أنصار جماعة الحوثيين يرددون شعارات خلال تظاهرة ليلية في ميدان السبعين بصنعاء، اليمن، في 11 سبتمبر 2026، احتفالًا بسيطرة الجماعة على منطقة ميناء المخا. (شينخوا)
12-09-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن
عدن (مركز سوث24)
اتسع الضغط العسكري لمليشيا الحوثيين باتجاه جبهات الجنوب، عقب التقدم السريع للجماعة وسيطرتها على مدينة المخا ومنطقة ذُباب وجزيرة ميون الاستراتيجية قرب مضيق باب المندب. وتزامن ذلك مع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع القوات الجنوبية في لحج ويافع، إلى جانب محاولات تسلل في جبهة حريب قرب شبوة.
وتمثل هذه التطورات تحولًا مهمًا في مسار القتال الذي بدأ شمالًا على امتداد الساحل الغربي. إذ باتت القوات الحوثية على تماس مباشر مع المناطق المؤدية إلى لحج وعدن وشمال غرب شبوة، عقب انهيار مواقع القوات الموالية للحكومة في محيط المخا وباب المندب.
وقالت مصادر عسكرية لمركز سوث24 إن مليشيا الحوثيين أطلقت، الجمعة 11 سبتمبر، صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه منطقة رأس العارة في محافظة لحج.
وأظهرت مشاهد متداولة آثار قصف حوثي استهدف مواقع للقوات الجنوبية في خور عميرة بلحج، وسط أنباء عن وقوع إصابات.
وفي جبهة الحد بيافع، أظهرت مشاهد أخرى آثار ضربات بطائرات مسيّرة شنتها مليشيا الحوثيين واستهدفت مسجدًا في منطقة المحاجي، في مؤشر على اتساع نطاق الهجمات الحوثية على خطوط التماس القريبة من المحافظات الجنوبية.
كما قالت مصادر مركز سوث24، السبت 12 سبتمبر، إن قوات دفاع شبوة أحبطت محاولات تسلل حوثية ليلية في جبهة حريب جنوبي مأرب.
وتجاور حريب مديرية بيحان في شبوة، وتمثل إحدى نقاط التماس الحساسة التي تربط جبهات مأرب والبيضاء وشبوة. وشهدت خلال سنوات الحرب جولات متكررة من القتال أثّرت على خطوط الحركة والطرق بين حريب وبيحان.
وجاء تصاعد الضغط الحوثي عقب سيطرة الجماعة على المخا، الخميس، قبل أن تواصل تقدمها جنوبًا باتجاه ذُباب وجزيرة ميون الواقعة في قلب باب المندب.
وكانت مصادر حكومية يمنية قد قالت إن القوات الموالية للحكومة انسحبت من الجزيرة، بينما سيطر الحوثيون أيضًا على منطقة ذُباب الساحلية المقابلة لها، في أبرز تحول ميداني تشهده منطقة باب المندب منذ سنوات.
كما أعلن الحوثيون أن الهجوم الذي أطلقوه في 3 سبتمبر أجبر القوات المناوئة لهم على الانسحاب من ست مديريات في محافظتي تعز والحديدة غربي اليمن، تغطي مساحة قالوا إنها تبلغ نحو 5,400 كيلومتر مربع. وتظل هذه الأرقام جزءًا من الرواية الحوثية.
ويمثل هذا التقدم تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في منطقة باب المندب. إذ تقع جزيرة ميون داخل المضيق وتقسمه إلى ممرين ملاحيين، بينما تطل ذُباب مباشرة على الممر البحري من جهة البر الرئيسي.
ويمنح الوجود الحوثي في هذه المواقع الجماعة قدرة أكبر على ممارسة الضغط على حركة الملاحة من مسافات قصيرة، دون الاعتماد كليًا على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة.
واكتسب طريق البحر الأحمر أهمية متزايدة خلال الأشهر الأخيرة، في ظل اعتماد السعودية عليه بصورة أكبر لنقل جزء من صادراتها، وسط الاضطرابات في مضيق هرمز المرتبطة بالصراع الإقليمي الأوسع بين إيران والولايات المتحدة.
كيف انهارت جبهة الساحل الغربي؟
قدمت معلومات جديدة نشرتها شبكة «سي إن إن» تفاصيل إضافية بشأن الانهيار السريع لمواقع القوات الموالية للحكومة على امتداد الساحل الغربي.
وقال مصدر يمني رفيع مرتبط بالمؤسسة العسكرية للشبكة إن طلبات عاجلة للحصول على غطاء جوي بدأت صباح الخميس، مع تسارع التقدم الحوثي باتجاه المخا.
وأضاف المصدر أنه تواصل مع القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، وتلقى تأكيدات بأن الولايات المتحدة تراقب الوضع عن كثب، وأن دعمًا جويًا سعوديًا في طريقه إلى المنطقة.
لكنه قال إن ذلك الدعم «لم يصل قط» قبل سقوط المخا بيد الحوثيين.
ونقلت «سي إن إن» أيضًا عن مصدر غربي مطلع على العمليات قوله إن الكتائب المسؤولة عن الدفاع عن المخا كانت تعاني نقصًا حادًا في قوامها البشري الفعلي.
وبحسب المصدر، تضمنت كشوفات القوات أعدادًا كبيرة من «الأسماء الوهمية» التي تتلقى رواتب، بينما لم يتجاوز العدد الفعلي للجنود على الأرض نحو 20% من القوة المسجلة على الورق.
ويقدم ذلك عاملًا مهمًا في تفسير السرعة التي تمكن بها الحوثيون من اختراق خطوط الساحل الغربي والوصول إلى المخا وباب المندب.
وقالت «سي إن إن» أيضًا إن الجيش السعودي وُضع في حالة تأهب قصوى قبل نحو ثلاثة أسابيع، لكن عناصر رئيسية ضمن هيكل القيادة الجوية لم يُنقلوا إلى المواقع اللازمة لإدارة وتوجيه الطائرات القتالية في حال وقوع هجوم واسع.
وكان قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، موجودًا في السعودية، الخميس، لعقد اجتماعات تنسيقية، وفقًا لمصدرين تحدثا إلى الشبكة.
وكانت «سي إن إن» قد كشفت، في تقرير منفصل، عن نشر أكثر من 100 مستشار عسكري أمريكي في السعودية لتقديم الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف، ضمن قيادة مشتركة أُنشئت حديثًا. وقدّر مسؤول أمريكي العدد الإجمالي للعسكريين الأمريكيين المرتبطين بهذه المهمة في السعودية بنحو 200 فرد.
انقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين
في هذا السياق، قال عمرو البيض، رئيس هيئة الشؤون الخارجية في المجلس الانتقالي الجنوبي، إن جزءًا من الأزمة الراهنة يعود إلى تركيز القوات المدعومة من السعودية على مواجهة قوات المجلس الانتقالي عقب توسعها العام الماضي، بدلًا من الحفاظ على جبهة موحدة ضد الحوثيين.
وقال البيض لشبكة «سي إن إن» إن قوات المجلس الانتقالي والقوات المدعومة من السعودية سبق أن قاتلتا الحوثيين معًا في شمال اليمن، قبل أن تنهار تلك الجبهة نتيجة الصراع الداخلي بين الطرفين.
وأضاف: «نشعر أيضًا بالقلق إزاء الوضع، لأنهم قد يتجهون جنوبًا، وسيتعين علينا الدفاع عن الجنوب في مواجهتهم».
وفي تصريحات منفصلة لصحيفة «الغارديان»، قال البيض إنه حذّر دبلوماسيين غربيين مرارًا من ضرورة وضع استراتيجية وطنية وإقليمية ودولية شاملة لهزيمة الحوثيين، معتبرًا أن الضربات الجوية المتفرقة لا تكفي.
واتهم السعودية بما وصفه بـ«العجز الاستراتيجي»، وإضعاف القوات الجنوبية وتهميشها، والتي وصفها بأنها عنصر رئيسي في مواجهة الحوثيين.
وقال إن وجود الحوثيين في المضيق يعني أن الجماعة باتت قادرة على تهديد طرق الملاحة دون الحاجة إلى استخدام أسلحة متطورة، ما يتيح لها توجيه تلك الأسلحة نحو جبهات أخرى.
وقال البيض لشبكة «سي إن إن» أيضًا إن إبعاد الطرف الذي كان الداعم الرئيسي لعدد من القوات على الأرض، دون وضع بديل لملء الفراغ الناتج، يعكس غياب الاستراتيجية وسوء الإدارة.
الدور الإيراني
في بُعد آخر من الصراع، أفادت وكالة «رويترز»، نقلًا عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية، بأن التقدم الحوثي على امتداد الساحل الغربي حظي بدعم وتوجيه من الحرس الثوري الإيراني.
وقالت مصادر عسكرية يمنية إن ضباطًا في الحرس الثوري ساعدوا في إدارة العملية، بينما قالت مصادر إيرانية إن طهران دفعت الحوثيين إلى تصعيد هجماتهم ضد السعودية، وتعهدت بتقديم تمويل وأسلحة إضافية.
كما ربطت مصادر يمنية العملية بقيادات في فيلق القدس.
لكن إيران تنفي رسميًا توجيه العمليات العسكرية الحوثية، وتقول إن الجماعة حليف وليست وكيلًا لها.
وقال مسؤول إيراني إن قرار التقدم باتجاه المخا اتخذه الحوثيون أنفسهم، لكنه أقر بأن العملية حققت مكاسب استراتيجية لطهران من خلال زيادة الضغط على السعودية والولايات المتحدة وأسواق الطاقة.
ضغوط إنسانية
لم تقتصر تداعيات التطورات على الجانب العسكري، إذ أدى القتال على امتداد الساحل الغربي إلى تفاقم الوضع الإنساني بسرعة.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» إن ثماني مركبات تابعة لمركزه الإنساني في المخا صودرت عقب سيطرة الحوثيين على المدينة. ودعا أطراف الصراع إلى حماية العاملين والممتلكات الإنسانية، والسماح باستمرار عمليات الإغاثة.
وتشير تقديرات إنسانية حديثة أيضًا إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين من مناطق القتال في تعز والحديدة نحو مناطق أكثر أمانًا، بينها عدن ولحج وأبين.
ويضيف النزوح الجديد مزيدًا من الضغط على المحافظات الجنوبية، التي استقبلت بالفعل أعدادًا كبيرة من النازحين طوال سنوات الحرب، في ظل تدهور الخدمات العامة ومحدودية قدرة الاستجابة الإنسانية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تضرر منشآت وبنية تحتية في ميناء المخا، وتعطل بعض الأنشطة الإنسانية، وإغلاق أو عرقلة عدد من الطرق الرئيسية نتيجة العمليات العسكرية.
وأعلنت وزارة الدفاع اليمنية، الجمعة، بدء غارات جوية في المناطق المحيطة بالمخا، ضمن ما وصفته بـ«منطقة قتل»، محذرة المدنيين من استخدام طريقي تعز–المخا والمخا–ذُباب.
وقالت مصادر عسكرية إن الغارات استهدفت تعزيزات ومركبات ومواقع حوثية في المخا وذُباب.
كما قال المتحدث باسم وزارة الدفاع اليمنية، ماجد النزّيلي، السبت، إن القوات دمّرت مركبات وأسلحة وقتلت مقاتلين حوثيين قرب ميناء المخا، إلى جانب استهداف تجمعات حوثية في الطريق الدائري الشمالي للمدينة.
ونشرت وزارة الدفاع مشاهد قالت إنها تظهر ضربات استهدفت تجمعات ومعدات حوثية في ذُباب غربي تعز، وهي منطقة تطل على باب المندب وجزيرة ميون.
وتضع التطورات الأخيرة معركة الساحل الغربي في ارتباط مباشر بأمن الجنوب والتنافس الإقليمي الأوسع المحيط بالبحر الأحمر وباب المندب.
وكانت وزيرة الخارجية اليمنية قد حذّرت من تنامي خطر التحركات الحوثية، بالنظر إلى سجل الجماعة في استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعيًا إلى موقف واضح تجاه التصعيد وما يمثله من مخاطر على اليمن والمنطقة والبحر الأحمر وباب المندب.
ولا يزال الاتجاه المقبل للهجوم الحوثي غير واضح.
ولم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت القوات المناهضة للحوثيين قادرة على استعادة الساحل الغربي.
بل امتد إلى ما إذا كان انهيار تلك الجبهة قد فتح الطريق أمام الحوثيين لنقل الضغط تدريجيًا من البحر الأحمر وباب المندب نحو لحج ويافع ومداخل شبوة، في وقت لا يزال فيه المعسكر المناهض للحوثيين يعاني الانقسامات وغياب القيادة الموحدة والاعتماد الكبير على الدعم الجوي واللوجستي الخارجي.
قبل 3 أشهر
قبل شهرين
قبل 3 أشهر