التحليلات

كيف كشف تصويت أممي ارتباك السياسة المناخية اليمنية؟

قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الجلسة التي اعتمدت مشروع القرار A/80/L.65 بشأن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول التزامات الدول في مواجهة تغير المناخ، 20 مايو 2026. صوّتت اليمن ضمن ثماني دول ضد القرار. (UN Web TV / لقطة شاشة بواسطة مركز

آخر تحديث في: 04-06-2026 الساعة 8 صباحاً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | زاهر بن الشيخ أبوبكر 


في 20 مايو 2026، أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في النقاش الدولي حول المناخ، حين اعتمدت مشروع القرار A/80/L.65 بشأن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول التزامات الدول في مواجهة تغير المناخ. حصل القرار على تأييد واسع من 141 دولة، مقابل معارضة ثماني دول فقط، وامتناع 28 دولة عن التصويت. وبين الدول الثماني التي عارضت النص، ظهر اسم اليمن إلى جانب الولايات المتحدة والسعودية وروسيا وإيران وإسرائيل وبيلاروسيا وليبيريا، في موقف أثار تساؤلات متعددة.


لم يكن القرار الأممي مجرد نص سياسي جديد يضاف إلى أرشيف الأمم المتحدة. فقد جاء امتدادًا للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 23 يوليو 2025، والذي أوضح أن حماية النظام المناخي لم تعد مسألة دبلوماسية اختيارية، بل ترتبط بالتزامات قانونية قائمة بموجب المعاهدات والقانون الدولي وحقوق الإنسان. وبموجب القرار، رحبت الجمعية العامة بهذا الرأي، ودعت الدول إلى الامتثال لالتزاماتها المتعلقة بحماية النظام المناخي والبيئة من انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري، كما طلبت من الأمين العام للأمم المتحدة إعداد تقرير لاحق حول سبل تعزيز الامتثال لهذه الالتزامات.


تبدأ المفارقة اليمنية من هنا. فاليمن لا تنتمي إلى الدول الصناعية الكبرى، ولا تتحمل مسؤولية تُذكر في حجم الانبعاثات العالمية، لكنها في المقابل واحدة من أكثر الدول هشاشة أمام آثار تغير المناخ. البلاد تواجه بصورة متزايدة موجات من الجفاف والفيضانات والسيول، وتراجعًا في الموارد المائية، وتدهورًا في الأراضي الزراعية، واضطرابًا في المواسم المطرية، في وقت يعتمد فيه جزء واسع من السكان على الزراعة والموارد الطبيعية الهشة. ومع الحرب الممتدة والانقسام المؤسسي والتدهور الاقتصادي، تصبح كل صدمة مناخية أكثر كلفة، وكل كارثة طبيعية أكثر قدرة على دفع الأسر الضعيفة نحو الفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل.



لوحة تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع القرار A/80/L.65 بشأن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول التزامات الدول في مواجهة تغير المناخ، 20 مايو 2026. صوّتت اليمن ضمن ثماني دول ضد القرار. (UN Web TV / لقطة شاشة بواسطة مركز سوث24)


من الناحية النظرية، تبدو اليمن من بين الدول التي يفترض أن تجد في مسارات العدالة المناخية فرصة سياسية وقانونية وأخلاقية لتعزيز مطالبها بالتمويل والتكيف والتعويض عن الخسائر والأضرار. فالبلد الذي يواجه كلفة أزمة لم يسهم عمليًا في صناعتها يحتاج إلى أدوات إضافية للدفاع عن مجتمعاته المتضررة، لا إلى الظهور في موقع الرافض لمسار دولي يوسّع النقاش حول المساءلة المناخية. ولذلك لا تكمن أهمية التصويت في نتيجته وحدها، بل في التناقض الذي كشفه بين واقع اليمن المناخي وموقعه الدبلوماسي داخل لحظة دولية يتزايد فيها وزن القانون في إدارة قضية المناخ.


لا يعني ذلك أن معارضة القرار تخلو بالضرورة من حسابات قانونية أو سياسية. فالولايات المتحدة والسعودية، وهما من أبرز الدول التي عارضت النص، قدمتا ملاحظات تتعلق بما اعتبرتاه توسيعًا للالتزامات القانونية خارج الإطار المتفق عليه في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاق باريس. وقد حذرت الرياض من أن القرار قد يعطي انطباعًا بوجود التزامات جديدة تتجاوز ما تم الاتفاق عليه جماعيًا، بينما رأت واشنطن أن النص يمنح الرأي الاستشاري غير الملزم لمحكمة العدل الدولية وزنًا قانونيًا وتشغيليًا مبالغًا فيه، وقد يتداخل مع الحقوق السيادية للدول في إدارة سياساتها المتعلقة بالطاقة.


لكن ما قد يبدو مفهومًا ضمن حسابات دول كبرى أو منتجة للطاقة يصبح أكثر إرباكًا حين يصدر عن بلد مثل اليمن. فاليمن ليست في موقع الدولة التي تخشى أن تتحمل مسؤولية تاريخية كبرى عن الانبعاثات، وليست صاحبة قدرة تفاوضية كبيرة داخل أسواق الطاقة العالمية. هي، قبل كل شيء، دولة متضررة، تواجه تداخلًا قاسيًا بين الحرب والمناخ والفقر وانهيار الخدمات. ومن ثم فإن اصطفافها مع الكتلة الرافضة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل صيغ الموقف اليمني بناءً على قراءة وطنية واضحة لمصالح البلاد المناخية، أم أنه جاء امتدادًا لحسابات دبلوماسية وسياسية أوسع لا يحتل فيها المناخ موقعًا متقدمًا؟


