التحليلات

تقدير موقف: القوات الجنوبية بين مكاسب باب المندب ومخاطر الاستنزاف

تعزيزات دفعت بها قوات العمالقة الجنوبية باتجاه مديرية المضاربة بمحافظة لحج، 12 أكتوبر 2026 (الصورة: من صفحة قوات العمالقة على X)

16-10-2026 الساعة 9 صباحاً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | زينة الغلابي


خلال الفترة الممتدة من مطلع سبتمبر إلى أكتوبر2026، طرأت تطورات ميدانية واسعة في اليمن شملت تصعيدًا عسكريا، ومواجهات مباشرة في جبهات داخلية متعددة، وتصعيداً سياسياً انتقل من الداخل اليمني إلى بيئة إقليمية أوسع، في ظل استمرار الهجمات الحوثية على منشآت مدنية واقتصادية داخل المملكة العربية السعودية، واستمرار التهديدات المحيطة بالملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب.


كان لقرار الحوثيون في كسر حالة الجمود العسكري في الجبهات الداخلية، وتوسيع نطاق الهجمات العسكرية المكثفة، تداعيات واسعة أفضت إلى تغيرات كبرى على موازين السيطرة الميدانية في الساحل الغربي. وقد سبقت ذلك مؤشرات تصعيد، أبرزها استهداف الحوثيين لميناء المخا بثلاث صواريخ بالستية، وسقوط صاروخاً رابعاً داخل مدينة الخوخة، في 26 أغسطس 2026، والذي كان أشبه بإنذار مبكر يشترط إعادة تقييم الجاهزية الدفاعية للقوات الموالية للحكومية المسيطرة على الساحل الغربي.


في التاسع والعاشر من سبتمبر، تصاعدت المواجهات في محيط المخا، وانتهت بسيطرة الحوثيين على المدينة وتراجع التشكيلات العسكرية المدافعة عنها، وفق ما أوردته الأمم المتحدة. وتزامن ذلك مع موجات نزوح من مناطق القتال، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية، نحو المناطق الآمنة نسبيا في عدن ولحج. وفي حين نُسبت إلى قيادة المقاومة الوطنية التابعة للعميد طارق صالح، تفسيرات للانسحاب تتعلق بكثافة الهجمات والخسائر البشرية ومخاطر التطويق، فإن تحديد الأسباب العسكرية المباشرة للتراجع، وطبيعة مشاركة التشكيلات العسكرية المختلفة، ومسؤوليات القيادة الميدانية، يظل بحاجة إلى توثيق رسمي إضافي، أو تحقيقاً مستقلاً.


خلال الأيام التالية، واصل الحوثيون تقدمهم باتجاه مضيق باب المندب، وسط تقارير عن سيطرتهم على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر. وفي 15 سبتمبر، أبلغت الأمم المتحدة مجلس الأمن بأن الحكومة اليمنية بدأت، هجوماً مضاداً عقب التقدم الحوثي، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات على جبهات داخلية متعددة.


كما تم استهداف خط أنابيب النفط شرق-غرب منطقتي الرياض والمدينة المنورة بواسطة عدة طائرات مسيرة صباح 10 سبتمبر، وفق بيان وزارة الطاقة السعودية الصادر في 11 سبتمبر. وأشارت الأمم المتحدة لاحقاً إلى أن الطائرات المسيّرة انطلقت من منطقة داخل العراق. وفي 14 سبتمبر، أعلن الحوثيون عن استهدافهم قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، وقدموا العملية باعتبارها رداً على 300 غارة جوية سعودية على الأراضي اليمنية، حسب قولهم.


خلال النصف الثاني من سبتمبر، استمرت المواجهات على جبهات متباعدة، بما أبقى التصعيد في الساحل الغربي مرتبطًا بالقتال في الداخل اليمني. وفي 28 سبتمبر، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية تنفيذ عمليات استهداف شملت الساحل الغربي وحرض والطوال ومأرب وتعز. وبالتوازي، أعلنت قوات العمالقة الجنوبية، بين 28 و29 سبتمبر، استهداف مركبات وإمدادات وتجمعات حوثية في جبهة كهبوب المحاذية لباب المندب.


اتساع دور العمالقة الجنوبية 


دخل التصعيد مرحلة جديدة في مطلع أكتوبر، بالتزامن مع تفاقم الضغط على مدينة تعز. قطع الحوثيون في 4 أكتوبر آخر طريق رئيسي يربط المدينة بمحافظات جنوب اليمن، بما زاد تعقيد حركة السكان والإمدادات، أضفى هذا التطور أهمية إضافية على جبهات المحافظة؛ حيث تزامن الضغط على تعز مع التحضير لهجوم مضاد في المناطق المحيطة بباب المندب. في 5 أكتوبر، أُعلن انطلاق عملية عسكرية، أسمتها الحكومة "فجر اليمن". في الميدان ظهرت قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن في الهجوم على المواقع الحوثية بمديرية ذوباب ومحيط باب المندب. وبحسب بيان للعمالقة، شملت النتائج المعلنة السيطرة على مطار ذوباب وقطع الطريق الرئيسي بين المخا وباب المندب، ومحاصرة مواقع حوثية، مما يعني أن استقرار هذهِ النتائج ميدانيًا، يمنح القوات المهاجمة قدرة أكبر على إضعاف الاتصال البري بين مواقع الحوثيين في القطاع الساحلي الجنوبي.


وخلال الأيام التالية، اقترن الهجوم البري بتكثيف العمليات الجوية السعودية، ففي 9 أكتوبر، أعلنت الرياض تنفيذ عملية واسعة قال إنها أسفرت عن تدمير 136 هدفاً عسكرياً في مناطق سيطرة الحوثيين، وفي 10 أكتوبر استمر تقدم العمالقة ودرع الوطن، بدعم الغطاء الجوي السعودي، في باب المندب وذوباب وتأمين جبال كهبوب. في اليوم ذاته ذهب الحوثيون نحو تصعيد يرفع من كلفة الحرب ويشل الحركة المدنية في السعودية، حيث أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني، مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين جراء قصف صاروخي للحوثيين على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، مع تعليق عملياته التشغيلية مؤقتاً، كما أعلنت السلطات السعودية في 11 اكتوبر، تعرض مطار الملك فهد الدولي بالدمام للاستهداف، وترافقت هذه التطورات مع بيان مشترك للسعودية ومصر وباكستان وتركيا أدان الهجمات الحوثية، وطالب بوقفها فوراً ودون شروط، ويمثل البيان اتساعاً في التنسيق الدبلوماسي الداعم للرياض، دون أن يثبت في ذاته، ترتيبات لمشاركة عسكرية جديدة من الدول الموقعة.


كان لألوية العمالقة عاملاً رئيسياً في استعادة المبادرة البرية في محور باب المندب، على أساس الوقائع المعروضة ميدانياً، فقد تمثلت قيمة مشاركتها الفعلية في القدرة على تحويل الضغط العسكري إلى تقدم ميداني، وإجبار الحوثيين على الانشغال بحماية مواقعهم وخطوط اتصالهم بعد مرحلة من التوسع، وبذلك، فقد تجاوز أثرها استعادة الأرض إلى تغيير اتجاه المعركة، وإعادة الثقة بإمكانية وقف الاندفاع الحوثي ودفعه إلى التراجع.


وتنبع الأهمية لهذا الدور من ارتباط باب المندب بأمن الجنوب وساحله الغربي ومداخل لحج وعدن. فوجود قوة معادية قادرة على تثبيت مواقعها في هذا النطاق يفرض ضغطًا مستمراً على المجال الأمني الجنوبي، ويجعل تأمينه مصلحة مباشرة. ومن ثم، يمكن فهم انخراط العمالقة باعتباره سعيًا لإبعاد التهديد عن المناطق الجنوبية، وتعزيز قدرة الجنوب على التأثير في الترتيبات الأمنية المتعلقة بالمضيق والساحل.


القوات الجنوبية: ما بعد الساحل الغربي 


المفارقة الأساسية في لعب التشكيلات العسكرية الجنوبية دوراً محورياً في توازن المعركة في الوقت الراهن، أن هذا النجاح قد يفتح الباب أمام توسيع المهام بما يتجاوز المصلحة الجنوبية المباشرة، حيث إن كل تقدم يمكن أن يولّد مطالب بمواصلة القتال نحو مناطق أبعد، لتنتقل القوات تدريجيًا من تأمين نطاق حيوي إلى تحمّل عبء حملة برية ممتدة، وهنا يصبح الخطر في اتساع المسافة بين الهدف الذي دخلت القوات المعركة من أجله، والالتزامات التي تُفرض عليها بفعل نجاحها.


قد يشمل الاستنزاف المحتمل للقوات الجنوبية خسائر في الأفراد والقيادات وتآكل الجاهزية تدريجياً، لكنه من المتوقع أن يمتد أيضاً إلى ضعف القدرة على حماية الجنوب نفسه، فإبقاء الوحدات الأكثر خبرة في جبهات بعيدة لفترات طويلة يقلل من المرونة في مواجهة تهديدات أخرى، ويضاعف الأعباء على القوات الجنوبية -المرابطة في مواقعها-التي قد تتحمل كلفة القتال وحدها، إذا ما شن الحوثيون هجوم مباغت على مواقعهم. بالإضافة إلى أن السيطرة على مناطق إضافية تخلق مسؤوليات تتعلق بالأمن والسكان والخدمات، وقد تتحول إلى التزام طويل لا تنتهي كلفته بانتهاء المواجهة المباشرة.


سياسيا، فإن عدم التناسب بين حجم التضحية الجنوبية وحجم المشاركة في القرار، هو أبرز ما يطرح نفسه كسؤال ملح، عندما تنتقل المعركة من الميدان إلى عملية تسوية سياسية، فإذا تحمّلت القوات الجنوبية العبء البري الأكبر دون دور واضح في تحديد أهداف الحملة وحدودها وترتيبات ما بعدها، فقد تتحول كفاءتها العسكرية إلى مورد تستفيد منه أطراف أخرى، بينما تبقى كلفتها البشرية والاجتماعية جنوبية. لذلك ترتبط قيمة الإنجاز بقدرة القيادة الجنوبية على ترجمتها إلى شراكة فعلية في القرار وضمانات لأمن الجنوب، مع تجنب افتراض أن الانتصار الميداني يمنح مكاسب سياسية تلقائية.


وعلى ضوء ذلك، يقتضي تقييم أي توسع في المشاركة وفق صلته المباشرة بأمن الجنوب، ووضوح هدفه ونهايته، وتناسب كلفته مع عائده، وعدالة تقاسم أعبائه بين الشركاء، كما يتطلب وضوح الجهة التي ستتولى إدارة المناطق بعد استعادتها، حتى لا تتحول القوات المقاتلة إلى قوة انتشار دائمة تستنزفها المهام المفتوحة، فالقدرة على التقدم ينبغي أن تقترن بالقدرة السياسية على تحديد حدود الالتزام.


تبقى المشكلة الأوسع للحرب اليمنية منذ الهدنة الأخيرة برعاية الأمم المتحدة2022، حتى التصعيد الأخير في غياب الوضوح في العلاقة بين الأهداف العسكرية والسياسية. فحماية الحدود السعودية، وتأمين باب المندب، واستعادة مناطق يمنية، وإنهاء سلطة الحوثيين، أهداف متفاوتة في متطلباتها وكلفتها، وإذا لم تُحدَّد أولوياتها وحدودها، فقد تتسع الحملة تدريجياً وتتحول المكاسب الموضعية إلى التزامات مفتوحة.


عدن.. ورقة الإرباك العسكري والسياسي


القيمة الفعلية لاستهداف عدن وإدخالها ضمن الأهداف الحوثية في المعركة الراهنة، يعد خطوة تصعيدية يسهل التنبؤ بها، لكون عدن مركز الثقل للحكومة المعترف بها دولياً والقوات الجنوبية، واستهداف قصر معاشيق (مقر الحكومة) بالصواريخ البالستية في 15 اكتوبر2026، هي محاولة ضمن محاولات الإرباك للحالة الأمنية -التي تمارسها جماعة الحوثي- على محافظة مأرب أيضاً، واستخدامها في هذا التوقيت من عمر التصعيد الحوثي-السعودي، يأتي بغرض فرض أعباء داخلية- في مناطق سيطرة الشرعية-على أصعدة متفاوتة، عسكريا واقتصاديا، والاستفادة من خلق حالة شعبية من عدم الثقة بقدرة السلطة المحلية، والسعودية معاً على إدارة المعركة في حدودها الضيقة في الساحل الغربي، وجرها لتتحول معركة مفتوحة في كلّ مناطق الحكومة -الآمنة نسبيًا-، بما فيها العاصمة عدن.


المبالغة في تقدير توسّع الحوثيين باتجاه عدن؛ قد يولد ارتباكا وضغطا سياسيا، ويحد من قدرة القوات الجنوبية على تثبيت مكاسبها الساحلية وتركيز جهودها هناك، لكنه لا يعني أيضاً تجاهل الرسائل الحوثية التي تختبر فرص التوسع جنوبا من خلال استمرار المواجهات في جبهات الضباب والأقروض والشقب بمحافظة تعز، والمواجهات في جبهة المضاربة، محافظة لحج في12 أكتوبر، واستمرار حالة التأهب والمرابطة والإسناد في كل من كرش والصبيحة.


كما يعد ظهور رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي في هذا التوقيت دلالة تتجاوز المناسبة التذكارية في ظاهرها، وتنظم بشكل مباشر حالة الاستجابة السياسية والاجتماعية للتصعيد، وتربط خطاب التعبئة لمواجهة الحوثي بشكل مباشر بالدفاع عن الجنوب واستمرار مشروعه السياسي، وتقديم المشاركة العسكرية بصورة متصلة بمصلحة جنوبية محددة. من منظور واقعي، فإن ظهور الزبيدي قد يلعب دوراً إيجابيا على مستوى الجبهات، ويسهم في رفع المعنويات وتعزيز الشعور بوجود غطاء سياسي للتضحيات، لكنه غير قادر بمفرده، وهو خارج السلطة على تحمل أعباء القتال المحتملة، أو تفاوت التنسيق بين التشكيلات الجنوبية، وفي الوقت نفسه لا يثبت بشكل قاطع حصول تفاهمات جديدة بين أبوظبي والرياض، وإمكانية قبول الشركاء المحليين، والإقليميين بمطالبه.


ولكن يمكن للجنوبيين البناء على ما أعلنه الزبيدي في خطابهِ، والاتفاق على أولويات مشتركة تحمي الجبهة الداخلية الجنوبية دون أن تلغي التنافس السياسي.


توصيات لصناع القرار الجنوبيين:


•تحديد أهداف المشاركة وحدودها سياسيا وعسكريا، وتحمل كلّ طرف جنوبي مشارك المسؤولية الكاملة عن أي توسع في الالتزامات.


•إعداد موقف جنوبي مشترك من أي تهدئة سعودية–حوثية محتملة، وتحديد الضمانات المطلوبة لمنع انتقال الضغط العسكري إلى الجبهات الجنوبية بعد توقف الهجمات على السعودية.


•تشكيل فريق اتصال سياسي جنوبي -بين منهم داخل إطار السلطة وخارجها، يتولى التواصل مع السعودية والإمارات والأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية، ويقدم موقفا متسقا بشأن حماية الجنوب، وضمانات التهدئة، وتقريب وجهات النظر والرؤى. 


•إقرار تفاهم مؤقت لإدارة الخلافات الجنوبية، والتزام القوى السياسية بوقف التخوين والتحريض وتبادل الاتهامات، مع استمرار حق النقد والمساءلة.


•إعطاء الدفاع عن الجنوب وحماية سكانه الأولوية في قرارات قيادة قوات العمالقة، والقوات الجنوبية الأخرى، ومراجعة حجم الانخراط في معركة الساحل الغربي إذا اشتدت المواجهات على الجبهات الجنوبية.


•السعي إلى إقرار دور القوات الجنوبية كشريك مستقل في ترتيبات حماية أمن الملاحة في باب المندب وخليج عدن، وبناء شراكات أمنية إقليمية متوازنة، تضمن للقوات دعمًا مستداما في التدريب والتجهيز، وتمثيل مباشر في آليات التنسيق.


زينة الغلابي

باحثة غير مقيمة في مركز سوث24؛ تكتب في شؤون الجماعات من دول الدول

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا