التقارير الخاصة

لماذا انهارت عدة شركات صرافة يمنية وأين ذهبت أموال المودعين؟

تصميم: مركز سوث24 (بواسطة الذكاء الاصطناعي)

30-05-2026 الساعة 6 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


لم تعد ظاهرة تعثر وانهيار شركات الصرافة في اليمن حوادث متفرقة أو شكاوى معزولة من مودعين، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر مؤشرات هشاشة النظام المالي وضوحًا. فخلال الأعوام الأخيرة، تكررت حالات إغلاق شركات صرافة أو تعثرها أو دخولها في مسارات قضائية وتصفية، بينما وجد عملاء أنفسهم غير قادرين على استعادة مدخراتهم أو حوالاتهم أو أرصدة احتفظوا بها لدى شركات لا يخولها نشاطها القانوني فتح حسابات أو تلقي ودائع مصرفية.


وخلال مايو 2026، عاد الملف إلى الواجهة مع شكاوى متداولة حول الاتحاد للصرافة في مناطق سيطرة الحوثيين، والمفلحي للصرافة في عدن، بعد حديث مودعين عن تعثر وصعوبة في استعادة أموالهم. وفي حالة المفلحي تحديدًا، تداخلت الشكاوى الأخيرة مع قرار سابق للبنك المركزي في عدن، صدر في ديسمبر 2025، بإيقاف تراخيص شركات ومنشآت صرافة بينها المفلحي بسبب مخالفات رقابية، قبل أن تتحدث تقارير محلية لاحقًا عن إغلاق أبواب الشركة واحتجاج مودعين في عدن.


لكن المفلحي والاتحاد ليستا سوى حلقتين في سلسلة أوسع. ففي لحج، تحولت قضية الدوكي إخوان للصرافة منذ عام 2021 إلى ملف قضائي يتعلق بخيانة الأمانة وأموال مودعين، قبل أن تصدر محكمة استئناف لحج، في أبريل 2026، حكمًا بإدانة مالكي الشركة في الواقعة، مع الإشارة إلى أن الشركة لم تُعد أموال مودعين تسلمتها بالعملات المحلية والأجنبية عن طريق الإيداع والتحويل.


وفي عدن، تمثل الأمناء للصرافة والتحويلات المالية حالة مختلفة، إذ دخلت الشركة مسار تصفية قضائية بعد قرار المحكمة التجارية الابتدائية رقم 198 الصادر في مارس 2023 بتشكيل لجنة تصفية، ثم دعت اللجنة في فبراير 2024 الدائنين والمدينين إلى تقديم مطالباتهم المالية. كما حذرت لجنة التصفية لاحقًا من التعامل في أصول مرتبطة بالشركة، بينها مشروع “بوابة عدن”، باعتبارها من الأصول الضامنة لحقوق الدائنين.


وسبقت هذه الحالات قضية الصلاحي للصرافة في عدن، التي أعلنت في ديسمبر 2022 وقف نشاطها بهدف تسديد ما عليها من مستحقات ثم استئناف عملها، بحسب مصادر محلية.


وفي صنعاء، تحدثت تقارير إعلامية في أبريل 2022 عن إفلاس الجزيرة إخوان للصرافة وإغلاق مقرها الرئيسي وفروعها في المحافظات بعد 21 عامًا على تأسيسها، بينما صدر لاحقًا تعقيب من رئيس مجلس إدارة الشركة ينفي صحة أخبار الإفلاس وإغلاق الفروع. وهو ما جعل هذه الحالة مثالًا على ملف تتضارب فيه الروايات، والتي لم يتسن لمركز سوث24 الوقوف عليه بشكل خاص.


ولم تكن السلطات النقدية غائبة تمامًا عن هذا الخطر. ففي مارس 2025، حذر البنك المركزي في عدن المواطنين والتجار والشركات من الاحتفاظ بأي نوع من الودائع لدى شركات ومؤسسات الصرافة، مؤكدًا أن نشاطها يقتصر على بيع وشراء العملات ومزاولة الحوالات فقط، وأنها ليست مخولة قانونيًا بفتح حسابات أو حفظ ودائع. غير أن استمرار الشكاوى بعد ذلك أظهر أن التحذيرات وحدها لم تكن كافية لمنع الممارسة أو حماية العملاء الذين أصبحوا عالقين بعد التعثر.


يحاول هذا التقرير تفكيك أسباب انهيار عدة شركات صرافة يمنية، والبحث في مصير أموال المودعين، من خلال شهادات خبراء اقتصاديين وقانونيين وممثلين عن قطاع الصرافة.


أسباب التعثر والانهيار


لا تتشابه كل حالات التعثر داخل قطاع الصرافة اليمني. فبعض الشركات أُغلقت أو سُحبت تصاريحها بقرارات من السلطات النقدية بسبب مخالفات تتعلق بالمضاربة أو عدم الالتزام بتعليمات البنك المركزي، بينما وصلت شركات أخرى إلى مرحلة العجز الفعلي عن السداد، فتوقفت عن دفع الحوالات أو إعادة الأرصدة التي احتفظ بها العملاء لديها. 


في تفسير أسباب هذه الانهيارات، قال رئيس نقابة الصرافين الجنوبيين، حسين البعسي، إن تكرار تعثر بعض شركات الصرافة يعود إلى “مجموعة من الأسباب المرتبطة بطبيعة إدارة تلك الشركات ومخالفتها للقوانين المنظمة للعمل المصرفي”. 


وأوضح لمركز سوث24 أن كثيرًا من شركات الصرافة أُسست كشركات تضامنية، ما يعني قانونيًا أن الشركاء يتحملون المسؤولية الكاملة عن التزاماتها المالية، وأنه في حال إفلاس الشركة يفترض أن تتجه الجهات القضائية إلى حصر ممتلكات الشركاء والسيطرة عليها وبيعها لضمان إعادة حقوق المودعين.


وأشار البعسي إلى أن بعض الانهيارات ارتبطت بخلافات داخلية بين الشركاء، إلى جانب دخول بعض الشركات في مشاريع استثمارية ضخمة، مثل شراء الأراضي والعقارات، باستخدام أموال المودعين، رغم أن قانون الصرافة يحصر نشاط هذه الشركات بالأعمال المصرفية المرخصة. وأضاف أن توظيف أموال العملاء في مشاريع طويلة الأجل يفوق قدرة تلك الشركات المالية والتشغيلية، ما يجعلها عاجزة عن توفير السيولة عندما يطالب المودعون بسحب أموالهم.


كما تحدث البعسي عن توسع بعض الشركات في تمويل مشاريع لعملائها، معتبرًا أن هذا النشاط “من اختصاص البنوك وليس شركات الصرافة”. 


ويتفق الأستاذ المساعد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة عدن، د. سامي محمد قاسم، مع هذا التقييم، معتبرًا أن انهيار عدد من شركات الصرافة يعود إلى “أزمة السيولة وسوء الإدارة والمضاربة بالعملة وضعف الرقابة الرسمية”. وأوضح لمركز سوث24 أن كثيرًا من شركات الصرافة “كانت تعمل بالمخالفة للقانون عبر فتح حسابات للمواطنين رغم أنها غير مخولة قانونيًا بممارسة هذا النشاط”، مضيفًا أن تلك الشركات وجهت جزءًا كبيرًا من ودائع المواطنين إلى استثمارات عقارية وتجارية.


ومع تفاقم أزمة سيولة الريال اليمني خلال الأشهر الأخيرة في عدن ومناطق سيطرة الحكومة اليمنية، قال د. سامي إن مخاوف المودعين من فقدان أموالهم ارتفعت، فزادت طلبات السحب بصورة كبيرة في وقت لم تكن الشركات تمتلك فيه سيولة نقدية كافية لتغطية تلك الطلبات. 


ولعبت المضاربة بالعملة الأجنبية دورًا إضافيًا في تعميق الأزمة. فبحسب د. سامي، تسبب التحسن المفاجئ الذي شهده الريال اليمني منذ أغسطس 2025 بخسائر كبيرة لشركات ومضاربين راهنوا على استمرار انهيار العملة المحلية. ومع أن المضاربة وفرت لبعض الشركات أرباحًا سريعة خلال فترات تدهور العملة، فإنها جعلتها أكثر عرضة لخسائر حادة عند تغير اتجاه السوق.


ولفت د. سامي أيضًا إلى أن بعض شركات الصرافة ارتبطت بشخصيات سياسية وعسكرية، معتبرًا أن الفساد وعلاقات النفوذ “كانا عاملين مهمين في تعميق الخسائر والانهيارات التي شهدها القطاع”.


أين ذهبت الأموال ومن يتحمل المسؤولية؟


يبقى السؤال الأكثر حساسية بالنسبة للعملاء هو مصير الأموال بعد تعثر شركات الصرافة أو إغلاقها. ففي غياب نظام واضح لضمان الودائع، يجد المودعون أنفسهم أمام مسار قضائي طويل ومعقد، خصوصًا إذا كانت أصول الشركة غير كافية، أو إذا جرى نقل الأموال والعقارات إلى أسماء أخرى قبل إعلان التعثر.


قانونيًا، لا يقتصر الأمر على إعلان إفلاس شركة أو عجزها عن السداد. فبحسب أستاذ القانون التجاري بجامعة حضرموت، المحامي عمر حسن بلبحيث، فإن توصيف انهيار شركات الصرافة “يعتمد على طبيعة كل حالة والوقائع المرتبطة بها”. فبعض الحالات قد تُعامل كإفلاس تجاري إذا كانت الشركة تمارس نشاطًا مشروعًا ثم توقفت عن السداد بسبب الخسائر أو اضطراب السوق، بينما قد تتحول حالات أخرى إلى جرائم جنائية مثل الاحتيال أو خيانة الأمانة.


وأوضح بلبحيث لمركز سوث24 أن الأمر يتحول إلى جريمة عندما يثبت أن الشركة استلمت أموال العملاء مع علمها بالعجز عن السداد، أو قامت بإخفاء الأموال، أو تهريب الأصول، أو تقديم بيانات مضللة. كما أشار إلى أن القانون اليمني يفرق بين الإفلاس البسيط والإفلاس الاحتيالي، حيث يُسأل مديرو الشركات جنائيًا في حال تبديد الأموال أو تهريب الأصول للإضرار بالدائنين.


وتكتسب هذه النقطة أهميتها لأن الأموال العالقة قد لا تكون موجودة في صورة سيولة نقدية داخل الشركة. فقد تكون تحولت إلى خسائر نتيجة المضاربة بالعملة، أو استُخدمت في استثمارات عقارية وتجارية، أو انتقلت إلى حسابات وأصول بأسماء أخرى، أو حُولت إلى الخارج. وفي كل حالة، تختلف فرص الاسترداد بحسب وجود دفاتر مالية واضحة، وأصول قابلة للحجز، وتحرك قضائي سريع يمنع التصرف بما تبقى من أموال وممتلكات.


وشدد بلبحيث على أن شركات الصرافة ليست بنوكًا تجارية، وبالتالي لا يحق لها فتح حسابات مصرفية أو تلقي ودائع من الجمهور. 


ويرى الدكتور د. سامي محمد قاسم أن البنك المركزي اليمني في عدن “يتحمل جزءًا من المسؤولية”، نتيجة عدم قدرته على تنفيذ قراراته المتعلقة بمنع شركات الصرافة من فتح حسابات للمواطنين. وأشار إلى أن البنك أصدر بالفعل تحذيرات متعددة، لكنه “يفتقد إلى الآليات التنفيذية الكافية لفرض تلك القرارات”، لافتًا إلى أن تطبيقها كان يتطلب تعاونًا أكبر مع الأجهزة الأمنية ونيابة الأموال العامة.


وأكد بلبحيث أن البنك المركزي يمتلك صلاحيات رقابية واسعة تشمل منح التراخيص والتفتيش ومراجعة الملاءة المالية وإيقاف النشاط وفرض الجزاءات. لكنه يضيف أنه “إذا كانت المخالفات والشكاوى متكررة والبنك المركزي على علم بها دون تدخل، فقد تثار مسؤوليته القانونية والإدارية نتيجة التقصير في الرقابة”.


أما المحامي عبد الله بابكيلي، فيركز على المسار العملي المتاح للمودعين بعد وقوع التعثر. ويقول إن البنك المركزي لا يُعد “جهة شكلية” في الرقابة على شركات الصرافة، بل يمتلك صلاحيات قانونية واسعة تشمل منح التراخيص وسحبها والتفتيش وإيقاف النشاط وفرض الجزاءات. وأضاف لمركز سوث24 أن استمرار بعض الشركات في مزاولة نشاطها رغم وجود شكاوى وتحذيرات متكررة “قد يثير مسؤولية قانونية أو إدارية على الجهات الرقابية إذا ثبت وجود تقصير جسيم”.


وبشأن حقوق المودعين، يرى بابكيلي أن أقوى الإجراءات العملية تتمثل في “التحرك الجماعي والسريع أمام القضاء، وطلب الحجز التحفظي الفوري على أموال الشركات، ومنع المتهمين من السفر، وتتبع الحسابات والتحويلات المالية”. وتكمن أهمية هذه الإجراءات في أن أي تأخير بعد التعثر قد يسمح بنقل الأموال أو تهريب الأصول أو التصرف بالعقارات قبل وصول القضاء إليها.


وأشار بابكيلي إلى أن من أكبر العقبات قيام بعض ملاك شركات الصرافة، قبيل الانهيار، بتهريب الأموال أو نقل الأصول والعقارات إلى أسماء أخرى أو تحويل الأموال إلى الخارج، ما يصعّب تنفيذ الأحكام واستعادة الحقوق. 


في المقابل، يقدم المتحدث باسم جمعية صرافي عدن، صبحي باغفار، قراءة أكثر دفاعًا عن القطاع، إذ يرى أن حالات التعثر يمكن قراءتها ضمن الأزمات التي تواجه المؤسسات المالية عالميًا ومحليًا، مشيرًا إلى أن نسب التعثر داخل قطاع الصرافة “ما تزال محدودة مقارنة بقطاعات أخرى”. 


وقال باغفار لمركز سوث24 إن الاقتصاد اليمني يعيش “اقتصادًا عاصفًا” نتيجة شح الموارد واختلالات السوق، وإن البنك المركزي في عدن نجح نسبيًا في تحقيق قدر من الاستقرار النقدي رغم الظروف السياسية والعسكرية الصعبة.


وبين تحميل الشركات المسؤولية المباشرة، ومساءلة البنك المركزي عن ضعف الرقابة، وما تعيشه البلاد من اقتصاد مضطرب منذ أكثر من عقد، يبقى المودع الطرف الأضعف. فهو لا يملك أدوات رقابية مسبقة، ولا ضمانًا لاستعادة أمواله عند التعثر، ولا طريقًا سريعًا سوى القضاء، رغم أنه يعتبر - من حيث المبدأ - جزءًا من المشكلة، لتجاهله التحذيرات الرسمية بشأن تجنب فتح حسابات لدى شركات الصرافة وإيداع الودائع المالية فيها، وضرورة اللجوء للبنوك المخولة بتقديم هذا النوع من الخدمات المصرفية. 


صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا