صورة الغلاف، تم تصميمها بمساعدة AI
آخر تحديث في: 15-07-2026 الساعة 1 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | ورقة تحليلية
شكّلت التطورات العسكرية التي شهدتها محافظة حضرموت مطلع عام 2026، نقطة تحول في المشهد الأمني بجنوب اليمن، بعدما تزامنت مع تدخل عسكري سعودي تمثل في تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية استهدفت مواقع القوات الجنوبية التي كانت تتولى تأمين المحافظة. وفي أعقاب هذه التطورات، برزت مؤشرات واضحة على عودة نشاط الجماعات المتطرفة، بدءاً من حضرموت قبل أن تمتد مظاهر هذا النشاط إلى عدد من المحافظات الجنوبية الأخرى. ويأتي ذلك بعد سنوات نجحت خلالها القوات الجنوبية في الحد من تحركات تلك الجماعات، وتقليص نشاطها العملياتي، بما أسهم في إيجاد مستوى من الاستقرار الأمني النسبي. ويثير هذا التزامن تساؤلات حول العلاقة بين التحولات العسكرية والأمنية الأخيرة وبين إعادة تشكل بيئة سمحت للجماعات المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب باستعادة قدرته على الحركة وتوسيع نطاق نشاطه مجدداً. فضلاً عما وفره هذا الفراغ من حوافز ميدانية لجماعة الحوثي لتنشيط أدائها وتصعيد ضغوطها على بعض الجبهات.
في ضوء ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تتبع مسارات تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة في جنوب اليمن بعد أحداث حضرموت، وتحليل العلاقة بين التحولات العسكرية والأمنية الأخيرة وإعادة تشكل التهديد الإرهابي، واستشراف الاتجاهات المحتملة لهذا النشاط وانعكاساته على الاستقرار المحلي والإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
تبعات تراجع الاهتمام بملف الإرهاب في اليمن
ظل ملف مكافحة الإرهاب أحد المحددات الرئيسية للسياسة الأمريكية في اليمن، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً ملحوظاً في طبيعة هذا الانخراط؛ إذ تراجع النشاط الأمريكي المباشر منذ عام 2019، سواء على مستوى الضربات الجوية أو العمليات الميدانية، بالتوازي مع تصاعد أدوار الشركاء الإقليميين، وفي مقدمتهم الإمارات العربية المتحدة، التي برز دورها في جمع المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ أنشطة الرصد والاستطلاع والعمليات على الأرض مع شركائها المحليين من الجنوبيين، إلى جانب المشاركة في استهداف عناصر تنظيم القاعدة في حضرموت ومأرب وشبوة وأبين.
وقد تعرض تنظيم القاعدة خلال السنوات الماضية منذ بدء الصراع في اليمن 2015، لضغوط أمنية وعسكرية مكثفة أدت إلى مقتل واستهداف عدد كبير من قيادات الصفين الأول والثاني، وهو ما أضعف بنيته القيادية وحدّ من قدرته على التخطيط وإدارة عملياته الداخلية والخارجية. كما انعكس هذا التراجع على قدرته في إدارة خلافاته مع تنظيم "داعش"، التي تطورت في بعض المناطق إلى مواجهات مسلحة بين الطرفين. ومع ذلك، لم تقد هذه الضغوط إلى تفكيك تنظيم القاعدة بصورة كاملة، إذ حافظ على شبكات محلية وخلايا كامنة مكّنته من الاحتفاظ بقدر من المرونة التنظيمية، واستعادة جزء من نشاطه كلما أوجدت التحولات الأمنية والسياسية بيئة محفّزة لإعادة التموضع وإعادة تنشيط عملياته. وفي المقابل، استمر ظهور عناصر تنظيم "داعش" أيضاً في بعض مناطق انتشاره، ولا سيما في منطقة قيفة بمديرية رداع في محافظة البيضاء، حيث وثقت تقارير ومشاهدات ميدانية ظهورهم العلني في مناسبات اجتماعية، مثل التجمعات والأعراس والفعاليات الدينية، إضافة إلى رصد تحركات لهم في مناطق قريبة من خطوط التماس مع الحوثيين، مع عدم وجود تفسير عن مدى فاعلية الإجراءات المتخذة للحد من نشاط التنظيم في تلك المناطق.
وتزامنت هذه الديناميكيات الميدانية المقلقة مع تحول لافت في الاستراتيجية الدولية؛ فبرغم الإشادات الأمريكية السابقة بقدرة القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على أداء دور مكافحة الإرهاب، إلا أن دور واشنطن الإعلامي والسياسي انخفض في السنوات الأخيرة مقارنة باهتمامها بالملف خلال الحربين في أفغانستان والعراق. كما أن وتيرة الضربات الأمريكية في اليمن ربما تكون تباطأت أو دخلت مرحلة توقف طويلة، وهو ما قد يمنح هذه التنظيمات المساحة المناسبة لاستغلال مرونتها الهيكلية وإعادة ترتيب صفوفها. ومع ذلك، حتى الآن لم تعلن الولايات المتحدة رسمياً تحقيق أهدافها أو إنهاء الحرب على الإرهاب، كما لم تتخل علناً عن تلك الأهداف.
علاوة على ذلك، يواجه ملف مكافحة الإرهاب تراجعاً ملحوظاً في ظل غياب التنسيق الفاعل داخل مجلس القيادة الرئاسي؛ لاسيما بعد غياب اللواء عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عن المشهد، والذي كان يقود هذه الجهود بالتنسيق المباشر مع الحلفاء الإماراتيين. هذا الفراغ يمنح الجماعات المتطرفة فرصة حقيقية لإعادة ترتيب ذاتها، كما أن استمرار الانقسامات داخل معسكر الحكومة المعترف بها يصب في مصلحة التنظيمات الإرهابية أو تلك المصنفة على قوائم الإرهاب كجماعة الحوثية، التي تتحيّن فرص التمدد في مناطق أخرى، خاصة بعد إعلانها مؤخراً التعبئة العامة ورفع جهوزيتها الكاملة والفورية لرفد جبهات القتال وإسناد قواتها بالمقاتلين. لذا، فإن استمرار الوضع الراهن لا يهدد أمن اليمن واستقراره فحسب، بل يمتد ليشكل خطراً كبيراً على الأمن الإقليمي، وسلامة خطوط إمداد الطاقة، وحركة التجارة العالمية، خاصة وأن منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب تحولت إلى ساحة اختبار حقيقية لارتدادات الأزمة الداخلية في جنوب اليمن.
إعادة تموضع الجماعات الإرهابية
منذ مطلع عام 2026، شهد نشاط الجماعات "الإرهابية" تصاعداً كبيراً واتجاهاً أكثر تنظيماً، في إطار سعيها لإعادة التموضع واستغلال حالة الانشغال التي فرضتها التطورات العسكرية والسياسية بعد أحداث حضرموت، بما أتاح لها توسيع هامش حركتها وإعادة تنشيط عملياتها في عدد من المناطق. كما أن نشاط هذه الجماعات جاء نتاجاً لعدد من المتغيرات أهمها الانشغال العسكري بين القوى المناهضة للحوثيين، وإعادة توزيع القوات في عدد من المحافظات، وما نتج عن ذلك من ثغرات واضحة أسهمت في إضعاف التنسيق الأمني والعسكري، وهو الأمر الذي وفر للتنظيم مساحة أكبر للحركة، سواء عبر إعادة تنشيط خلاياه أو تنفيذ عمليات تهدف إلى إثبات وجوده واستعادة زخمه.
ويمكن رصد هذا التحول من خلال عدد من الاتجاهات الرئيسية، من أبرزها:
1. الانتشار الجغرافي ونهب السلاح:
شكلت التحولات العسكرية التي شهدتها حضرموت، نقطة تحول أمني حرجة، تمخضت سريعاً عن فوضى ميدانية استغلتها أطراف محلية. وكشفت وقائع 4 يناير 2026 في المكلا ومحيط مطار الريان الدولي عن عمق هذا الفراغ، بعد أن تعرضت معسكرات ومخازن أسلحة لعمليات نهب واسعة، انخرطت فيها مجاميع قبلية إلى جانب مسلحين قادمين من محافظة مأرب يعتقد انتماؤهم لتنظيم القاعدة، مما أدى إلى تسرب كميات هائلة من السلاح والمعدات العسكرية لجهات غير نظامية. ولعل الخطر الأكبر في هذا الأمر لا يكمن فقط في انتشار السلاح، بل في توقيت وفرص حركة الجماعات المتطرفة؛ إذ أظهرت هذه التنظيمات مرونة واضحة في محاولة استغلال الواقع الجديد لاسيما بعد انكفاء القوات الجنوبية وتخلخل توازناتها إثر التدخل الجوي السعودي.
