دراسات

دراسة لمركز سوث24: سرديات متضاربة أضعفت مواجهة الحوثيين

تصميم الغلاف: مركز سوث24- تصميم الثري دي: بمساعدة من الذكاء الاصطناعي

06-08-2026 الساعة 11 صباحاً بتوقيت عدن

عدن (مركز سوث24)


خلصت دراسة تحليلية صادرة عن مركز سوث24 للأخبار والدراسات إلى أن تعدد أجندات القوى المنضوية في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أنتج خطابًا سياسيًا وإعلاميًا متشظيًا، وأسهم في إضعاف الجبهة المناهضة للجماعة الحوثية وفشلها في بناء سردية قادرة على استقطاب السكان في مناطق سيطرة الجماعة.


وتحمل الدراسة عنوان «الخطاب الذي خذل الحرب: سرديات متضاربة في مواجهة الجماعة الحوثية»، وأعدها الباحث مبارك عامر بن حاجب، المتخصص في تحليل الخطاب الإعلامي. واعتمدت منهجية تحليل الخطاب النقدي، متتبعة تحولات الخطاب الحكومي والقوى الداعمة له خلال أحد عشر عامًا.


وتناولت الورقة محطات بدأت باتفاق السلم والشراكة عام 2014، مرورًا بعاصفة الحزم وتحرير عدن، وإعلان عدن التاريخي، واتفاق ستوكهولم، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وصولًا إلى الخلافات الداخلية والإعلان الدستوري في الجنوب.


وترى الدراسة أن مشكلة الخطاب لم تكن في تبدل مفرداته فقط، بل في انتقال أولوياته وفق مصالح مكوناته. فقد بدأ بخطاب متفائل عقب اتفاق السلم والشراكة، حين قال الرئيس السابق عبدربه منصور هادي: «غلبنا لغة الحكمة والتعقل»، قبل أن ينهار الاتفاق وتتوسع سيطرة الحوثيين.


وبعد أربع سنوات، أقر وزير الخارجية اليمني الأسبق خالد اليماني بأن الحكومة وقعت «أكثر من خمسة وسبعين اتفاقًا» مع الحوثيين منذ بداية الحرب، من دون أن تنفذ الجماعة اتفاقًا واحدًا، رغم وصفه اتفاق ستوكهولم بأنه «مهم جدًا» و«إنجاز». واعتبرت الدراسة أن انسحاب القوات الموالية للحكومة من مواقعها في الحديدة، مقابل بقاء السيطرة الحوثية الفعلية، كشف الفجوة بين الخطاب والنتائج الميدانية.


أربع زوايا للخطاب


حددت الدراسة أربع زوايا رئيسية حكمت الخطاب السياسي المناهض للحوثيين: التهدئة مع الجماعة، واستعادة الدولة، والوحدة اليمنية، والمشاريع السياسية الخاصة. وقالت إن تعدد هذه الزوايا عكس إرث الصراعات الداخلية وتباين أجندات مكونات الحكومة، وأعاق خلق توجه موحد لمقاومة الهيمنة الحوثية، خصوصًا في المحافظات الشمالية.


وخلصت إلى أن «التهدئة» ظلت مرتكزًا ثابتًا لدى قوى رئيسية في الحكومة منذ اتفاق السلم والشراكة، رغم الشكوك المتكررة في التزام الحوثيين بالاتفاقات. وبحسب الورقة، أدى استمرار هذا الخطاب إلى إضعاف صدقية الحكومة بشأن جديتها في مواجهة الجماعة واستعادة صنعاء.


وفي محور «استعادة الدولة»، رأت الدراسة أن المفهوم ظل غامضًا ومتعدد الدلالات. فبينما ارتبط في خطاب هادي عام 2015 باستعادة صنعاء ومؤسسات الدولة، تحول لاحقًا إلى موضوع تتنازعه مشاريع متباينة داخل مجلس القيادة الرئاسي.


وفي المقابل، حافظ المجلس الانتقالي الجنوبي، وفق الدراسة، على الجمع بين مواجهة الحوثيين ومشروع استعادة دولة الجنوب. وذهب رئيسه عيدروس الزبيدي في إحدى المرات بأنّ معالجة المشروع الجنوبي «يأتي بعد إنهاء الحوثي، بالتنسيق مع كل المكونات في مجلس القيادة الرئاسي»، وفقا للورقة.


واعتبرت الدراسة أن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 أربك خطاب القوى التقليدية المهيمنة على المشهدين السياسي والعسكري، ودفع جزءًا كبيرًا من خطابها وإعلامها إلى مهاجمة المجلس بدل توجيه الجهود نحو الحوثيين. كما رأت أن خطاب حزب التجمع اليمني للإصلاح اتسم بـ«البراغماتية» في تعامله مع الجماعة الحوثية، مقابل تحامل أشد على المجلس الانتقالي، شريكه في الحكومة.


ومن أبرز النتائج أن سرديات القوى الشمالية في الحكومة ظلت، بحسب الدراسة، في إطار التنظير لأكثر من أحد عشر عامًا، ولم تتحول إلى دافع لرفض شعبي واسع داخل مناطق سيطرة الحوثيين. كما أن الآلة الإعلامية الكبيرة التابعة للقوى الحكومية والحزبية لم تُحدث تأثيرًا ملموسًا في تلك المناطق، بعدما انشغلت بخدمة مشاريع متنافسة وصراعات بينية.


ورأت الورقة أن تشظي خطاب مكونات الحكومة أفرغه من الجدية، وأن حصر شرعية الدولة في قوى بعينها، من دون استيعاب الواقع الذي أنتجته الحرب، دفعها إلى صراعات مع شركائها، وفي مقدمتهم المجلس الانتقالي الجنوبي.


كما خلصت إلى أن خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انحرف مؤخرًا عن أهداف استعادة صنعاء، واتجه بصورة أكبر إلى الصدام مع المجلس الانتقالي والإمارات، بدل التركيز على الأهداف المعلنة لعاصفة الحزم. واعتبرت أن السعودية أصبحت الفاعل الإقليمي الوحيد في المعسكر المناهض للحوثيين بعد خروج الإمارات من المشهد، في مقابل استمرار الدعم الإيراني المعلن للجماعة.


التوصيات


دعت الدراسة مكونات الحكومة إلى الاتفاق على تعريف واضح وموحد لمفهوم «استعادة الدولة»، وربطه بأهداف سياسية وعسكرية قابلة للتنفيذ، بدلًا من الشعارات العامة والمتناقضة. كما أوصت بالفصل بين مسار مواجهة الحوثيين ومسار معالجة قضية الجنوب، لمنع استخدام أي منهما في تعطيل الآخر أو إضعاف الشراكة بين القوى المناهضة للجماعة.


وطالبت بإخضاع أي تهدئة أو اتفاق سلام مع الحوثيين لضمانات وآليات رقابة وجداول زمنية ملزمة، وعدم تقديم تنازلات أحادية من دون مقابل سياسي أو ميداني. وشددت على ضرورة التمييز في الخطاب الرسمي بين التهدئة الإنسانية والتسوية السياسية أو القبول بسلطة الأمر الواقع الحوثية، مع شرح أهداف التفاهمات وحدودها للرأي العام.


كما أوصت بوقف توظيف وسائل الإعلام في الصراعات البينية، وتوجيهها إلى كشف ممارسات الحوثيين ومواجهة خطابهم الأيديولوجي، وصياغة خطاب يخاطب سكان مناطق سيطرة الجماعة من خلال قضايا المعيشة والحقوق والانتهاكات، بدل الاكتفاء بالشعارات السياسية.


وربطت الدراسة نجاح الخطاب بتحسين أداء مؤسسات الحكومة في المناطق الخاضعة لها، وتوفير الخدمات وانتظام الرواتب وتعزيز الأمن، لتقديم نموذج أكثر إقناعًا من سلطة الحوثيين. ودعت الأطراف الإقليمية والدولية إلى ضمان تمثيل مختلف القوى اليمنية في العملية السياسية، وعدم حصر إدارة الملف اليمني بطرف واحد، بما يمنع تحول أي تسوية إلى أداة لخدمة أجندات خارجية.

يمكن تحميل وتصفح الدراسة أدناه:




شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا