أطفال أثناء وقت اللعب في مدرسة التربية الشاملة بمدينة الحوطة، لحج، التي تقدم خدمات التعليم والتأهيل للأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، بمن فيهم أطفال اضطراب طيف التوحد، 19 يوليو 2026. (مركز سوث24)
آخر تحديث في: 16-08-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | أنسام عبد الله
في المدارس المتخصصة مثل مدرسة التربية الشاملة في مدينة الحوطة عاصمة محافظة لحج في جنوب اليمن، لا تبدأ رحلة الطفل مع التعليم من الكتاب أو السبورة دائمًا. فبالنسبة لبعض أطفال اضطراب طيف التوحد، قد تكون الخطوة الأولى أكثر بساطة وتعقيدًا في الوقت نفسه، أن يتعلم الطفل الجلوس على مقعده بهدوء، أو الإمساك بالقلم، أو الاستجابة لنداء معلمته، أو مشاركة زميله لعبة دون أن تربكه الضوضاء والحركة من حوله. وتساعد البطاقات البصرية والألعاب الحسية والروتين اليومي المنظم على تهيئة بيئة تراعي احتياجات هؤلاء الأطفال قبل انتقالهم إلى مراحل تعليمية أكثر تقدمًا.

لكن خارج هذه البيئة المهيأة، تبدو تجربة الدمج أكثر تعقيدًا. ففي مدارس حكومية أخرى، يجد أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة أنفسهم وسط فصول مكتظة وبنية تحتية محدودة، فيما تغيب غرف المصادر التي يفترض أن توفر لهم مساحة للتأهيل والتعليم الفردي قبل الانتقال التدريجي إلى الفصل الدراسي العادي. وبينما تمتد الدراسة في مدرسة التربية الشاملة بالحوطة حتى الصف الثامن فقط، يصبح الانتقال إلى التعليم العام اختبارًا لقدرة الطفل والمدرسة والأسرة معًا على مواصلة المسار.
وتكشف التجارب التي رصدها هذا التقرير، إلى جانب شهادات تربويين ومتخصصين وأسر، عن فجوة بين مفهوم الدمج كما يفترض أن يكون وبين الإمكانات المتاحة لتطبيقه. فسنوات الحرب لم تؤثر في المباني والمدارس فحسب، بل أضعفت أيضًا بعض برامج التربية الشاملة وغرف المصادر والكوادر المؤهلة؛ وفي الوقت نفسه، تواصل أسر ومعلمون محاولة إبقاء الأطفال داخل العملية التعليمية بوسائل وإمكانات متفاوتة.
ومن خلال نماذج ميدانية في لحج وعدن، يسلط التقرير الضوء على سؤال أوسع يتعلق بواقع دمج أطفال اضطراب طيف التوحد في التعليم باليمن: ما الذي يحتاجه هؤلاء الأطفال ليصبح وجودهم في المدارس دمجًا تعليميًا حقيقيًا، لا مجرد مقعد داخل فصل دراسي؟

واقع الدمج في اليمن
قبل الحرب، كانت محافظة لحج تمتلك تجربة أوسع في مجال التربية الشاملة مما هو قائم اليوم. ووفق وليد الهاروني، مدير إدارة التربية الشاملة بمكتب التربية والتعليم في المحافظة، بلغ عدد المدارس الدامجة آنذاك عشرين مدرسة موزعة على مديريات الحوطة وتبن والمسيمير، وكانت جميعها تضم غرف مصادر وكوادر مدربة، بدعم من منظمة دبي العطاء والصندوق الاجتماعي للتنمية.
لكن هذه التجربة فقدت خلال سنوات الحرب جزءًا كبيرًا من مقوماتها. ويقول الهاروني لمركز سوث24 إن غرف التعليم المتخصص (غرف المصادر) في مدرستي الثورة بالحوطة وعقان في المسيمير تعرضت للتدمير الكامل، فيما تعرضت تجهيزات مدارس أخرى للنهب. وفي مدارس لم تتضرر غرفها مباشرة، فرض الاكتظاظ الطلابي استخدام المساحات المخصصة للتربية الشاملة كفصول دراسية عادية، كما حدث في مجمعات السعيد وعباس الحسيني والدرة الحاسكي ومدرسة خديجة. كما نُقل عدد من الكوادر التي تلقت تدريبًا في هذا المجال إلى مدارس أخرى، ما أفقد البرامج القائمة أحد أهم عناصر استمرارها.
وبحسب الهاروني، رفع مكتب التربية في لحج أكثر من مذكرة للمطالبة بإعادة تأهيل غرف المصادر، دون أن تتلقى تلك المطالب استجابة تعيد التجربة إلى وضعها السابق. ويقول إن المحافظة لم يتبق فيها حاليًا سوى غرفة مصادر واحدة داخل مدرسة سامية مبروك في منطقة صبر.

ولا يرى المسؤول التربوي أن وجود أطفال من ذوي الإعاقة داخل مدارس عادية يعني بالضرورة أن عملية الدمج قد تحققت. ويوضح أن ما يطبق في بعض المدارس أصبح أقرب إلى تخصيص فصول منفصلة لبعض الإعاقات داخل مبانٍ مدرسية عادية، وهو نموذج يختلف، بحسبه، عن فلسفة التربية الدامجة التي تقوم على إعداد الطفل تدريجيًا للانتقال إلى البيئة المدرسية العامة.
وفي عدن، تبدو الخدمات المتخصصة أكثر انتشارًا من حيث عدد المؤسسات والبرامج، وإن لم تكن جميعها موجهة إلى أطفال اضطراب طيف التوحد. ويشير الهاروني إلى مدرسة أوسان في مديرية المعلا التي تضم برامج للصم، وإلى جمعية للإعاقة الذهنية بجوارها، إلى جانب جمعية الحياة للتدخل المبكر التي تقدم خدمات تأهيل للأطفال في مراحل عمرية مبكرة. كما تتوزع خدمات تعليم الصم على عدد من المؤسسات التعليمية، من بينها مدارس الغرباني ونشوان وثانوية خديجة وروضة المنارة.
وتعكس هذه المؤسسات وجود نشاط في مجال التربية الخاصة، لكنها، وفق الهاروني، لا تعني بالضرورة توافر نموذج متكامل لدمج أطفال اضطراب طيف التوحد داخل المدارس الحكومية. فذلك يتطلب غرف مصادر مجهزة، وكوادر متخصصة، وخططًا تربوية فردية، وبيئة مدرسية قادرة على التعامل مع احتياجات الطفل، وهي عناصر يقول إنها ما تزال بحاجة إلى تعزيز في عدن ولحج.
الدمج ليس مجرد مقعد
لا تتعلق صعوبة دمج أطفال اضطراب طيف التوحد في المدارس الحكومية بعدد المدارس أو توفر غرف المصادر وحدها، بل بطبيعة البيئة التعليمية التي يدخل إليها الطفل. وتوضح المختصة النفسية والسلوكية د. منى فضيل أن المشكلة قد تبدأ عندما يجد الطفل نفسه داخل فصل مكتظ بالأصوات والحركة والمثيرات الحسية، في حين يحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء والتنظيم حتى يشعر بالأمان ويستطيع التفاعل مع من حوله.

وتشير فضيل في حديثها لمركز سوث24 إلى أن بعض السلوكيات التي قد تظهر على الطفل في مثل هذه البيئات تُفهم أحيانًا باعتبارها مشكلات انضباطية، بينما قد تكون في حقيقتها استجابة للضغط النفسي والحسي الذي يتعرض له. لذلك، ترى أن نجاح الدمج لا يتحقق بمجرد وجود الطفل داخل المدرسة، وإنما يحتاج إلى بيئة تراعي احتياجاته، ومعلمين قادرين على فهم خصائص اضطراب طيف التوحد والتعامل معها باستخدام أساليب مناسبة، إلى جانب شراكة مستمرة بين المدرسة والأسرة والأخصائيين.
وبحسب فضيل، ما تزال هذه المتطلبات تصطدم بنقص الكوادر المؤهلة وضعف الإمكانات، ما يجعل تدريب المعلمين وتوفير الأخصائيين النفسيين والسلوكيين وتعزيز الوعي بمفهوم الدمج من العناصر الأساسية لتحويله إلى ممارسة تعليمية فعلية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع تجربة معلمة التربية الشاملة عبير علي، التي ترى أن طفل التوحد يحتاج في البداية إلى روتين يومي ثابت يساعد على خفض القلق، وإلى بيئة تقل فيها المثيرات الحسية، إلى جانب التدريب المتواصل على مهارات التواصل الاجتماعي بالتنسيق مع الأسرة.
وعلى المستوى الدراسي، تؤكد عبير لمركز سوث24 أن وجود الطفل في الفصل لا يكفي إذا لم تُكيف أدوات التعليم نفسها مع قدراته. وتشير إلى أهمية استخدام وسائل تعليمية مخصصة، وتبسيط المناهج، والاعتماد على عبارات واضحة وقصيرة تتناسب مع مستوى الطفل الإدراكي، بما يمنحه فرصة للمشاركة في عملية التعلم بدل الاكتفاء بالحضور داخل الصف.
ثلاثة أطفال.. تجارب مختلفة مع الدمج
تكشف تجارب الأطفال الذين التقاهم التقرير أن نتائج الدمج تختلف باختلاف مستوى التأهيل والمتابعة والبيئة المدرسية، بين حالات حققت تقدمًا واضحًا، وأخرى استمرت بفضل دعم الأسرة، وثالثة انتهت بالعودة إلى التأهيل.
في مدرسة التربية الشاملة بالحوطة، بدأت قصة كارم في سن الرابعة. وتقول والدته لمركز سوث24 إنه كان يعاني من العصبية وتأخر النطق وحركات غير إرادية، قبل أن يُشخَّص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه المصحوب بطيف التوحد. وهناك بدأ تأهيله بتعلم الجلوس بهدوء، والاستجابة للتعليمات والسيطرة تدريجيًا على سلوكياته اليومية، قبل الانتقال لاحقًا إلى مدرسة الأقصى النظامية في منطقة الفيوش.

كارم، 10 أعوام، في مدرسة التربية الشاملة بمدينة الحوطة، محافظة لحج، 19 يوليو 2026. (مركز سوث24)
وبحسب والدته، ساعدته أقسام التوحد والتخاطب والمتابعة المستمرة من معلمته عبير الزيدي على الاستعداد للدمج. وتقول إن المدرسة الجديدة تراعي حالته أثناء الاختبارات بتوفير مكان هادئ ووقت مناسب، وإنه أصبح في سن العاشرة من أوائل الطلاب في فصله. ومنذ عام 2023، شارك كارم في مسابقات للحساب الذهني، قبل أن يحقق، بحسب أسرته، المركز الأول في البطولة العالمية السادسة للحساب الذهني بجامعة أم القرى في السعودية عام 2025، إلى جانب ميداليات ذهبية وفضية في مستويات مختلفة.
أما سعيد، وهو اسم مستعار لطفل يدرس في مدرسة المحسنية في الحوطة، فيخوض تجربة مختلفة. فالمدرسة تفتقر إلى غرفة مصادر ومعلم متخصص ووسائل تعليمية مخصصة لأطفال التوحد، فيما يتجاوز عدد الطلاب في بعض الفصول خمسين طالبًا. وخلال زيارة التقرير، بدا سعيد متفاعلًا مع زملائه، لكن دون خطة تعليمية فردية أو متابعة متخصصة لاستجاباته الحسية والسلوكية.
وتتابع والدته تفاصيل يومه باستمرار وتتواصل مع معلميه، في محاولة لتعويض بعض الخدمات غير المتاحة. وترى نسرين الحبيشي، مديرة مدرسة التربية الشاملة بالحوطة، أن تجربة سعيد تبرز أهمية دور الأسرة، لكنها تؤكد أن الأسرة لا يمكن أن تكون بديلًا عن غرفة المصادر أو المعلم المتخصص وبرامج التأهيل.
وفي المقابل، لم تنجح تجربة الطفل عبد الملك، بحسب الحبيشي، بعد انتقاله إلى مدرسة المجحفة في مديرية تبن، إذ لم يجد البيئة المناسبة لحالته، فعاد إلى مدرسة التربية الشاملة بعد تعرضه لانتكاسة رغم سنوات من التأهيل.
وتوضح نسرين الحبيشي أن الدمج لا يعني بالضرورة بقاء الطفل طوال اليوم داخل الفصل العادي، بل يمكن أن يتم تدريجيًا، عبر مشاركته في الطابور والاستراحة والأنشطة اللاصفية، مع استمرار تلقيه التعليم في صفوف أو غرف مصادر تشرف عليها معلمات متخصصات، إلى أن يصبح مستعدًا للانتقال بصورة أوسع إلى البيئة المدرسية العامة.

رسم جداري يحمل عبارة «الإعاقة ليست نهاية الحياة» على أحد جدران مدرسة التربية الشاملة بمدينة الحوطة، محافظة لحج، 19 يوليو 2026. (مركز سوث24)
ما الذي ينقص منظومة الدمج؟
لا تتوقف تحديات دمج أطفال اضطراب طيف التوحد عند حدود المدرسة أو جاهزية الطفل، بل تمتد إلى الموارد والسياسات التي يفترض أن تضمن استمرار برامج التربية الشاملة.
وتقول نسرين الحبيشي، مديرة مدرسة التربية الشاملة، إن عددًا من المدارس الحكومية في لحج يمكن أن يشكل نواة لتجارب دمج أكثر نجاحًا إذا أعيد تأهيلها وتجهيزها، غير أن نقص التمويل، وضعف رواتب المعلمين، وبعد بعض القرى، واستنزاف الكوادر المتخصصة، تحد من إمكانية توسيع هذه التجارب واستمرارها.
وليست الحاجة إلى تطوير هذه البرامج جديدة. ففي عام 2018، عُقد مؤتمر عدن الأول لاضطرابات طيف التوحد، وخرج بحزمة من التوصيات شملت إعادة تأهيل غرف المصادر، وتأهيل الكوادر التعليمية، وتكييف المناهج، ووضع موازنات مستدامة لبرامج التربية الشاملة. لكن بعد ثماني سنوات، ما تزال المدارس التي زارها التقرير تعكس فجوة بين تلك التوصيات وما هو متاح على الأرض.
وفي محاولة لمعرفة موقف وزارة التربية والتعليم من واقع الدمج، تواصل مركز سوث24 مع أنيسة عبدالله، مديرة إدارة الدمج في الوزارة. وقالت إن الوزارة نجحت في دمج عدد من أطفال اضطراب طيف التوحد، وإن نتائج الاختبارات النهائية أظهرت تقدمًا ملحوظًا لدى كثير منهم، مشيرة إلى أن أبرز التحديات التي تواجه العملية تتمثل في البنية التحتية وتكييف المناهج الدراسية بما يتناسب مع احتياجات الأطفال.

لوحة توعوية تحمل عبارة «أنا توحدي.. تقبّل اختلافي» داخل مدرسة التربية الشاملة بمدينة الحوطة، محافظة لحج، 19 يوليو 2026. (مركز سوث24)
لكن الصورة الكاملة لبرامج الدمج على مستوى البلاد لا تظهر بوضوح. فقد طرح مركز سوث24 على الوزارة أسئلة بشأن عدد المدارس الدامجة العاملة حاليًا، وإجمالي الأطفال المستفيدين منها، وحجم الموازنات المخصصة لبرامج التربية الشاملة، وخطط إعادة تأهيل غرف المصادر المتضررة خلال الحرب، إضافة إلى أسباب تعثر تنفيذ توصيات مؤتمر 2018، دون أن تتلقى ردودًا على هذه الأسئلة.
ويجعل غياب هذه الأرقام من الصعب رسم صورة دقيقة لحجم خدمات الدمج ومدى انتشارها على مستوى اليمن. وبذلك، يبقى تطوير منظومة الدمج مرتبطًا بعدة عناصر طرحتها المصادر نفسها: إعادة تأهيل غرف المصادر، الحفاظ على الكوادر المتخصصة وتدريبها، تكييف المناهج، توفير تمويل مستدام، وتحسين قدرة المدارس الحكومية على استقبال الأطفال ومتابعتهم بصورة فردية. وهي متطلبات تحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كان الدمج سيظل قائمًا على تجارب متفرقة، أم سيتحول إلى مسار تعليمي أكثر انتظامًا واستدامة.
قبل شهرين
قبل 1 شهر
قبل شهرين