيما يتعلق بملف النفط والموارد السيادية، خصوصًا في محافظتي حضرموت وشبوة، اللتين تمثلان الثقل الاقتصادي الأبرز في الجنوب. ففي الوقت الذي يضغط فيه الحوثيون باتجاه استخدام عائدات النفط والغاز لتغطية رواتب الموظفين والمقاتلين في مناطق سيطرتهم، ينظر إلى هذه الموارد باعتبارها خط جنوبي أحمر كما وصفها المجلس الانتقالي الجنوبي في وقت سابق.
كما يثير الخطاب الحوثي المصاحب للمشاورات مع السعوديين مخاوف إضافية داخل الجنوب، خصوصًا مع إصرار الجماعة على توصيف المباحثات باعتبارها تفاهمات مباشرة بين “صنعاء والرياض”، بالتوازي مع خطاب إعلامي وسياسي يتعامل بازدراء مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ويصفها بـ“المرتزقة”.
ما هي خارطة الطريق؟
رغم تقديم خارطة الطريق باعتبارها إطارًا لإنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة، إلا أن الجدل المتصاعد حولها يعكس اختلافًا جوهريًا في طريقة فهم أهدافها وحدودها بين الأطراف المختلفة. ففي الوقت الذي تروج فيه الأمم المتحدة والسعودية للخارطة بوصفها مسار تدريجي لبناء الثقة واحتواء التصعيد، تعكس الوقائع مشهدًا مختلفًا قائمًا على التفاهمات غير المعلنة بين الحوثيين والسعوديين بعيدًا عن الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي بات اليوم عدوًا لكل من الرياض وصنعاء.
ويبدو هذا التباين واضحًا في طبيعة المسار التفاوضي نفسه، الذي تطور أساسًا عبر قنوات مباشرة بين الرياض والحوثيين، قبل أن يُنقل لاحقًا إلى الإطار الأممي. فمن جهة، تبدو السعودية معنية اليوم بإيجاد مخرج يقلص التهديدات الأمنية المباشرة على حدودها، ويخفف كلفة الانخراط الطويل في الحرب اليمنية، خصوصًا بعد سنوات من الاستنزاف العسكري والاقتصادي. وفي المقابل، يسعى الحوثيون إلى تحويل التفاهمات الحالية إلى اعتراف سياسي وواقع اقتصادي مستقر يكرّس موقعهم بوصفهم الطرف الأكثر نفوذًا في شمال اليمن، دون تقديم تنازلات جوهرية تتعلق بطبيعة السلطة أو شكل الدولة المستقبلية.
ورغم كثافة الحديث عن “خارطة الطريق” في اليمن، لا توجد حتى الآن نسخة رسمية منشورة بتفاصيلها الكاملة. المعلن رسميًا صدر عن مكتب المبعوث الأممي في 23 ديسمبر 2023، حين أعلن التزام الأطراف بمجموعة تدابير تشمل وقفًا شاملًا لإطلاق النار، ودفع رواتب القطاع العام، واستئناف صادرات النفط، وفتح الطرق في تعز ومناطق أخرى، ومواصلة تخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة، على أن تُنشئ الخارطة آليات للتنفيذ وتمهد لعملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة.
وبهذا المعنى، فإن ما هو “رسمي” في الخارطة لا يتجاوز حتى الآن العناوين الكبرى: وقف إطلاق النار، إجراءات اقتصادية وإنسانية، فتح المنافذ والطرق، استئناف صادرات النفط، ودفع الرواتب، ثم الانتقال إلى مسار سياسي أوسع. أما التفاصيل الدقيقة المتعلقة بترتيب المراحل، ومددها، والجهات الضامنة، وآلية إدارة الموارد، وشكل الحكومة المقبلة، فلم تُنشر رسميًا من الأمم المتحدة أو السعودية أو الحكومة اليمنية بصيغة وثيقة معلنة. وهذا الغموض نفسه أصبح أحد أسباب الجدل، خصوصًا مع تأكيد تقارير أن مسؤولين في (الشرعية اليمنية) وقيادات حزبية قالوا إنهم لم يطّلعوا على نص الخارطة كاملًا.
غير أن تصريحات لاحقة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في يوليو 2024، قدّمت تصورًا أكثر وضوحًا لبنية الخارطة، إذ تحدث عن ثلاث مراحل: تبدأ الأولى بوقف إطلاق النار وتنفيذ إجراءات اقتصادية وإنسانية لبناء الثقة، ثم تليها مرحلة ثانية يفترض أن تفتح الطريق نحو ترتيبات أوسع، وصولًا إلى مرحلة انتقالية تقود إلى تسوية سياسية. ورغم أن هذه التصريحات لم تكشف كل البنود، فإنها أكدت أن الخارطة ليست مجرد اتفاق تهدئة، بل مسار تدريجي يبدأ بالملفات العسكرية والإنسانية وينتهي بترتيبات سياسية.
أما التسريبات المتداولة في وسائل إعلام ومواقع محلية، وبعضها قريب من بيئات موالية للحوثيين، فتتحدث عن خارطة من ثلاث مراحل تمتد لنحو ثلاث سنوات. ووفق هذه التسريبات، تشمل المرحلة الأولى، ومدتها ستة أشهر، وقفًا شاملًا لإطلاق النار برًا وبحرًا وجوًا، وصرف رواتب موظفي الدولة وفق موازنة 2014، واتخاذ إجراءات اقتصادية لتحسين الوضع المعيشي، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وخلق مناخ تهدئة سياسي وإعلامي وإنساني.
وتقول التسريبات نفسها إن المرحلة الثانية، ومدتها ستة أشهر أيضًا، تتضمن استمرار تنفيذ بنود المرحلة الأولى، وخروج القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية، والسماح بإنتاج وتصدير النفط والغاز تحت إشراف لجنة اقتصادية مشتركة، والاتفاق على تصور أولي لإعادة إعمار اليمن. وهذه النقطة تحديدًا تفسر جزءًا من القلق الجنوبي، لأنها تربط النفط والغاز، وهما في جانب كبير منهما في محافظات الجنوب حضرموت وشبوة، بترتيبات اقتصادية عامة لا تزال آلياتها غير معلنة.
أما المرحلة الثالثة، بحسب التسريبات، فتمتد لعامين وتشمل تشكيل حكومة وطنية أو انتقالية توافقية، وإطلاق حوار يمني شامل يضم مختلف المكونات السياسية، وبدء عملية إعادة الإعمار بدعم أو إشراف إقليمي ودولي.
لذلك يمكن القول إن خارطة الطريق، بصيغتها المعلنة، هي إطار أممي لوقف إطلاق النار وبناء الثقة وفتح مسار سياسي شامل. أما بصيغتها المسربة، فهي خطة مرحلية أوسع تشمل ترتيبات عسكرية واقتصادية وسياسية تمتد لسنوات وتنتهي بحكومة توافقية وحوار شامل. وبين المعلن والمسرّب تكمن المشكلة الأساسية فكلما بقيت التفاصيل غير منشورة رسميًا، اتسعت مساحة الشكوك.
لماذا يرفضها الجنوبيون؟
في 20 سبتمبر 2023، ومن نيويورك، قال رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء عيدروس الزبيدي لصحيفة "الجارديان" البريطانية: "لقد تم تهميشنا ودفعنا إلى جانب واحد في المحادثات التي تمت في الرياض". تصريحات كبيرة جاءت بعد يوم واحد فقط من عودة وفد جماعة الحوثيين المدعومة من إيران من العاصمة السعودية الرياض إلى مدينة صنعاء بعد محادثات سياسية علنية هي الأولى من نوعها بين الطرفين، دامت لخمسة أيام، وبوساطة عمانية.
الزبيدي، الذي أسقطت عضويته في مجلس القيادة الرئاسي مؤخرًا بقرار من رئيس المجلس المقيم في الرياض رشاد العليمي، حذَّر من "اتفاق سيء" قد يُبرم مع الحوثيين يسمح ببسط سيطرتهم. مضيفًا: "إيران من خلال الحوثيين ستسيطر على آبار النفط في الجنوب وطريق باب المندب التجاري الذي يتدفق عبره النفط بمليارات الدولارات". لاحقًا وفي مقابلة مع قناة "بي بي سي"، شدد الزبيدي على إن الجنوبيين وحدهم هم من يقرر مستقبلهم ومصيرهم ومصير ثرواتهم ومواردهم.
ويرى الباحث السياسي والإعلامي أوسان بن سدّة أن المخاوف الجنوبية “لا تتعلق فقط بمضمون خارطة الطريق، بل بطبيعة المقاربة التي تُدار بها”، موضحًا أن أي مسار لا يعكس التوازنات الحقيقية داخل اليمن “سيبقى معرضًا للاهتزاز مهما بدا متماسكًا على المستوى الدبلوماسي”.
وقال بن سدّة لمركز سوث24 إن جزءًا كبيرًا من القلق الجنوبي يرتبط بما وصفه “تجاوز التمثيل الحقيقي للقضية الجنوبية”، مشيرًا إلى أن الجنوبيين ينظرون إلى أي تفاهمات تُصاغ خارج مشاركتهم الفعلية باعتبارها محاولة لإعادة تعريف القضية الجنوبية من خارجها. وأضاف أن المخاوف الجنوبية تستند أيضًا إلى تجربة السنوات الماضية، حيث جرى تقديم عدد من الترتيبات السياسية والأمنية باعتبارها خطوات نحو الاستقرار، “لكنها انتهت عمليًا إلى إرباك المشهد الجنوبي وإضعاف القوى الفاعلة فيه”، على حد تعبيره.
وشدد بن سدة على أن أي استقرار مستدام “يتطلب معالجة متوازنة لملفي الشمال والجنوب، وعدم اختزال الأزمة اليمنية في البعد الأمني أو الإنساني فقط”. مضيفًا: "الإشكالية الأساسية لا تكمن في مبدأ الحوار أو التهدئة، بل في مدى قدرة المسار الحالي على إنتاج شراكة سياسية فعلية. أن أي تسوية لا تعكس التوازنات القائمة داخل اليمن ستبقى عرضة للاهتزاز بمجرد تغير الظروف الإقليمية أو الميدانية".
لكن رئيس منظمة “فكر للحوار والحريات”، عبدالعزيز العقاب، يعتقد أن كثيرًا من التصورات المتداولة حول خارطة الطريق “لا تعكس مضمونها الحقيقي”، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من الجدل الدائر حولها يرتبط بحالة الاستقطاب السياسي والمخاوف المتبادلة بين القوى اليمنية.
وقال العقاب لمركز سوث24 إن الخارطة “تقوم على مسارات متعددة تهدف إلى بناء الثقة والتوصل إلى سلام عادل وشامل”، مشيرًا إلى أن الإجراءات الاقتصادية والإنسانية المطروحة، بما في ذلك ملف الرواتب وفتح الطرقات، ينبغي النظر إليها كخطوات لتخفيف المعاناة وتهيئة البيئة المناسبة للحل السياسي، وليس كمكاسب أحادية لصالح الحوثيين.
كما اعتبر أن جزءًا من الاعتراضات يعود إلى “غياب المعلومات الدقيقة لدى بعض الأطراف، أو عدم انخراطها المباشر في مسارات التفاوض”، مؤكدًا أن العملية السياسية النهائية “لن تستثني أي طرف”، وأن الهدف النهائي يتمثل في الوصول إلى تسوية شاملة بإرادة يمنية وبرعاية إقليمية ودولية.
ولكن على الرغم من هذا التفاؤل، لاتزال الأسئلة الجنوبية الكبرى بدون إجابات. وقد عززت أفعال السعودية الأخيرة في الجنوب، بما فيها قصف القوات الجنوبية وإخراجها من حضرموت النفطية، واستمرار محاولات إضعاف وتفكيك المجلس الانتقالي، من الشكوك العميقة بشأن نوايا الرياض وخارطة الطريق. كما أن الحوار الجنوبي - الجنوبي الذي تقول المملكة إنها تدعمه لم ينتج عنه منذ أشهر سوى لقاءات تشاورية بين شخصيات جنوبية مع السفير السعودي، في الوقت الذي يتفاوض فيه الحوثيون مع السعودية في دولة ثالثة وبإشراف أممي حول ملفات لا يعرف بالضبط ماهي تفاصيلها، وأين موقع الجنوب منها.
قبل 12 يوم
قبل شهرين