وبالمثل، فقد وثقت مصادر ميدانية خاصة لمركز سوث24، رصداً لتحركات علنية متزامنة لم تقتصر على بعض مناطق وادي حضرموت فحسب، بل امتدت لتشمل مديريات استراتيجية في محافظة شبوة، كجبال مذاب بالمصينعة، ووادي خورة، والروضة، وعزان، وصولاً إلى مديرية حطيب المحاذية لمحافظة أبين. إذ يبدو أن هذه الجماعات تراهن على انشغال الأطراف العسكرية بإعادة ترتيب صفوفها، لتصنع لنفسها موطئ قدم جديد يستبق أي استقرار قادم، محاولة بذلك كسر حالة التراجع التي فرضت عليها طيلة السنوات الماضية في مناطق جنوب اليمن. ولم تقف حدود هذه المخاوف عند النطاق الجغرافي التقليدي لنشاط التنظيم، بل تعدتها لتكشف عن ملامح ترابط شبكي يمتد إلى محافظة المهرة الاستراتيجية. وتجلى ذلك بوضوح في حادثة استهداف طائرة مسيّرة، خلال شهر يناير، لعنصر يحمل الجنسية الصومالية ويُشتبه في ارتباطه بـ "حركة الشباب" الصومالية. وهو تطور يعيد كتابة سيناريو قديم بأدوات أشد خطورة، لاسيما وأنه يسلّط الضوء مجدداً على جاهزية المناطق الساحلية والصحراوية المفتوحة في الجنوب للتحول إلى ممرات خلفية لشبكات عابرة للحدود.
2. تصاعد العمليات الإرهابية من حيث العدد والنوعية:
في مؤشر مبكر على تصاعد التهديدات، دُشنت أولى العمليات العدائية ضد القوات الجنوبية المرابطة في منطقة العبر بوادي حضرموت، عقب بسط سيطرتها عليه في ديسمبر 2025، عبر هجوم إرهابي نُفذ بواسطة طائرة مسيّرة استهدف بشكل مباشر مواقعها الحيوية هناك. كما برزت إحدى أخطر تجليات نشاط الخلايا الإرهابية في عدن، من خلال استهداف موكب قائد اللواء الثاني في ألوية العمالقة الجنوبية، العميد حمدي شكري، في عملية أدت إلى إصابته، ومقتل أربعة من مرافقيه، إضافة إلى إصابة خمسة آخرين.
لم تكتف الجماعات الإرهابية باستهداف القوى العسكرية والأمنية، بل حتى شخصيات فاعلة في المجتمع المدني، عندما تم استهداف القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد. والتي كشفت اعترافات لأحد المتهمين في العملية، إلى وقوف جماعة الحوثيين وراءها، فضلاً عن تورط أشخاص شاركوا في أعمال اغتيالات سابقة ضمن ما عرف حينها بـ خلية أمجد خالد أو "خلية التربة". كما مثّل اغتيال الصحفي محمد العيظة في 24 يونيو 2026، بعبوة ناسفة في مدينة المكلا بحضرموت، أحد هذه التبعات الأمنية، رغم مرور ستة أشهر من سيطرة القوات الموالية للسعودية على المدينة. إضافة لذلك، رصدت مطلع شهر يونيو، تحركات ميدانية بشأن احتمالية استئناف تنظيم القاعدة لنشاطه العملياتي في محافظة حضرموت، بعد سنوات من التراجع. وتمثل ذلك في ظهور تسجيل مرئي لعناصر ملثمة مسلحة يعتقد انتماؤها للتنظيم، أثناء قيامها بإزالة اللوحات الإعلانية الخاصة بمشروع "دار إيواء المعنفات" بمدينة المكلا.
وقبل ذلك في مايو 2026، برز مؤشر آخر على تصاعد النشاط العسكري في مناطق انتشار الجماعات المتطرفة، تمثل في إسقاط طائرة أمريكية مسيّرة من طراز (MQ-9 Reaper) في منطقة صحراوية بوادي عبيدة شرق مدينة مأرب. وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن إسقاط الطائرة، مؤكدين أنها كانت تنفذ ما وصفوه بـ"مهام عدائية". هذا الأمر بطبيعة الحال، يعكس نوعاً من تقاطع المصالح الميدانية بين الحوثيين وتنظيم القاعدة، حيث تؤدي الإجراءات التي تستهدف تقليص الضغوط العسكرية والاستخباراتية على الجماعات المتطرفة إلى توفير بيئة ملاءمة لإعادة تموضعها واستعادة جزء من نشاطها العملياتي.
ومع تراجع الضغوط على تنظيم القاعدة، بدأت مؤشرات هذا النشاط تتجلى ميدانياً، حيث شهدت مديرية لودر بمحافظة أبين في يونيو 2026 هجوماً إرهابياً أسفر عن مقتل أحد أفراد قوات الأمن الوطني (الحزام الأمني سابقاً). وتواصل هذا التصعيد في 14 يوليو، عندما شن تنظيم القاعدة هجوماً على مقر أمني في المحافظة باستخدام قذائف RPG والقنابل اليدوية، ما أدى إلى مقتل جنديين من القوات نفسها، بما يعكس استمرار التنظيم في استهداف المؤسسات الأمنية ومحاولة استنزافها وزعزعة الاستقرار في أبين.
ومما يثير الانتباه في ذلك، هو تمركز نشاط التنظيم بصورة رئيسية في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها، في حين يغيب بشكل شبه كامل عن المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي. هذا التباين الجغرافي يعزز فرضيات وجود "تخادم" غير مباشر أو تقاطع مصالح بين الطرفين، أو على الأقل يعكس أولويات ميدانية تدفع التنظيم إلى تحييد مناطق سيطرة الحوثيين، وتركيز عملياته في المقابل على العمق الاستراتيجي للقوى المناهضة لهم وبالذات في المناطق الجنوبية، مستغلاً حالة التوتر البيني داخل معسكر الحكومة.
3. إعادة تنشيط الخطاب الدعائي والتجنيد:
لم تنفصل التحركات الميدانية الأخيرة للجماعات المتطرفة عن مساعيها الحثيثة لإعادة بناء حاضنتها الفكرية وتعبئة صفوفها؛ إذ شهد الخطاب الإعلامي لتنظيم "القاعدة" عقب سيطرت القوات الجنوبية المسلحة على حضرموت ومن ثم تراجعها بعد الضربات السعودية الجوية، ديناميكية جديدة هدفت إلى استثمار حالة السيولة الأمنية. إذ برز تسجيل صوتي نُسب إلى القيادي في التنظيم، المدعو "أبي البراء الصنعاني"، حمل موجهّات صريحة تدعو إلى تكثيف الاستهداف المباشر للقوات الجنوبية، مؤطراً هذه الدعوة كـ "امتداد لمعركة وجودية مستمرة". ويأتي هذا الخطاب كمحاولة تكتيكية واضحة لتحفيز الخلايا النائمة، وتوجيه حركتها ميدانياً بما يتواكب مع المتغيرات العسكرية الجديدة.
كما أنّ تطابق هذا المسار الدعائي مع الخطاب العام الذي تبناه زعيم التنظيم، "سعد عاطف العولقي"، والذي سارع لتوظيف التطورات الميدانية في حضرموت، وهو يصف خروج القوات الجنوبية والإماراتية من أجزاء في حضرموت بأنه "كسرٌ للأصنام"، يبرهن على أن مثل هذه الرسائل المتزامنة لا تحرك التنظيم عملياتياً فحسب، بل تعمل بالتوازي على ترميم "بنيته الدعائية" التي تضررت خلال سنوات الانكفاء الماضية، من خلال فرض هويته الأيديولوجية من جديد في مناطق النفوذ المستهدفة.
4. التنسيق بين شبكات التهريب البحرية
شهدت السنتين الأخيرة تطوراً نوعياً في العلاقة والتعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، إذ لم يعد التعاون مقتصراً على شبكات التهريب التقليدية، بل توسع ليشمل تبادل الأسلحة والتدريب والخبرات العسكرية واللوجستية. وقد وثقت الأمم المتحدة خلال عام 2025 تصاعداً في مستوى التنسيق بين الجانبين، حيث يقدم الحوثيون أسلحة ومهارات عسكرية متطورة مقابل حصولهم على خدمات مرتبطة بشبكات التهريب والقرصنة التي تمتلك حركة الشباب نفوذاً واسعاً عليها في القرن الأفريقي وخليج عدن.
وأمام هذا التهديد العابر للحدود، تبرز الأهمية الاستراتيجية لساحل حضرموت؛ إذ مثّل ملف مكافحة التهريب عبر الشريط الساحلي لبحر العرب الركيزة الأساسية لمبررات القوات الجنوبية المسلحة بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي في سعيها لإحكام نفوذها هناك، بالنظر إلى استفادة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها حركة الشباب من هذه الممرات البحرية. وتكاملت هذه الخطوة مع استراتيجية تهدف إلى محاصرة انتشار الخلايا المتطرفة ومنع تمددها في مديريات المحافظة ومناطقها الصحراوية، والتي تشكل بيئة خصبة لتلك الجماعات وتأمين خطوط إمدادها؛ غير أن تحقيق هذه الأهداف بات يواجه معوقات شبه مستحيلة في ظل استبعاد القوات الجنوبية من المشهد الأمني والعسكري هناك.
5. إدراج متهمين بقضايا الإرهاب في صفقات تبادل الأسرى
أثار الاتفاق الذي توصلت إليه الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين، برعاية الأمم المتحدة، للإفراج عن أكثر من 1600 أسيراً ومحتجزاً من الجانبين، موجة من الجدل والاعتراضات والتظاهرات في عدد من مناطق الجنوب، ولا سيما شبوة وردفان، على خلفية اتهامات بإدراج عناصر متهمة أو مدانة في قضايا إرهابية وعمليات اغتيال ضمن قوائم التبادل، ومن بين هؤلاء متهمون بقتل اللواء ثابت جواس، وآخرون متهمون بتفجير موكب محافظ عدن السابق أحمد حامد لملس، إضافة إلى متورطين في سلسلة اغتيالات استهدفت عدداً من الشخصيات السلفية والاجتماعية. وأعادت هذه الاعتراضات تسليط الضوء على المخاطر الأمنية والقانونية المترتبة على خلط ملف أسرى النزاع بملفات الإرهاب، وما قد ينجم عن ذلك من تداعيات على الاستقرار والأمن في الجنوب. خاصة وأن معظم الأسماء المتداولة صدرت بحقها أحكام قضائية أو وُجهت إليها اتهامات في قضايا إرهابية، الأمر الذي يخرجها من نطاق أسرى النزاع ويجعل إدراجها ضمن صفقة التبادل محل إشكال قانوني وأمني. كما أن إعادة تصنيف هؤلاء كـ"أسرى" بقرار سياسي، بهدف تلبية مطالب أحد أطراف التفاوض، من شأنه أن يقوض مبدأ سيادة القانون ويضعف مسار العدالة.
من المهم القول، إن إدراج مثل هذه الحالات ضمن اتفاقات تُبرم برعاية الأمم المتحدة قد يثير تساؤلات حول مدى اتساق هذه الترتيبات مع مبادئ العدالة الانتقالية والقانون الدولي، إذ إن التمييز بين أسرى النزاع والأشخاص المتهمين أو المدانين بجرائم إرهابية يعد شرطًا أساسياً للحفاظ على الطابع الإنساني لعمليات التبادل، ومنع تحولها إلى آلية تمنح مرتكبي الجرائم الخطيرة فرصة للإفلات من المساءلة. وقد عبر العديد من ذوي الضحايا عن رفضهم لإدراج المتهمين في قضايا الإرهاب ضمن صفقات تبادل الأسرى، من خلال تنظيم وقفات احتجاجية طالبت بتنفيذ الأحكام القضائية وعدم إخضاع ملفات الإرهاب للتسويات السياسية. وفي المقابل، تأجل تنفيذ الصفقة التي كان من المقرر إتمامها في 11 يوليو 2026، وسط تبادل الاتهامات بين الحكومة اليمنية والحوثيين بشأن مسؤولية التعثر، في حين برزت الاعتراضات على قوائم التبادل كأحد العوامل التي أثارت جدلاً واسعاً حول الاتفاق.
جردة حساب للمرحلة المقبلة
لا يمكن إخفاء وجود ارتباط وثيق بين تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة وبين كل تحول أو استحقاق سياسي في اليمن؛ إذ إن هذا التزامن الممنهج والمدعوم بشواهد ميدانية خاصة بعد أحداث حضرموت، يعزز فرضية وجود توظيف سياسي وأمني محكم لهذه الجماعات من قبل فاعلين محليين وإقليميين نجحوا في إيجاد قنوات اختراق عميقة داخل بنيتها القيادية والتنفيذية. وتتجاوز مفاعيل هذا الاختراق فكرة الدعم المالي أو اللوجستي التقليدي، لتصل إلى القدرة على توجيه البوصلة العملياتية لهذه الجماعات وتحديد توقيت وجغرافيا ضرباتها. وهذا يعني أن الأخيرة لا تتحرك فقط بناءً على أدبياتها الأيديولوجية الخاصة، بل تعمل كأداة وظيفية يتم تحريكها لإرباك المشهد عند حدوث أي تحول في موازين القوى على الأرض، أو لإعادة صياغة الخارطة الأمنية في المحافظات المستهدفة بما يخدم مصالح الأطراف المخترِقة لها.
وتبعاً لذلك، من المهم التعامل مع المنعطف الحالي لملف الإرهاب بتدابير استراتيجية عاجلة لحماية إنجازات المرحلة الماضية التي حققتها القوات الجنوبية. إذ لم تعد التهديدات تقتصر على استهداف القيادات العسكرية والأمنية فحسب، بل باتت المنشآت الحيوية والسيادية لاسيما قطاعي "النفط والغاز" في مرمى الاستهداف المباشر. وما يرفع مؤشر الخطر هو التطور التقني والعملياتي الذي أحرزته هذه الجماعات، متمثلاً في إدخال الطائرات المسيرة ونظم الرصد الحراري الليلي في عملياتها. فضلاً عن أنّ هذا التحول يعرض أمن الممرات المائية الحيوية للخطر، مستفيداً من الأدوات الحديثة والتمركز الميداني طويل الأمد لهذه الجماعات على الشريط الساحلي الممتد بين خليج عدن وبحر العرب.
يستدعي غياب النموذج العملياتي المدعوم إماراتياً التفكير في بناء مقاربة تجمع بين الكفاءة الاستخباراتية، والإسناد العسكري، والأمن المحلي، استناداً إلى تجربة القوات الجنوبية السابقة. وفي ظل المتغيرات الراهنة المتمثلة في قيادة الاستراتيجية الأمنية من قبل السعودية منذ مطلع 2026، يصبح من الضروري مراجعة الخيارات الميدانية والاعتماد على القوات المحلية ذات الخبرة كركيزة أساسية في بنية مكافحة الإرهاب. إذ إن إشراك تشكيلات سلفية تفتقر إلى الكفاءة الميدانية في مواجهة تنظيمات تمتلك عقوداً من الخبرة في حروب العصابات والتجنيد والتمويه، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مما يجعل الاستثمار في القوات الجنوبية المؤهلة الخيار الأكثر واقعية لحماية الاستقرار.
نتائج وتوصيات
في المحصلة، تكشف المعطيات الراهنة أن تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة في جنوب اليمن خلال عام 2026، ارتبط بالتحولات العسكرية والأمنية التي أعقبت أحداث حضرموت، وما نتج عنها من فراغات أمنية وتراجع في التنسيق بين القوى المناهضة للحوثيين، خاصة بعد إقصاء المجلس الانتقالي الجنوبي من المشهد السياسي والأمني. وقد أتاحت هذه البيئة للتنظيمات إعادة التموضع، وتوسيع نشاطها العملياتي والدعائي، وتعزيز ارتباطها بشبكات التهريب العابرة للحدود، بما يرفع مستوى التهديد للأمن المحلي والإقليمي. وفي المقابل، أظهرت التطورات الأخيرة أن المخاطر لم تعد تقتصر على إعادة تنشيط الجماعات المتطرفة ميدانياً، بل امتدت إلى مسارات التفاوض السياسي، ولا سيما مع الجدل الذي رافق إدراج متهمين في قضايا إرهابية ضمن صفقات تبادل الأسرى. ومن شأن مثل هذه الترتيبات، إذا تمت، أن توفر فرصة لإعادة تدوير عناصر متورطة في أعمال إرهابية، وتفاقم التهديدات التي تواجه جنوب اليمن.
وعليه، فإن استمرار الانقسامات الداخلية، وغياب استراتيجية متماسكة لمكافحة الإرهاب، وإضعاف القوى المحلية التي راكمت خبرة ميدانية في مواجهة التنظيمات المتطرفة، إلى جانب تسييس بعض الملفات الأمنية الحساسة، سيمنح هذه الجماعات فرصاً إضافية لاستعادة نفوذها. ومن ثم، فإن استعادة التنسيق الأمني، ودعم القدرات المحلية الجنوبية، والفصل بين ملفات الإرهاب وأسرى النزاع في أي ترتيبات سياسية، تمثل جميعها متطلبات أساسية للحفاظ على الاستقرار ومنع تحول جنوب اليمن مجدداً إلى بيئة جاذبة للتنظيمات المتطرفة.
حمّل وتصفح كامل الورقة:
قبل 3 أشهر
قبل 29 يوم