التقارير الخاصة

المحاميات في اليمن: من تحديات دخول المهنة إلى أعباء ممارستها خلال الحرب

محاميات يمنيات يشاركن في ورشة تدريبية لمركز سوث24 حول الوساطة المجتمعية والحوكمة المحلية في عدن، جنوب اليمن، 12–14 أكتوبر 2026. (مركز سوث24)

آخر تحديث في: 22-10-2026 الساعة 6 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | لطيفة الظفيري


بين الطموح إلى الدفاع عن الحقوق وصعوبات ممارسة المهنة، تواجه المحاميات اليمنيات تحديات تبدأ من محدودية فرص التدريب وأعبائه المالية، وتمتد إلى الأحكام المسبقة والعراقيل القضائية، في ظل حرب مستمرة منذ أكثر من عقد أضعفت مؤسسات العدالة وزادت من تعقيد العمل القانوني.


وتكشف شهادات سبع محاميات من محافظات مختلفة، تتراوح خبراتهن بين عامين وعشرين عامًا، عن تجارب متباينة؛ فمنهن من نجحن في تجاوز النظرة المجتمعية وإثبات حضورهن داخل المحاكم، وأخريات يواجهن صعوبات التأهيل والممارسة، فيما اضطرت إحداهن إلى ترك المهنة بسبب تداعيات الحرب وتدهور البيئة القضائية.


ورغم هذه التحديات، تؤدي المحاميات دورًا في تقديم المساعدة القانونية والدفاع عن حقوق المتقاضين، خصوصًا النساء والفئات الأكثر ضعفًا. ويتناول هذا التقرير لمركز سوث24، استنادًا إلى شهادات ميدانية ومداخلات قضائية وحقوقية وبيانات أممية، واقع المحاميات في اليمن، من عقبات دخول المهنة وتحديات العمل داخل المحاكم إلى تأثير الحرب في استمرارهن وإسهامهن في تعزيز الوصول إلى العدالة.


من دراسة القانون إلى ممارسة المحاماة


نشأت رغبة المحامية وداد أحمد في دراسة القانون من واقع الانتهاكات التي شاهدتها خلال طفولتها في مديرية دمت بمحافظة الضالع، حيث كانت النساء، بحسب روايتها، يواجهن الحرمان من التعليم والزواج المبكر وسلب حقوقهن في الميراث، وسط قيود اجتماعية تحد من قدرتهن على المطالبة بحقوقهن.


وتستعيد وداد تلك المرحلة قائلة لمركز سوث24: «كنت شاهدة عن قرب على حجم الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في القرية»، مشيرة إلى أن ما رأته دفعها منذ الصغر إلى اتخاذ قرار بدراسة القانون والدفاع عن النساء. وتضيف: «عاهدت نفسي قائلة: سأدرس وأكون محامية لأدافع عن حقوق النساء... وأكون نصيرة للمرأة»، رغم ما واجهته من سخرية واستهزاء بسبب طموحها.


لكن الوصول إلى مهنة المحاماة لا ينتهي بالحصول على المؤهل الجامعي، إذ يتعين على خريجات القانون اجتياز مرحلة التدريب المهني قبل ممارسة المهنة بصورة مستقلة. وينص قانون تنظيم مهنة المحاماة اليمني رقم 31 لسنة 1999 على فترة تدريب مدتها ثلاث سنوات، ويتيح للمحامين تحت التمرين الترافع أمام المحاكم الابتدائية بالإنابة عن المحامي المشرف، بعد مضي ستة أشهر على الأقل، وعلى مسؤوليته.


وتكشف شهادة المحامية تحت التدريب سارة الزهراني، من عدن، عن فجوة بين متطلبات التأهيل المهني وفرص اكتساب الخبرة العملية. فبحسب ما أفادت به لمركز سوث24، تواجه المتدربات شحًا في فرص التدريب الحقيقي على الترافع، بينما تنحصر غالبية المهام الموكلة إليهن في أعمال إدارية، إلى جانب غياب التدريب المدفوع الأجر. وتقول إن هذه الصعوبات تتضاعف بفعل النظرة المجتمعية التقليدية تجاه عمل المرأة داخل المحاكم.


وفي محافظة الجوف، تصف المحامية تحت التدريب أميرة السودي أعباءً مالية مشابهة، موضحة أن بعض المتدربات يعملن طوال اليوم وينبن عن المحامي المشرف دون الحصول على مقابل مالي، بل يضطررن إلى تحمل مصروفات العمل من أموالهن الخاصة. وتضيف لمركز سوث24 أن صعوبات التنقل بين المديريات، وتباعد المؤسسات القضائية ونقاط التفتيش، تزيد من الأعباء التي تواجهها المتدربات خلال هذه المرحلة.


وفي مقابل هذه التحديات، تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المنشورة في أبريل 2026، إلى إتاحة فرص تدريب عملي لـ25 طالبة قانون من جامعتي عدن وحضرموت داخل المحاكم ومراكز الشرطة والنيابة العامة، بواقع 15 طالبة من جامعة عدن وعشر من جامعة حضرموت. ويقدم هذا البرنامج مثالًا على الجهود المبذولة لربط التعليم القانوني بالتطبيق العملي، وإن كانت نتائجه لا تعكس بالضرورة حجم فرص التدريب المتاحة لخريجات القانون في اليمن عمومًا.


بين الأحكام المسبقة وتحديات العمل في المحاكم


لا تتوقف التحديات التي تواجه المحاميات اليمنيات عند مرحلة التدريب والتأهيل، بل تمتد إلى ممارسة العمل داخل المحاكم والنيابات، حيث تتفاوت تجاربهن بين التشكيك في قدراتهن المهنية بسبب النظرة الاجتماعية التقليدية، وصعوبات التعامل مع بعض العاملين في المؤسسات القضائية، في حين تشير تجارب أخرى إلى تحسن تدريجي في تقبل حضور النساء في المهنة.


وتروي المحامية حنان الكثيري، من مدينة سيئون بمحافظة حضرموت، أن بدايات عملها واجهت أحكامًا مسبقة بشأن قدرة المرأة على ممارسة المحاماة، لا ترتبط بمستوى كفاءتها بقدر ما تعكس التصورات الاجتماعية السائدة حول أدوار النساء. وقالت لمركز سوث24 إن أكثر المواقف تحديًا بالنسبة إليها كان دخولها محاكم سيئون بوصفها أول محامية، وفقًا لروايتها، في بيئة قضائية اعتادت حضور الرجال.


وتوضح الكثيري أن وجودها أثار في البداية الاستغراب والدهشة، بل والرفض من بعض العاملين في المحاكم، قبل أن تبدأ هذه النظرة بالتغير تدريجيًا مع دخول محاميات أخريات إلى الميدان. وتشير إلى أن حضور النساء في المحاكم أصبح أكثر تقبلًا مقارنة بمرحلة بداياتها المهنية، رغم استمرار بعض الأحكام المسبقة بدرجات متفاوتة.


وفي أرخبيل سقطرى، تقدم المحامية أميرة مهدي تجربة مختلفة، إذ تقول إنها المحامية الوحيدة في الأرخبيل، في مقابل وجود عدد كبير من المحامين الرجال. وأوضحت لمركز سوث24 أن هذه الخصوصية تنعكس على طبيعة تعامل بعض القضاة معها، فبينما تجد تعاونًا واحترامًا من آخرين، تلاحظ تحفظًا لدى بعضهم تجاه التعامل مع امرأة تمارس المحاماة، مقارنة بطريقة تعاملهم مع زملائها الرجال.


ولا تقتصر التحديات على الأحكام المسبقة المرتبطة بالنوع الاجتماعي، إذ تشير المحامية سمية باعلي، من حضرموت، إلى عراقيل تتصل بنزاهة الإجراءات القضائية. وقالت لمركز سوث24 إن من أصعب المواقف التي تواجهها أثناء ممارسة المهنة الاصطدام بممارسات تتطلب دفع رشاوى لتسيير الإجراءات، مستشهدة بحالات يرفض فيها موظف أو شرطي تنفيذ أمر قبض قضائي دون مقابل مالي، أو يتلاعب عضو نيابة بملف قضية، بحسب إفادتها.


ومن صنعاء، تقدم المحامية بنيان جمال تقييمًا مختلفًا لطبيعة الصعوبات المهنية، إذ تؤكد لمركز سوث24 أنها لم تواجه مشكلة بسبب كونها امرأة، لكنها ترى أن المشكلة الأساسية تكمن في القوانين التي لا تنصف النساء، إلى جانب ما تصفه بتزايد اتخاذ بعض القرارات وترتيب المصالح القضائية داخل مجالس القات، وهي مساحات اجتماعية يصعب على النساء المشاركة فيها بالطريقة نفسها التي يشارك بها الرجال.


وفي مقابل هذه التجارب، يقدم وكيل النيابة السابق في عدن، علي العرشاني، تقييمًا إيجابيًا لأداء المحاميات، إذ يرى أن مستواهن المهني أمام النيابات جيد إلى حد كبير، وفقًا لما لمسه خلال تجربته العملية. ويؤكد لمركز سوث24 أنه لم يلاحظ عوائق جوهرية تمنع المحاميات من أداء مهامهن القانونية، مشيرًا إلى أنهن يتولين الدفاع عن موكليهن ومتابعة القضايا على قدم المساواة مع زملائهن الرجال.


الحرب وتحديات الاستمرار في المهنة


فاقمت سنوات الحرب في اليمن التحديات التي تواجه العاملين في مهنة المحاماة، في ظل تراجع فاعلية المؤسسات القضائية وتزايد العراقيل التي تعترض إجراءات التقاضي وتنفيذ الأحكام. ولم تقتصر تداعيات النزاع على صعوبة ممارسة العمل القانوني، بل امتدت إلى قدرة بعض المحاميات على الاستمرار في المهنة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات الدفاع والمساعدة القانونية.


وتجسد تجربة المحامية وداد أحمد، جانبًا من هذه التداعيات، إذ اضطرت إلى ترك مهنة المحاماة منذ عام 2019، بعدما حاولت الاستمرار في العمل لسنوات عقب اندلاع الحرب، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن أداء مهامها في ظل الظروف السائدة.


وتقول وداد: «تركت مهنة المحاماة في الوقت الحالي بسبب الأوضاع الكارثية في اليمن. حاولت الصمود بعد الحرب لعدة سنوات، لكنني لم أقدر. وصل بي الأمر إلى مرحلة شعرت فيها أنني أكذب على نفسي وأكذب على موكلي حين أوهمه بأننا قادرون على إرجاع حقوقه».


وتعكس شهادتها تأثير تدهور البيئة القضائية في قدرة المحامي على متابعة حقوق موكليه، إذ قد يصبح الاستمرار في ممارسة المهنة أكثر صعوبة عندما تتراجع فاعلية الإجراءات القانونية وإمكانات إنفاذ الحقوق، حتى مع امتلاك المحامي التأهيل والخبرة المهنية.


وتبرز إلى جانب هذه المخاطر أعباء مرتبطة بالتنقل وتكاليف العمل، خصوصًا بالنسبة إلى المحاميات في المراحل الأولى من المهنة. وتشير المحامية تحت التدريب أميرة السودي، إلى أن غياب مجمع قضائي موحد وتباعد المديريات ونقاط التفتيش يجعل متابعة الإجراءات القانونية والتنقل بين الجهات المختصة أكثر صعوبة، في ظل اضطرار بعض المتدربات إلى تحمل نفقات العمل من أموالهن الخاصة.


وتتقاطع هذه الصعوبات مع ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش في مارس 2024 بشأن القيود المفروضة على حركة النساء في مناطق يمنية مختلفة، وما تتركه من آثار على قدرتهن على الوصول إلى العمل والخدمات. ورغم اختلاف طبيعة هذه القيود بحسب المنطقة والجهة المسيطرة، فإنها تبرز جانبًا من الظروف العامة التي تؤثر في النشاط المهني للنساء خلال النزاع.


المحاميات ودورهن في تعزيز الوصول إلى العدالة


رغم التحديات المهنية والقضائية، تؤدي المحاميات اليمنيات دورًا في تقديم المساعدة القانونية والدفاع عن حقوق المتقاضين، لا سيما النساء والفئات الأكثر ضعفًا، في ظل تزايد الاحتياجات القانونية وتراجع القدرة على تحمل تكاليف التقاضي خلال سنوات الحرب.


وتؤكد رئيسة اتحاد نساء اليمن في عدن، فالنتينا مهدي، أن المحاميات يضطلعن بدور بارز في قضايا الأحوال الشخصية وحقوق النساء والأطفال، خصوصًا قضايا النفقة والسكن والحضانة. وتوضح لمركز سوث24 أنهن يسعين إلى الصلح وتقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع، قبل اللجوء إلى القضاء عند تعذر التسوية، مشيرة إلى أن نقص التمويل وتهرب بعض الأزواج من الإنفاق وعدم توفير سكن للحضانة من أبرز التحديات التي تواجه خدمات العون القانوني والنساء المستفيدات منها.


ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شاركت محاميات من اتحاد نساء اليمن، بالتعاون مع عاملين مجتمعيين وجهات معنية، في تقديم المساعدة بشأن 450 قضية قانونية بين فبراير ويوليو 2024، استفادت النساء في 145 قضية منها. 


وبحسب إفادة صندوق الأمم المتحدة للسكان لمركز سوث24، دعم الصندوق خلال عامي 2025 و2026 ما مجموعه 56 محامية قدمن خدمات قانونية للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي في عدد من المحافظات اليمنية، شملت عدن وتعز وشبوة ومأرب والمهرة وحضرموت وأبين ولحج وصنعاء والحديدة وحجة وعمران وذمار والمحويت. وتنوعت الخدمات بين الاستشارات القانونية، والتمثيل أمام المحاكم، والتوعية بالحقوق، والمساعدة في استخراج البطاقات الشخصية للنساء والفتيات الناجيات من العنف.


وأوضح الصندوق أن هذه الخدمات تُقدم عبر المساحات الآمنة للنساء والفتيات ودور الإيواء، إلى جانب الوصول المباشر والإحالات من مخيمات النزوح والشركاء، وفق نظام إدارة الحالة. ووفقًا للبيانات التي قدمها، استفادت 17,621 حالة من خدمات الاستشارات والمساعدة القانونية، بينها 1,335 حالة حصلت على دعم التمثيل القانوني أمام المحاكم، فيما استفادت 1,041 حالة من خدمات استخراج البطاقات الشخصية.


من جانبه، يشير أمين شمسان، مستشار مؤسسة «ميون» لحقوق الإنسان، إلى ارتفاع الطلب على العون القانوني خلال الحرب، في مقابل غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة ترصد الخدمات المقدمة للنساء. وأوضح لمركز سوث24 أن المؤسسة قدمت خلال العام السابق لإفادته 120 خدمة قانونية للنساء المتضررات من الحرب، بجهود ذاتية وبمشاركة محاميات متطوعات.


وشدد رئيس مؤسسة حماية القانون وتعزيز السلم الاجتماعي، د. عبد الله شداد، على أهمية حضور المحاميات في تسهيل وصول النساء إلى القضاء، مشيرًا في حديثه لمركز سوث24 إلى أن بعضهن يقبلن الحد الأدنى من الأتعاب في قضايا العون القضائي، بما يساعد غير القادرين على تحمل تكاليف التقاضي. ويرى أن وجودهن يشجع النساء وأسرهن على المطالبة بحقوقهن، مؤكدًا أهمية التكامل المهني بين المحامين والمحاميات.


وفي النهاية، يمكن القول إن تجارب المحاميات اليمنيات تعكس واقعًا مهنيًا متباينًا؛ فبينما نجحت بعضهن في تجاوز العوائق وإثبات حضورهن داخل المؤسسات القضائية، لا تزال أخريات يواجهن صعوبات تحد من قدرتهن على ممارسة المهنة والاستمرار فيها. وفي ظل الحاجة المتزايدة إلى المساعدة القانونية، يبقى تعزيز حضور النساء في المحاماة مرهونًا بتحسين فرص التدريب والتأهيل، وحماية استقلال القضاء وحقوق الدفاع، وتوفير بيئة مهنية آمنة تضمن تكافؤ الفرص وتمكّن المحاميات من أداء دورهن في تعزيز الوصول إلى العدالة.


لطيفة الظفيري
صحفية وباحثة يمنية 

- يأتي هذا التقرير ضمن مشروع ممول من "صندوق العمل العاجل" (Urgent Action Fund)، بهدف تسليط الضوء على القضايا المناخية والبيئية وقضايا المرأة وذوي الإعاقة.

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا