التقارير الخاصة

أكثر من 100 يوم على تشكيلها، ماذا حققت حكومة الزنداني حتى الآن؟

اجتماع مجلس الوزراء اليمني في العاصمة عدن، 19 مايو 2026 (وكالة سبأ)

آخر تحديث في: 26-05-2026 الساعة 8 صباحاً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


لم تدخل حكومة شائع محسن الزنداني أشهرها الأولى في عدن من بوابة استقرار سياسي أو اقتصادي، بل من قلب أزمة مركبة ورثت فيها ملفات مفتوحة من الحكومة السابقة، ووجدت نفسها سريعًا أمام اختبار مزدوج، تثبيت حضورها داخل العاصمة عدن وسط توترات سياسية، وإظهار قدرة عملية على التعامل مع أزمات الرواتب والكهرباء والعملة والإيرادات. وبعد أكثر من 100 يوم على إعلانها في 7 فبراير، لم يعد السؤال متعلقًا ببرنامج هذه الحكومة، بل بما إذا كانت قد بدأت فعلًا في تحويل تعهدات الإصلاح إلى نتائج يمكن قياسها.


جاءت الحكومة الجديدة في سياق سياسي مضطرب، عقب تغييرات واسعة داخل معسكر الحكومة المعترف بها دوليًا، وبعد موجة توترات في جنوب اليمن أفضت إلى تراجع حضور المجلس الانتقالي الجنوبي في مؤسسات السلطة، بما في ذلك خروجه من التشكيلة الحكومية الجديدة. وقد ضمت الحكومة التي أُعلن عنها في 7 فبراير 2026 نحو 35 وزيرًا، في صيغة موسعة أثارت منذ البداية أسئلة حول ما إذا كانت تعكس حاجة المرحلة إلى حكومة قادرة على إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية المعقدة، أم أنها استمرار لمنطق المحاصصة السياسية في لحظة تتطلب فاعلية تنفيذية أعلى.


مُتعلق: الحكومة اليمنية الجديدة: قراءة في التشكيلة والمآلات


ولم تنفصل بداية عمل الحكومة عن هذا السياق. فقد تزامن أول اجتماع لها في قصر معاشيق بعدن مع احتجاجات لأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي الذين رفضوا وصول وزراء شماليين من بينهم وزير الدفاع المرتبط بالإخوان المسلمين. ورغم أن الحكومة حاولت تقديم عودتها إلى عدن بوصفها خطوة لاستعادة انتظام العمل المؤسسي من الداخل، فإن تلك العودة جرت وسط انقسام سياسي واضح، وتحديات أمنية وإدارية.


إلى جانب هذا الإرث السياسي، تسلمت حكومة الزنداني ملفات اقتصادية وخدمية معقدة من الحكومات السابقة. فقد جاء تشكيلها في ظل استمرار توقف صادرات النفط والغاز، وضعف الإيرادات العامة، وشح السيولة، وتآكل القدرة الشرائية، واضطراب انتظام الرواتب، واستمرار أزمة الكهرباء في عدن ومحافظات جنوب اليمن. كما أن بعض المؤشرات التي تُطرح اليوم ضمن سياق أداء الحكومة الحالية، خصوصًا التحسن النسبي في سعر صرف العملة المحلية وبعض إجراءات ضبط الإنفاق والإيرادات، تبدو في جانب منها امتدادًا لمسار بدأ قبل تشكيلها، لا نتيجة منفصلة لأول أشهر عملها.


في المقابل، منح الدعم السعودي المعلن في فبراير الحكومة هامشًا ماليًا مهمًا في بداية عملها. فقد أعلنت الرياض تقديم دعم بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي للمساهمة في معالجة عجز الموازنة المخصصة للرواتب، وهو دعم ساعد الحكومة على مواجهة جزء من التزاماتها العاجلة، لكنه كشف أيضًا حجم اعتمادها على التمويل الخارجي في ظل غياب موارد سيادية مستقرة، وفي مقدمتها عائدات النفط والغاز.


ورغم هذا الدعم وبرامج أخرى مولتها السعودية، تواصلت الأزمات الخدمية وتفاقمت وفي مقدمتها أزمة الكهرباء التي تضرب عدن ومدن الجنوب الأخرى كل عام مع حلول فصل الصيف. وعلى الرغم من التحسن الطفيف في انتظام عملية دفع مرتبات القوات العسكرية بالريال السعودي، يعاني موظفو القطاع العام من تأخير رواتبهم الحكومية، واستمرار انخفاض قوتها الشرائية بمرور الوقت، في ظل ارتفاع الأسعار.


وخلال مايو، سعت الحكومة إلى نقل خطابها من مستوى التعهدات العامة إلى إجراءات أكثر التصاقًا بالضغط المعيشي والمالي. ففي 19 مايو، أقر مجلس الوزراء في عدن حزمة قرارات اقتصادية ومالية وإدارية، شملت اعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لكافة موظفي الدولة، وصرف العلاوات السنوية المتأخرة، ومعالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ سنوات، وتشكيل اللجنة العليا للمناقصات، إلى جانب إجراءات مرتبطة بتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز تحصيل الإيرادات، ومكافحة التهرب والازدواج الوظيفي.


غير أن الأثر الفعلي لهذه الزيادة يظل محدودًا إذا قورن بحجم التآكل الذي أصاب رواتب موظفي الدولة منذ عام 2015، بعدما فقد الريال اليمني معظم قيمته أمام العملات الأجنبية، وتراجعت القوة الشرائية للمرتبات بنحو سبعة أضعاف تقريبًا.


كما اتجهت الحكومة إلى تفعيل إجراءات أكثر حساسية في ملف الإيرادات، أبرزها تحرير سعر الدولار الجمركي، مع التأكيد على أن السلع الأساسية المعفاة من الجمارك لن تتأثر بالقرار. غير أن هذه الخطوة فتحت نقاشًا حول قدرة الحكومة على زيادة مواردها من دون خلق ضغوط سعرية جديدة في سوق يعتمد على الاستيراد، ويعاني أصلًا من ضعف الرقابة وتعدد الجبايات وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.


كما برزت الأسئلة حول مدى نجاح حكومة الزنداني حتى الآن في ضبط صب إيرادات الدولة السيادية في وعاء البنك المركزي بعدن، حيث لاتزال العديد من المؤسسات والمحافظات ترفض توريد هذه الإيرادات بحسب تقارير اقتصادية ومصادر مطلعة. وفي مقدمتها محافظة مأرب حيث تحتكر السلطة المحلية هناك إيرادات الغاز وغيرها وتوردها منذ سنوات لحساب البنك المركزي فرع المحافظة، وتصرف منه بشكل مباشر.  


وفي ملف الخدمات، عاد ملف الكهرباء إلى مقدمة الاختبار الحكومي. فقد اعتمد المجلس الأعلى للطاقة، في 17 مايو، حزمة قرارات لتحسين خدمة الكهرباء وتأمين الوقود وتطوير البنية التحتية لمنظومة الطاقة في عدن والمحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة، بما في ذلك معالجة الفجوة التموينية للديزل والمازوت، وتأمين الوقود الخام اللازم لتشغيل توربينات محطة الرئيس في عدن بكامل طاقتها الممكنة. غير أن هذه القرارات جاءت في ظل استمرار أزمة الكهرباء بوصفها أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على محدودية التحسن الخدمي حتى الآن.


استمرار الاختلالات القديمة


في تقييمه للأداء الاقتصادي بعد أكثر من 100 يوم على إعلان الحكومة الجديدة، قال رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، مصطفى نصر، إن الحكم على أداء الحكومة “يتطلب معايير واضحة ومنصفة”، مشيرًا إلى أن التقييم يجب أن يرتبط بما تحقق فعليًا من برنامج عملها، لا بما أُعلن عنه فقط من خطط وأهداف.


وأضاف نصر لمركز سوث24 أن الحكومة واجهت منذ البداية ظروفًا معقدة، موضحًا أن “الجانب الأمني والعسكري استنزف جزءًا كبيرًا من جهود الحكومة”، وهو ما انعكس على قدرتها في تنفيذ الجوانب الاقتصادية والخدمية.  وأشار إلى وجود خطوات أولية يمكن عدّها مؤشرات إيجابية، من بينها عودة الحكومة بشكل شبه دائم إلى العاصمة عدن، وإقرار الموازنة العامة وبرنامج الحكومة، إلى جانب الدعم الدولي والإقليمي الواضح، خصوصًا الدعم السعودي المباشر. 


وشكّل إقرار مشروع الموازنة العامة لعام 2026 أحد أبرز الخطوات التي قدمتها الحكومة باعتبارها مدخلًا لاستعادة انتظام العمل المؤسسي بعد سنوات من إدارة الإنفاق بمنطق الطوارئ. وركّزت الموازنة على أولويات وصفتها الحكومة بالملحّة، في مقدمتها انتظام صرف الرواتب والأجور للقطاعين المدني والعسكري، وتمويل الخدمات الأساسية، ودعم البنك المركزي للحفاظ على الاستقرار النقدي والحد من التضخم.


 كما تضمنت توجهات لإعادة ضبط الإنفاق العام، وتطوير الإدارة الضريبية والجمركية، وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات، إلى جانب التشديد على منع الإنفاق خارج إطار الموازنة وتفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة. 


لكن هذه المؤشرات، من وجهة نظر مصطفى نصر، لا تلغي أن الحكومة لا تزال تعاني من “حالة توهان” في ترتيب أولوياتها الاقتصادية والخدمية.


وتتفق الباحثة في الاقتصاد السياسي للتنمية، رانيا خيالي، مع هذا التقييم من زاوية مؤسسية، وقالت لمركز سوث24 إن الحكومة نجحت حتى الآن في إنتاج إطار مالي وبرنامجي أوضح من السابق، لكنها “لم تنجح بعد في تحويل هذا الإطار إلى نتائج ملموسة”. ولفتت إلى أن مؤشرات الرواتب والسيولة والكهرباء وسعر الصرف “تؤكد استمرار الاختلالات القديمة”.


وترى خيالي أن الحكومة وضعت ست أولويات رئيسية في برنامجها، تشمل الاستقرار السياسي والأمني، والتعافي الاقتصادي والمالي، واستدامة الخدمات الأساسية، والحوكمة، والتماسك المجتمعي، والشراكة الدولية، “إلا أن الفجوة لا تزال واضحة بين ما هو معلن وما يتحقق فعليًا”.


ومنذ أغسطس 2025، شهد الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة تحسنًا نسبيًا بعد تراجعه إلى مستويات قياسية، مستفيدًا من إجراءات نقدية ودعم خارجي ومسار بدأ قبل تشكيل الحكومة الحالية. غير أن هذا التحسن ظل هشًا، ولم يتحول إلى استقرار اقتصادي مستدام أو انعكاس واضح على أسعار معظم السلع، بما فيها بعض السلع الأساسية.


اقرأ المزيد: تعافٍ بلا أثر: كيف ابتلعت اختلالات السوق مكاسب الريال اليمني


في هذا السياق، قال الأكاديمي والمحلل الاقتصادي د. أسامة محمد السقاف لمركز سوث24 إن الحكومة تمكنت خلال الفترة الماضية من إبطاء وتيرة تدهور العملة المحلية، لكنها لم تنجح في تحقيق استقرار اقتصادي مستدام. 


وأوضح السقاف أن أي تحسن سُجل في بعض الفترات كان نتيجة تدخلات خارجية أو إجراءات قصيرة الأجل سرعان ما فقدت تأثيرها، معتبرًا أن هذا النمط يعكس “الاستقرار الهش”، الذي لا يستند إلى أسس اقتصادية قوية مثل زيادة الإنتاج أو تحسن الميزان التجاري. ويرى أن الحكومة “تدير الأزمة أكثر مما تعالجها”، وأن استمرار تذبذب العملة يرتبط بعوامل هيكلية ونقدية وسياسية متداخلة، من بينها انقسام النظام المالي، ووجود سوقين للعملة، وضعف قدرة البنك المركزي على تطبيق سياسة نقدية موحدة، إضافة إلى توقف قطاعات حيوية مثل النفط والغاز، والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد.


وتلتقي رانيا خيالي مع هذا التقدير، إذ ترى أن التحسن المسجل في الاستقرار النقدي “ما يزال هشًا”، لأنه مرتبط بالدعم الخارجي وإجراءات البنك المركزي أكثر من ارتباطه بتحسن إنتاجي أو إيرادي مستدام. كما لفتت إلى أن أزمة السيولة التي شهدتها مناطق سيطرة الحكومة خلال أبريل 2026 انعكست على دفع الرواتب وتوفير وقود محطات الكهرباء، وهو ما عدّته “مؤشرًا سلبيًا مباشرًا على مستوى الانضباط المالي”.


أزمات خدمية متفاقمة


يبقى ملف الخدمات هو المعيار الأكثر مباشرة في تقييم أداء حكومة شائع الزنداني. فمهما تحدثت الحكومة عن الموازنة، وبرنامج العمل، والإصلاحات المالية، واستعادة التواصل مع المؤسسات الدولية، فإن المواطن يقيس الأداء من خلال انتظام الراتب، وتوفر الكهرباء، واستقرار الأسعار، وقدرة المؤسسات العامة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات اليومية.


في هذا الملف، لم يظهر حتى الآن تحول جوهري يميز أداء الحكومة الجديدة عن الحكومات السابقة. فقد ظلت أزمة الكهرباء في عدن ومحافظات جنوب اليمن مرتبطة بتوفر الوقود، وضعف القدرة التوليدية، وتهالك الشبكات، وتراكم الاختلالات الإدارية والمالية داخل قطاع الطاقة. كما استمرت أزمة الرواتب والسيولة والأسعار في الضغط على المواطنين.


وترى رانيا خيالي أن استمرار الانقطاعات الكهربائية في عدن ومحافظات جنوبية أخرى، وارتباط تشغيل المحطات بتوفر الوقود، يعكس أن الحكومة “لم تنتقل بعد من إدارة الأزمة اليومية إلى إصلاح هيكلي واضح ومستدام”.  واعتبرت أن محطة الطاقة الشمسية بقدرة 120 ميجاواط في عدن، والأخرى بقدرة 53 ميجاواط في شبوة، وهي مشاريعها مولتها ودعمتها الإمارات، “تجربة مهمة يمكن البناء عليها”.


ويلفت مصطفى نصر إلى أن الحكومة “لم تحقق تقدمًا ملموسًا حتى الآن” في ملف الخدمات، ويربط ذلك أساسًا بأزمة الإيرادات، واستمرار الجبايات، وضعف الموارد المالية. وأضاف أن مستوى التحسن ما يزال محدودًا رغم بعض الجهود الفردية، مؤكدًا أن الحكومة ككل “لا تزال تواجه شحًا كبيرًا في الإيرادات”.


ويشير نصر إلى أن الدعم السعودي المباشر لا يزال عاملًا أساسيًا في بقاء الحكومة قادرة على الوفاء بالتزاماتها، معتبرًا أنه “في حال غياب هذا الدعم، فإن الحكومة ستواجه تراجعًا كبيرًا في قدرتها على الإيفاء حتى بالحد الأدنى من التزاماتها”.  


ويمكن القول إنه بعد أكثر من 100 يوم على تشكيلها، لا تبدو حكومة شائع الزنداني أمام حصيلة إنجازات مكتملة بقدر ما تبدو أمام قائمة اختبارات لم تُحسم بعد. فقد حققت الحكومة بعض المؤشرات التنظيمية المهمة، من بينها العودة شبه المنتظمة إلى عدن، وإقرار الموازنة العامة، وتقديم برنامج حكومي، والحصول على دعم سعودي مباشر، ثم اتخاذ حزمة قرارات اقتصادية وإدارية في مايو شملت بدل الغلاء والعلاوات والتسويات وتحرير الدولار الجمركي وتشكيل اللجنة العليا للمناقصات. غير أن هذه الخطوات لم تتحول حتى الآن إلى تحسن ثابت في الملفات التي يقيس بها المواطن أداء الحكومة: الراتب، والكهرباء، والأسعار، والسيولة، والخدمات الأساسية.


وبهذا المعنى، لا تقدم الأشهر الأولى من عمر الحكومة حكمًا نهائيًا عليها، لكنها تكشف حدود قدرتها حتى الآن. فقد بدأت الحكومة من أزمة عميقة، واتخذت قرارات لا يمكن تجاهلها، لكنها ما تزال أقرب إلى حكومة تحاول ترتيب أدواتها داخل الأزمة، لا حكومة نجحت في تغيير مسارها. وسيبقى اختبارها الفعلي في ما إذا كانت تستطيع تحويل الدعم والقرارات والموازنة إلى نتائج يومية ملموسة، أو أنها ستلتحق بسلسلة الحكومات التي أعلنت الإصلاح وظلت محكومة بشروط الانقسام وضعف الموارد وتعدد مراكز القرار.


عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا