منشأة نفطية تابعة لشركة بترومسيلة في محافظة حضرموت، جنوب اليمن (إعلام محلي)
29-07-2026 الساعة 12 صباحاً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
أعاد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، في 20 يوليو 2026، استئناف تصدير النفط، الذي تتركز حقوله وموانئه الرئيسية في جنوب اليمن، ملف الموارد السيادية إلى صدارة المشهد السياسي والاقتصادي، بعد قرابة أربع سنوات من توقف أحد أهم مصادر العملة الأجنبية والإيرادات العامة للحكومة المعترف بها دوليًا.
وتعهد العليمي بتوجيه عائدات النفط إلى صرف الرواتب وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي وخدمة اليمنيين في مختلف أنحاء البلاد، رابطًا الخطوة بإنهاء ما وصفه بابتزاز الحوثيين واستعادة الدولة حقها في إدارة مواردها.
وانتقل الإعلان لاحقًا إلى مرحلة الترتيبات التنفيذية؛ إذ عقدت اللجنة العليا لتسويق النفط الخام، في 21 يوليو، اجتماعًا برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، لمناقشة الإجراءات الفنية والإدارية واللوجستية اللازمة لاستئناف التصدير. كما أعلنت وزارة النفط وجود أكثر من 1.7 مليون برميل من الخام جاهزة للشحن، وتوجيه الشركات المنتجة إلى رفع الإنتاج تدريجيًا وإعادة تفعيل عدد من القطاعات النفطية المتوقفة.
ومع ذلك، لم تعلن الحكومة حتى الآن بدء تدفق منتظم للصادرات، فيما تواجه العملية تحديات أمنية ولوجستية معقدة، تتعلق بحماية الموانئ والمنشآت وخطوط الأنابيب، وضمان وصول الناقلات، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وجاء الإعلان في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، بالتزامن مع إعلان الحوثيين فرض حظر بحري على السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، واستهداف ناقلات ومنشآت نفطية في المملكة، وتحويل بعض السفن مساراتها بعيدًا عن باب المندب، إلى جانب تنفيذ السعودية ضربات جوية على مواقع خاضعة لسيطرة الحوثيين في محافظة الحديدة.
ويمنح تزامن الإعلان مع التصعيد السعودي–الحوثي الخطوة أكثر من دلالة محتملة. فمن جهة، يمكن قراءتها باعتبارها محاولة حكومية، مدعومة إقليميًا، لكسر المعادلة التي فرضها الحوثيون منذ استهداف موانئ التصدير في أواخر 2022، واستعادة مورد سيادي حرم توقفه الحكومة من مليارات الدولارات، وعمّق أزمات الرواتب والخدمات والعملة.
ومن جهة أخرى، يثير حديث العليمي عن توجيه العائدات لخدمة اليمنيين في جميع المناطق تساؤلات بشأن احتمال ارتباط استئناف التصدير بترتيبات اقتصادية أوسع تتصل بخارطة الطريق، وصرف الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين، وإدارة الموارد وتوزيع عائداتها.
وتتصل بهذه التساؤلات خلافات أخرى لا تقل تعقيدًا بشأن الجهة التي ستدير الإيرادات، والضمانات الأمنية اللازمة لاستمرار التصدير، وحصة المحافظات المنتجة، ومدى مشاركة القوى الجنوبية في القرارات المتعلقة بنفط حضرموت وشبوة، ما يجعل الإعلان مفتوحًا على دلالات وسيناريوهات عدة يناقشها هذا التقرير.
الدلالات
قال المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي إن مجريات الأحداث في المنطقة، ولا سيما التحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى تمرير ما يُعرف بـ«خارطة الطريق»، تشير، من وجهة نظر المجلس، إلى أن استئناف تصدير النفط يأتي في إطار هذه التفاهمات.
وأضاف التميمي لمركز سوث24 أن ما يعزز هذا الاستنتاج هو أن إعلان العليمي جاء عقب تهديد الحوثيين باستهداف حركة النقل البحري من وإلى السعودية ما لم تُنفذ بنود خارطة الطريق، وفي مقدمتها، بحسب تعبيره، تمكين الجماعة من الحصول على النسبة الأكبر من عائدات النفط.
ويتفق الصحفي والمحلل السياسي صلاح السقلدي مع التميمي في ربط الإعلان بالسياق الإقليمي، إذ يرى أن القرار يرتبط بالتطورات الخارجية بقدر ارتباطه بالحاجة الاقتصادية الداخلية، مرجحًا أن تكون السعودية قد دفعت باتجاهه.
وقال السقلدي لمركز سوث24 إن الرياض تواجه تحديات إقليمية وأخرى مرتبطة بالملف اليمني، ولا سيما بعد إعلان الحوثيين حظر الملاحة السعودية عبر باب المندب، معتبرًا أنها ربما أوعزت للرئاسة اليمنية بالمضي في استئناف التصدير ضمن تفاهمات تفتح الباب أمام معالجة الملفات الاقتصادية، بما فيها توزيع العائدات وصرف الرواتب، وهو ما أشار إليه العليمي في بيانه.
وأشار إلى أن الحكومة، من وجهة نظره، لا تستطيع ضمان استمرار التصدير دون تفاهمات مع الحوثيين، موضحًا أنه لو كانت قادرة على ذلك بقرار منفرد لما استمر توقف الصادرات طوال السنوات الماضية، خصوصًا في ظل الأزمة المالية التي تعانيها.
وأضاف السقلدي أن الإعلان يمثل، في تقديره، رسالة سعودية أكثر من كونه رسالة يمنية داخلية، لأن تصدير النفط يرتبط بالجانب الأمني أكثر من القرار السياسي. وقال إن شركات النفط لن تغامر بإرسال ناقلاتها إلى الموانئ اليمنية، ولا سيما موانئ حضرموت، في ظل استمرار المخاطر وارتفاع تكاليف التأمين.
وأكد أن الحاجة اليمنية إلى استئناف التصدير تظل قائمة في ظل التدهور الاقتصادي في مختلف المحافظات، إلا أن تنفيذ الخطوة واستمرارها يبقيان، بحسب تقديره، مرتبطين بالتفاهمات الإقليمية والضمانات الأمنية.
في المقابل، يرى المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية فارس النجار أن إعلان استئناف تصدير النفط لا ينبغي النظر إليه بوصفه رد فعل آنيًا على التصعيد الأخير، بل يمثل انتقال الدولة من مرحلة إدارة آثار استهداف الحوثيين للمنشآت النفطية إلى مرحلة استعادة حقها السيادي في تصدير موارد البلاد.
وقال النجار لمركز سوث24 إن استمرار توقف الصادرات منذ عام 2022 لم يعد مقبولًا من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، في ظل ما ترتب عليه من حرمان الخزينة العامة من أحد أهم مواردها، وتأخر صرف الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الضغوط على العملة والاقتصاد الوطني.
واعتبر أن استئناف التصدير أصبح ضرورة وطنية لتمكين الدولة من استعادة مواردها والوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.
وفي الوقت ذاته، قال النجار إنه لا يمكن فصل القرار عن المتغيرات الإقليمية والدولية، لافتًا إلى أن إعادة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وتصاعد المواجهة مع إيران وأذرعها في المنطقة، واتساع الإدراك الدولي لخطورة تهديدات الجماعة للملاحة الدولية والتجارة وأمن الطاقة، كلها عوامل أسهمت، بحسب رأيه، في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لاستئناف تصدير النفط.
وأضاف أن المجتمع الدولي لم يعد يركز فقط على احتواء هذه الجماعات سياسيًا كما كان في مراحل سابقة، وإنما يتجه بصورة متزايدة إلى تقليص نفوذها وتجفيف مصادر قوتها والحد من قدرتها على تهديد أمن المنطقة والسلم الدولي.
وبحسب النجار، يجمع القرار بين ضرورة اقتصادية وسيادية داخلية، وفرصة إقليمية ودولية مواتية لاستعادة الدولة حقها في إدارة مواردها وإنهاء ما وصفه بالابتزاز الحوثي.
السيناريوهات
يفتح إعلان استئناف تصدير النفط الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: الاستئناف من دون اتفاق مع الحوثيين
يقوم هذا السيناريو على مضي الحكومة في استئناف التصدير بدعم سعودي وترتيبات أمنية وعسكرية، من دون اتفاق مسبق مع الحوثيين. ويعني ذلك تمسكها بحقها في إدارة الموارد، مع بقاء موانئ التصدير والمنشآت النفطية في حضرموت وشبوة عرضة للاستهداف.
وقال المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي إن الحوثيين يمتلكون القدرة على استهداف الموانئ والمنشآت النفطية، مرجحًا أن يلجؤوا إلى ذلك إذا تعارض استئناف التصدير مع مطالبهم.
وأضاف أن الجنوب والمنطقة يدفعان ثمن ما وصفها بـ«السياسات الكارثية» لبعض القوى الإقليمية التي تدير الملف اليمني، معتبرًا أنها أسهمت في تمكين الحوثيين من بلوغ مستوى يتيح لهم تهديد مصالح المنطقة.
السيناريو الثاني: تفاهم مع الحوثيين لإحياء خارطة الطريق
يقوم السيناريو الثاني على تفاهم يضمن عدم استهداف الموانئ والناقلات، مقابل ترتيبات اقتصادية تتعلق بصرف الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين أو تخصيص جزء من الإيرادات لهذا الغرض.
وقد يضمن هذا المسار موردًا ماليًا أكثر انتظامًا ويحد من مخاطر الهجمات، لكنه قد يثير مواجهة مع المجلس الانتقالي وقوى جنوبية ترفض تحويل نفط حضرموت وشبوة إلى مصدر تمويل لسلطة الحوثيين.
وقال المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية فارس النجار إنه لن يتم تسليم أموال إلى سلطة وصفها بالانقلابية، ترفض توريد إيرادات ميناء الحديدة والضرائب والجمارك إلى مؤسسات الدولة، وتوجه مواردها إلى تمويل الحرب بدلًا من الرواتب والخدمات.
وأضاف أن حقوق الموارد مكفولة لجميع اليمنيين، لكن إدارتها وتحديد أوجه إنفاقها حق حصري للدولة ومؤسساتها، مؤكدًا أنه «لا يمكن منح أي سلطة غير شرعية شيكًا على بياض».
وقال التميمي إن المجلس الانتقالي سيعارض أي ترتيبات تسمح بوصول جزء من العائدات إلى مناطق الحوثيين، مضيفًا أن رسالة الشارع الجنوبي هي أن «ما لم يحصل عليه الحوثي بالقوة والغزو والاجتياح، لن يحصل عليه بالحيلة والضغط الإقليمي».
وتظل حوكمة الإيرادات وحصة المحافظات المنتجة من أبرز القضايا المرتبطة بهذا السيناريو. ويرى النجار أن المطالب المتعلقة بالتوزيع العادل والشفافية مشروعة، لكنه يميز بينها وبين تعطيل التصدير أو منع الدولة من استعادة مواردها.
ويرجح احتواء الاعتراضات عبر التوافق داخل مجلس القيادة والحكومة، ووضع آلية شفافة تراعي احتياجات المحافظات المنتجة وتمول الرواتب والخدمات، من دون المساس باختصاصات البنك المركزي في عدن.
في المقابل، يرى الصحفي والمحلل السياسي صالح السقلدي أن اعتراض المجلس الانتقالي نابع من اعتقاده بوجود تفاهمات سابقة بين الرياض والحوثيين بوساطة عُمانية، ومن مخاوف توجيه الإيرادات إلى المحافظات الشمالية ذات الكثافة السكانية.
ورجح أن تدفع الالتزامات السعودية والضغوط الإقليمية والاعتبارات الإنسانية نحو توزيع العائدات على مختلف المحافظات وفق تفاهمات مع الحوثيين، الذين يسعون، بحسب قوله، إلى انتزاع أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية والمعيشية.
ولا يتوقع السقلدي أن تتجاوز تحركات المجلس الانتقالي البيانات والفعاليات والضغوط الشعبية والإعلامية، معتبرًا أن أدوات الضغط المتاحة له تراجعت مقارنة بالمراحل السابقة.
السيناريو الثالث: تعثر الاستئناف أو بقاؤه محدودًا
يبقى السيناريو الثالث هو تعثر تنفيذ الإعلان، أو اقتصار التصدير لاحقًا على شحنات محدودة ومتقطعة، إلى حين توافر ضمانات أمنية وخفض مخاطر النقل البحري وتكاليف التأمين.
وقد تدفع أي هجمات جديدة شركات الشحن إلى تجنب الموانئ اليمنية أو تأجيل عمليات التحميل، ما يعني استمرار نقص الإيرادات وتفاقم أزمات الرواتب والخدمات والعملة.
وبين استئناف قد يستجلب ردًا حوثيًا، وتفاهم اقتصادي يواجه اعتراضات جنوبية، ومسار محدود تقيده المخاطر الأمنية وكلفة التأمين، يبقى مستقبل النفط الجنوبي مفتوحًا على احتمالات عدة.
قبل 1 شهر