يزداد هذا السؤال أهمية لأن اليمن نفسها ظهرت خلال السنوات الأخيرة ضمن مسارات دولية تسعى إلى جذب التمويل المناخي للدول الهشة والمتأثرة بالصراعات. ففي قمة المناخ COP29، تحركت مجموعة من الدول المتأثرة بالنزاعات، بينها اليمن، للمطالبة بزيادة التمويل المخصص لمواجهة أزمات المناخ والأمن، والدفع باتجاه موارد أكبر لمساعدة المجتمعات التي تتداخل لديها آثار الحرب مع الكوارث الطبيعية. كما أن اليمن مدرجة في مسارات صندوق المناخ الأخضر، من خلال برامج مرتبطة ببناء القدرات، وخطة التكيف الوطنية، واستراتيجية التنمية منخفضة الانبعاثات، وأنظمة القياس والإبلاغ والتحقق الخاصة بالتمويل والدعم المناخي. هذه المؤشرات تعني أن اليمن تتحرك تقنيًا وتمويليًا بوصفها دولة تحتاج إلى الدعم المناخي، لكنها ظهرت سياسيًا في هذا التصويت ضمن معسكر يعترض على منح العدالة المناخية قوة قانونية وسياسية إضافية.


هذه الازدواجية هي جوهر الإشكال. فاليمن، في مسارات التمويل، تريد أن تُقرأ كدولة هشة تستحق الدعم والتكيف وتعويض الخسائر؛ لكنها في لحظة قانونية مهمة بدت وكأنها تتحفظ على مسار يمنح الدول المتضررة أدوات إضافية للمطالبة بالإنصاف. وبين الحاجتين، تضيع الضحية اليمنية: المزارع الذي يفقد محصوله بسبب اضطراب الأمطار، والأسرة التي تتضرر من السيول، وسكان المناطق الساحلية المعرضون للمخاطر، والمجتمعات الريفية التي تواجه شح المياه وتراجع سبل العيش.


لا تعيش هذه الفئات العدالة المناخية بوصفها مفهومًا قانونيًا مجردًا. بالنسبة إليها، المناخ يعني ماءً أقل، وغذاءً أغلى، وأرضًا أقل خصوبة، وسكنًا أكثر عرضة للانهيار، وفرصًا أضعف للتعافي. وحين تتحرك المواقف الرسمية داخل الأمم المتحدة بلغة السيادة والالتزامات والنصوص القانونية، يبقى ملايين اليمنيين في مواجهة يومية مع نتائج التغير المناخي دون أن يكون لهم حضور فعلي في صياغة الموقف الوطني. وهنا تظهر الفجوة بين الدولة والضحايا: الدولة تصوّت، لكن المتضررين هم من يدفعون الثمن.


لقد أصبح المناخ ملفًا جيوسياسيًا بامتياز، ولم يعد مجرد قضية بيئية هامشية. الدول تتنافس اليوم على التمويل الأخضر، وصناديق التكيف، وبرامج الطاقة المتجددة، وتعويضات الخسائر والأضرار، وموقعها داخل اقتصاد عالمي يعيد تعريف التنمية من زاوية الاستدامة. وبالنسبة لدولة منهكة مثل اليمن، فإن غياب رؤية واضحة في هذا المجال لا يعني فقط خسارة فرصة خطابية داخل الأمم المتحدة، بل قد يعني خسارة فرص مستقبلية في التمويل وبناء القدرات وحماية المجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر.


الأزمة هنا لا تتعلق بتصويت واحد، بل بغياب سياسة مناخية وطنية متماسكة وقادرة على الفصل بين الحسابات السياسية الآنية والمصالح التنموية طويلة المدى. تحتاج اليمن إلى مقاربة تتجاوز التعامل الموسمي مع الكوارث، وتتعامل مع المناخ كعامل مؤثر في الأمن الغذائي والمائي، وفي الاستقرار الاجتماعي، وفي إعادة بناء الاقتصاد. كما تحتاج إلى إشراك الخبراء والباحثين والسلطات المحلية والمجتمعات المتضررة في صياغة مواقفها الدولية، حتى لا يبقى الملف المناخي حكرًا على تقديرات دبلوماسية ضيقة قد لا تعكس احتياجات الناس على الأرض.


لا يمكن لليمن أن تطالب العالم بتمويل التكيف والخسائر والأضرار، ثم تبدو مترددة أو معارضة لمسارات تعزز الاعتراف القانوني والسياسي بمسؤولية الدول عن حماية المناخ. كما لا يمكن أن تستمر في تقديم نفسها كبلد هش ومتضرر، من دون أن تطور خطابًا واضحًا يدافع عن حق ضحايا الكوارث المناخية في العدالة البيئية. فالقضية ليست ترفًا حقوقيًا، ولا بندًا إضافيًا في أجندة التنمية، بل جزء من معركة اليمنيين اليومية من أجل البقاء.


يبقى السؤال الأهم: من يدافع عن ضحايا الكوارث المناخية في اليمن إذا لم تفعل الدولة ذلك داخل المنابر الدولية؟ إن العدالة المناخية لا تخص الدول الجزرية وحدها، ولا الدول النامية الكبرى وحدها، بل تخص أيضًا بلدًا مثل اليمن، يدفع ثمن أزمة لم يصنعها، ويواجه آثارها في ظل واحدة من أضعف القدرات المؤسسية والاقتصادية في العالم. ومن دون سياسة مناخية وطنية واضحة، سيظل اليمن حاضرًا في قوائم الهشاشة، لكنه غائبًا أو مرتبكًا في لحظات الدفاع عن حقه؛ وستبقى معاناة الضحايا حاضرة في الواقع، لكنها ناقصة التمثيل في القرار.


زاهر بن الشيخ أبوبكر 

صحفي وباحث في قضايا الاتصال والتنمية والتغير المناخي

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا