التحليلات

من الاستعداد للهجوم إلى الانسحاب: لماذا انهارت منظومة الساحل؟

مقاتلون من «المقاومة الوطنية» يشاركون في تدريبات عسكرية خلال حفل تخرج وحدة قتالية جديدة في مدينة المخا، محافظة تعز، اليمن، 12 فبراير 2024. (الإعلام العسكري/وكالة 2 ديسمبر)

17-09-2026 الساعة 4 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | فريدة أحمد


شكّل سقوط مدينة المخا وأجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن، وصولاً إلى منطقة باب المندب، بيد الحوثيين المدعومين من إيران، تطوراً ميدانياً بالغ الخطورة بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. ففي غضون نحو 36 ساعة، شهدت الجبهة انهياراً متسارعاً في خطوط الدفاع شمل المخا وذوباب، قبل أن تمتد التطورات إلى جزيرة ميون الجنوبية (بريم) التي تقسم مضيق باب المندب إلى قناتين ملاحيّتين.


ولا تكمن خطورة ما حدث في خسارة هذه المواقع فحسب، بل في السرعة التي انهارت بها منظومة الدفاع في واحدة من أكثر مناطق اليمن حساسية من الناحية الاستراتيجية. فباب المندب ليس مجرد جبهة عسكرية محلية، بل ممر حيوي للتجارة والملاحة الدولية، وأي نفوذ حوثي متقدم في محيطه يمنح المليشيا، ومعها إيران، ثقلاً إضافياً في معادلة البحر الأحمر والصراع الإقليمي الأشمل. كما قد يوفر لطهران ورقة ضغط جديدة في علاقتها المتوترة مع واشنطن، في توقيت يسبق استحقاقات سياسية داخلية أمريكية حساسة.


لكن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق فقط بما خسره المعسكر الحكومي، بل بكيفية حدوث هذا الانهيار بهذه السرعة. فوفقاً لمصادر عسكرية، لم يكن التقدم الحوثي نتيجة تفوق ميداني كاسح بقدر ما ارتبط بخلل حاد في منظومة القيادة والسيطرة، واختراق للاتصالات العسكرية داخل صفوف القوات الحكومية، وفي مقدمتها "المقاومة الوطنية" بقيادة طارق صالح. وتزامن ذلك مع سوء في إدارة المعركة وغياب الاستراتيجية والإسناد الجوي السعودي في لحظة حاسمة. وقد أسهمت هذه الاختلالات في انسحابات غير منسقة من مواقع استراتيجية، ما أتاح للحوثيين دخول المخا بعد إخلائها بساعات ودون مقاومة تُذكر.


تبحث هذه الورقة في الكيفية التي وقع بها هذا الانهيار، والاختلالات العسكرية والتنظيمية التي كشفت عنها معارك الساحل الغربي، إلى جانب تداعيات السيطرة الحوثية على باب المندب بالنسبة إلى السعودية والحكومة اليمنية وإيران. كما تتناول موقع القوات الجنوبية في المشهد الجديد، وحدود مشاركتها في معادلة عسكرية تتداخل فيها متطلبات أمن محافظات جنوب اليمن مع حسابات الحرب الأوسع على الساحل الغربي.


ما الذي حدث؟


بدأ التمهيد للهجوم الحوثي في 9 أغسطس عبر موجة من الضربات المركزة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت مواقع عسكرية وحيوية في تعز والحديدة، إلى جانب هجمات محدودة طالت مقار عسكرية في حضرموت ومأرب. وشملت الضربات مقرات قيادة وموانئ وقواعد ومخازن أسلحة، بالتوازي مع حشد قوات كبيرة على عدد من الجبهات الرئيسية، في عملية قال المتحدث باسم "المقاومة الوطنية" إنها خضعت لتخطيط وتنسيق وإشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني على مدى أشهر.


غير أن التحول العسكري الأبرز بدأ في 3 سبتمبر، مع تنفيذ عمليات تسلل متزامنة على جبهات ضمن محور تعز العسكري، بينها (الكدحة والبرح ومقبنة)، رافقها قصف مكثف بالصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة. وأدى ذلك إلى فتح مسار تقدم بري باتجاه الساحل الغربي، قبل أن تتسارع التطورات لاحقاً نحو المخا وذوباب.


والمفارقة أن هذا الهجوم جاء بعد أسابيع من أجواء تفاؤل واسعة داخل المعسكر الحكومي، على إثر تنفيذ القوات الموالية للحكومة اليمنية عمليات استهدفت مواقع وآليات حوثية، ترافقت مع استخدام مكثف للطائرات المسيّرة وتغطية إعلامية يومية أظهرت القوات الحكومية وكأنها تمسك بزمام المبادرة العسكرية، فيما بدت القدرات الحوثية متهاوية وتحت ضغط كبير.


وعزز هذا الانطباع حجم القوات المنتشرة على الجبهات، إذ قُدرت القوة العددية لـ"المقاومة الوطنية" وحدها بأكثر من 40 ألف مقاتل. وبُنيت على ذلك تقديرات لدى الحكومة المعترف بها دولياً والقيادة السعودية بأن جبهة الساحل قادرة على مواجهة الهجوم الحوثي واستنزافه، مستفيدة من حجم قواتها ومواقعها الدفاعية، بما يسمح في الوقت ذاته بتخفيف الضغط عن جبهات أخرى مثل مأرب والجوف، إذ كانت القوات الحكومية قد بدأت فعلياً بتحقيق تقدم عسكري فيها.


لكن هذه الحسابات انهارت سريعاً. فقد أخفقت قوات "المقاومة الوطنية" في الصمود خلال الأيام الأولى للهجوم، بينما واصلت "القوات التهامية" القتال قبل أن تتلقى الجبهة تعزيزات من "العمالقة الجنوبية" و"درع الوطن". ووفقاً لمصادر ميدانية، ترافق ذلك مع اختراق حرج للاتصالات ومنظومة القيادة والسيطرة داخل قوات طارق صالح، ما أربك الوحدات المنتشرة وأضعف قدرتها على تلقي الأوامر والتنسيق بينها.


وأدى هذا الاضطراب إلى سلسلة انسحابات متتالية وغير منسقة، مهّدت لدخول الحوثيين إلى حيس ثم التحرك نحو الخوخة والمخا خلال فترة قصيرة، قبل امتداد الضغط العسكري إلى ذوباب ومحيط باب المندب. وبذلك لم يكن العامل الحاسم في سرعة التقدم الحوثي هو حجم القوة المهاجمة وحده، بل انهيار منظومة الدفاع من الداخل في لحظة الاختبار.


وتتجاوز المشكلة، مع ذلك، مسألة سوء التقدير العسكري إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بطبيعة الاختراق الذي أصاب المنظومة. فإذا كان الخلل تقنياً ومحصوراً في شبكات الاتصال، فمن الممكن معالجته بإجراءات فنية وإعادة بناء منظومة القيادة. أما إذا كان مرتبطاً باختراقات بشرية واستخباراتية داخل الوحدات نفسها، فإن معالجة آثاره تتطلب إعادة هيكلة أعمق وتحقيقاً واسعاً في سلسلة القيادة والعناصر المنتشرة.


وإلى جانب ذلك، يبرز تعدد الوحدات العسكرية المختلفة وغياب الانسجام السياسي والوطني بين عناصرها، وتاريخ من الاختراقات والانشقاقات داخل القوات الموالية لطارق صالح، كنقطة ضعف عملياتية. لذلك، فإن تفسير ما حدث في الساحل الغربي باعتباره مجرد اختراق عسكري حوثي لا يفسر الصورة كاملة؛ فالانهيار كشف في الوقت ذاته ضعف منظومة القيادة، وتعدد مراكز القرار، وغياب مستوى كافٍ من الثقة والتنسيق بين القوات.


باب المندب: مكسب حوثي وورقة إيرانية


لم تقتصر مكاسب الحوثيين بعد انهيارات الساحل الغربي على السيطرة الجغرافية. فقد استولت الجماعة على آليات ومدرعات ومعدات عسكرية حديثة كانت في مخازن قوات "المقاومة الوطنية"، وهو ما يمنحها قدرة إضافية على معالجة إحدى نقاط ضعفها التكتيكية المتمثلة في الاعتماد الواسع على المركبات غير المصفحة، التي تعرضت خلال الفترة السابقة لاستهداف مكثف بالطائرات المسيّرة.


وتثير سرعة الاستيلاء على هذا العتاد، إلى جانب طبيعة الانسحابات التي سبقت دخول الحوثيين، تساؤلات إضافية حول حجم الاختراق الذي أصاب منظومة الدفاع في الساحل. ولا يمكن، استناداً إلى المعطيات المتاحة وحدها، حسم ما إذا كان ذلك نتيجة انهيار مفاجئ في القيادة والسيطرة أم امتداداً لاختراقات بشرية واستخباراتية عميقة داخل ألوية قوات المقاومة الوطنية نفسها، غير أن حجم ونوعية المعدات التي تُركت خلف القوات المنسحبة يضيف بُعداً مهماً إلى التحقيق في أسباب ما حدث.


وفي الوقت ذاته، حقق التقدم الحوثي أثراً يتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة. فقد أعطت سرعة سقوط المواقع للجماعة زخماً إعلامياً واسعاً، ورسخت صورة لقوة قادرة على تغيير موازين الجبهة خلال فترة وجيزة. وانعكس ذلك نفسياً وعملياتياً على بقية محاور القتال، إذ أدت الأنباء المتتابعة بشأن الانهيارات السريعة في جبهة المخا والساحل الغربي إلى فرملة التحركات الحكومية العسكرية في جبهات رئيسية مثل مأرب والجوف والبيضاء. بعدما كان الرهان يقوم على استنزاف الحوثيين في الساحل وإشغال جزء كبير من قدراتهم هناك.


لكن القيمة الاستراتيجية الأهم للمكسب الحوثي تتصل بموقع باب المندب نفسه. فالتقدم إلى هذا الممر الحيوي يوسع نطاق النفوذ الذي تتمتع به جماعة مدعومة من إيران على امتداد أحد أهم طرق الملاحة الدولية، في وقت تحتفظ فيه طهران بنفوذ مباشر على الضفة الأخرى من معادلة الممرات البحرية عبر مضيق هرمز.


ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة توقيت التصعيد باعتباره متقاطعاً مع المصالح الإقليمية الإيرانية، خصوصاً في ظل استمرار المواجهة بين طهران وواشنطن واقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر. فوجود حليف لإيران في موقع قادر على التأثير في حركة الملاحة عند باب المندب يمنح طهران، بصورة غير مباشرة، ورقة ضغط إضافية في أي مسار تفاوضي يتعلق بالعقوبات أو الملف النووي.


في المقابل، يضع هذا التطور السعودية أمام معادلة أكثر تعقيداً. فقد تزامن تقدم الحوثيين على الساحل مع توقف العمل في "خط أنابيب شرق-غرب" (بترولاين)، الممتد من حقول بقيق في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، عقب استهدافه بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية. كما جاء ذلك بالتوازي مع تصعيد حوثي استهدف مدناً سعودية، بينها خميس مشيط وأبها والطائف وجازان ونجران، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وأوقع خسائر فادحة وإصابات في صفوف المدنيين.


وتعني هذه التطورات أن الضغط على الرياض لم يعد محصوراً بجبهة عسكرية داخل اليمن؛ بل بات يمتد إلى منشآت الطاقة والمجال الجوي والممرات البحرية التي تعتمد عليها المملكة اقتصادياً واستراتيجياً. ومن هنا تزداد أهمية باب المندب بالنسبة للسعودية، ليس باعتباره امتداداً لجبهة الساحل الغربي فحسب، وإنما جزءاً من معادلة أمن الطاقة والبحر الأحمر.


ورغم نفي طهران الرسمي أي تورط مباشر في التصعيد العسكري الأخير أو في التقدم الحوثي نحو باب المندب، فإن تزامن الضغوط على عدة مسارات، من الممرات البحرية إلى منشآت الطاقة والهجمات العابرة للحدود، يصب عملياً في تعزيز أوراق النفوذ الإقليمية الإيرانية. 


القوات الجنوبية واختبار التوازنات الحرج


لا يمكن قراءة التحولات الراهنة في الساحل الغربي وباب المندب بمعزل عن موقع القوات الجنوبية في المعادلة العسكرية. فمنذ معارك تحرير عدن عام 2015، شاركت تشكيلات جنوبية متعددة في جبهات ممتدة شملت شبوة والضالع وأبين ولحج والمكلا، قبل أن تنتقل بعض هذه القوات إلى مواقع استراتيجية في الساحل الغربي ومحيط باب المندب، حيث تحولت تدريجياً إلى إحدى أبرز القوى الميدانية في مواجهة الحوثيين والجماعات الإرهابية.


وقد قامت هذه المشاركة، خلال سنوات الحرب، على شراكة عسكرية وسياسية مع التحالف العربي الذي تقوده السعودية، وصلت في بعض مراحلها إلى استعداد قيادات جنوبية للانخراط في عمليات تتجاوز حدود محافظات الجنوب. غير أن هذه العلاقة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً بعد أحداث حضرموت في يناير 2026، وما تبعها من غارات سعودية وضغوط سياسية طالت القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي وحليفها الإقليمي الأبرز، الإمارات.


وأدت تلك التطورات إلى اتساع فجوة الثقة بين الرياض وقطاعات واسعة من القوى الجنوبية، وأعادت طرح تساؤلات حول طبيعة الشراكة التي حكمت العلاقة طوال سنوات الحرب، وحدود الالتزامات المتبادلة بين الطرفين. وتزداد حساسية هذه المسألة مع استمرار اعتماد الجبهة المناهضة للحوثيين على تشكيلات جنوبية تمتلك حضوراً ميدانياً واسعاً وقدرات قتالية أثبتت فعاليتها في أكثر من جبهة.


وفي المقابل، تصاعدت خلال الفترة الأخيرة مواقف داخل المشهد الجنوبي ترى أن مسؤولية استعادة المناطق الشمالية الخاضعة للحوثيين ينبغي أن تقع بصورة أساسية على القوى العسكرية والقبلية المنحدرة من تلك المناطق. وقد عبّر عن هذا التوجه المجلس الانتقالي الجنوبي ومكونات قبلية وسياسية أخرى، في إطار رؤية تربط المشاركة العسكرية الجنوبية خارج حدود الجنوب باعتبارات سياسية وأمنية واضحة.


لكن هذا الموقف لم يمنع تشكيلات جنوبية ذات خلفية سلفية ومدعومة من السعودية، وفي مقدمتها "العمالقة الجنوبية" و"درع الوطن"، من الانخراط في معارك خارج محافظات الجنوب انطلاقاً من دوافع عسكرية وعقدية. وبعد انهيار مواقع الساحل الغربي ووصول الحوثيين إلى محيط باب المندب وجزيرة ميون، تحركت هذه القوات عبر أكثر من محور لاحتواء التقدم الحوثي ومنع امتداده جنوباً، بالتوازي مع استمرار مواجهات أخرى على حدود يافع والضالع وشبوة. وتخوض هذه القوات مواجهات شرسة في حدود محافظة لحج مع باب المندب وتعز.


ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الانخراط العسكري يعني بالضرورة تخلي القوى الجنوبية عن حساباتها السياسية. فما تزال قطاعات مؤثرة داخلها ترى أن أي مشاركة خارج حدود الجنوب يجب أن ترتبط بتقدير دقيق للمكاسب والمخاطر، وألا تتحول إلى التزام مفتوح يعيد استنزاف القوات الجنوبية في جبهات لا تنعكس نتائجها بالضرورة على أمن الجنوب أو مستقبله السياسي.


ومن هنا، تبرز أمام هذه القوات معادلة مزدوجة: فمن جهة، يشكل التقدم الحوثي نحو باب المندب ومحيط لحج تهديداً مباشراً للمجال الأمني الجنوبي، بما يجعل التدخل العسكري في بعض الجبهات مسألة دفاعية لا يمكن تجاهلها. ومن جهة أخرى، فإن توسيع هذا التدخل إلى ما هو أبعد من متطلبات حماية الجنوب يعيد فتح السؤال القديم حول العلاقة بين المشاركة في الحرب اليمنية الأوسع وبين المشروع السياسي الجنوبي.


وتزداد صعوبة هذه المعادلة في ظل تعدد القوى الموجودة على الأرض واختلاف مرجعياتها السياسية والعسكرية. فنجاح أي تحرك جنوبي في الساحل الغربي وباب المندب لن يتوقف على القدرة القتالية وحدها، بل على وجود تنسيق حقيقي مع التشكيلات الأخرى، وضمان عدم تكرار أزمة القيادة والثقة التي ساهمت في انهيار الجبهة خلال الهجوم الحوثي الأخير.


وعليه، فإن اختبار القوات الجنوبية في المرحلة المقبلة لا يقتصر على قدرتها على إيقاف التقدم الحوثي، بل يشمل قدرتها على الموازنة بين الضرورات العسكرية الآنية وحساباتها السياسية بعيدة المدى. وهي معادلة يصبح فيها أمن باب المندب وحماية محافظات جنوب اليمن جزءاً من التحدي نفسه، دون أن يعني ذلك بالضرورة الذوبان مجدداً في ترتيبات عسكرية واسعة تفتقر إلى رؤية سياسية واضحة.


الخلاصة


في المحصلة، لا تكشف انتكاسة الساحل الغربي عن خسارة ميدانية مؤقتة بقدر ما تكشف خللاً هيكلياً داخل المعسكر الحكومي في الشمال، يتمثل في تعدد التشكيلات العسكرية ومراكز القرار من دون غرفة عمليات مركزية أو منظومة قيادة قادرة على إدارة الجبهات باعتبارها مسرح عمليات واحداً.


وقد دفعت التطورات بالفعل إلى خطوات لإعادة ترتيب بعض التشكيلات، وفي مقدمتها "المقاومة الوطنية"، غير أن نجاح أي إعادة هيكلة سيظل محدوداً ما لم يعالج أصل المشكلة، ضعف التنسيق والثقة، والثغرات الاستخباراتية، وغياب قيادة عملياتية مركزية. فإعادة توزيع الوحدات أو تغيير مرجعياتها التنظيمية لن تكون كافية إذا بقيت الأسباب التي سمحت بانهيار الجبهة قائمة.


وتنسحب معضلة الثقة والتنسيق على مشاركة القوات الجنوبية أيضاً، وإن ضمن حسابات مختلفة. فالتقدم الحوثي نحو باب المندب ومحيط محافظات الجنوب يجعل هذه القوات طرفاً مباشراً في معركة الأمن الجنوبي، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه الموازنة بين الضرورة العسكرية وبين رؤيتها السياسية لمستقبل الجنوب وحدود الانخراط في الحرب الأشمل.


أما بالنسبة إلى السعودية، فإن ما جرى يفرض إعادة تقييم أوسع لمقاربتها للحرب في اليمن. فتمدد الحوثيين نحو باب المندب، بالتوازي مع قدرتهم على تهديد الأراضي السعودية ومنشآت الطاقة، يعني أن إدارة الصراع ضمن مستويات محدودة من الاحتواء لم تعد تضمن بالضرورة حماية المصالح السعودية أو منع تغير موازين القوة على الأرض. فالتحول نحو معركة شاملة وحاسمة ونهائية يبدو اليوم أقرب إلى الضرورة منه إلى الخيار، غير أن تحقيق ذلك يبقى مرهوناً بقدرة الرياض على حشد تأييد وتنسيق فعّالين على المستويين الإقليمي والدولي لخوض حرب بهذا الحجم والزخم الكبير.


المديرة التنفيذية لمركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا