التقارير الخاصة

الحوار الجنوبي في الرياض: مسار حقيقي أم إدارة مؤقتة لاحتواء الأزمة؟

الصورة: لنشطاء حضروا اللقاء التشاوري الجنوبي في الرياض (وفد المجلس الانتقالي الجنوبي) على طريق الحوار الجنوبي، 18 يناير 2026

Last updated on: 03-02-2026 at 10 PM Aden Time

مركز سوث24| عبد الله الشادلي 


وسط تحولات عسكرية وسياسية عنيفة هزت موازين القوى في جنوب اليمن، برزت العاصمة السعودية الرياض كمنصة لطبخ واقع سياسي جديد تتصدره مبادرة الحوار الجنوبي الذي أعلنت المملكة رعايتها له بعد طلب تقدمت به شخصيات جنوبية مقربة من الرياض ومحسوبة على أحزاب يمنية، لعقد هذا الحوار.


وتتجاوز مبادرة الحوار الجنوبي كونها مجرد "استجابة" لدعوات محلية. فالتوقيت الذي اختارته الرياض لم يبد بأي حوال من الأحوال عفوياً، بل جاء كتتويج لحزمة إجراءات عسكرية وسياسية أدت لخروج القوات المسلحة الجنوبية من وادي حضرموت والمهرة تحت وطأة الضربات الجوية الكثيفة، وحلول قوات "درع الوطن" ووحدات شمالية بديلة عنها.


كما تزامنت الدعوة للحوار مع جهود السعودية لتفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي، وهي الجهود التي أدت لإعلان وفد - أرسله المجلس الانتقالي إلى الرياض  - إعلان حل المجلس في 9 يناير الماضي في ظروف غامضة، وبعد أيام من انقطاع التواصل بأعضاء هذا الوفد وأنباء عن احتجازهم.

 

وبينما حاول الإعلام السعودي تصوير الحوار كاستجابة لمبادرة رسميًة – وقال إنه جاء بطلب من رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي –  إلا أن السياق السياسي يشير إلى أن بعض الشخصيات المشاركة في إطلاق الدعوة للحوار، المحسوبة أصلاً على أحزاب يمنية تقليدية، كانت بمثابة قنوات لتمرير رغبة السعودية في احتواء الأوضاع في الجنوب.


في الجهة المقابلة، يرى البعض أن هذه المبادرة السعودية تمثل فرصة استثنائية لتدويل قضية الجنوب والعمل لأجلها على المسارات الإقليمية والدولية، والاستفادة من رغبة السعودية في ملء فراغ الإمارات في جنوب اليمن على كل المستويات العسكرية والسياسية والأمنية. 


وهي رغبة تتصادم مع ذاكرة الألم والدم الجنوبية التي ترسخت خلال الأسابيع الماضية، وتكاثفت على هيئة مليونيات وتظاهرات شعبية غير مسبوقة في العاصمة عدن ومدن جنوب اليمن الأخرى، رفضًا لحل المجلس الانتقالي الجنوبي وتأييدًا لرئيس المجلس اللواء عيدروس الزبيدي الذي لا يعرف أين هو بالضبط اليوم، لكنه كان قادرًا على حشد الجماهير عبر صفحاته الإلكترونية مرتين خلال يناير. 


ما الهدف من الحوار؟


على أكثر المستويات المتفائلة، يرى السياسي الجنوبي عادل الشبحي أن المأمول من “الحوار الجنوبي في الرياض” يتمثل أساساً في بلورة رؤية سياسية جامعة يتوافق عليها مختلف المكونات والشخصيات الجنوبية المشاركة في المؤتمر المرتقب، بما يلبي تطلعات الجنوبيين ويجسد إرادتهم السياسية.


وأضاف الشبحي لمركز سوث24 أن التغريدة الصادرة عن الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي كانت واضحة وصريحة، إذ حددت ملامح المسار الذي ترعاه المملكة، سواء من حيث دعم الحوار، أو إشراك مختلف أطياف الجنوب، أو ربط هذا المسار بالتأييد الدولي، مع التأكيد على احترام الإرادة والتطلعات الجنوبية. 


وأشار الشبحي إلى أن الهدف الجوهري من هذا الحوار لا يقتصر على صياغة موقف سياسي فقط، بل يتعداه إلى إيجاد رؤية قادرة على تحقيق السلم الاجتماعي والأمن والاستقرار، وإنهاء دوامة الصراعات والحروب، وتهيئة بيئة مستقرة يعيش فيها المواطنون بسلام، مع توفر حد مقبول من الخدمات، ووضع حد لمنطق السلاح والعنف.


من جهته، يقدم المحلل السياسي  د. عمر عبداللاه باعباد قراءة أكثر تأنيًا للحوار. مؤكدًا أن قراءة المشهد لا يمكن فصلها عن وتيرة المتغيرات المتسارعة، حيث إن الأحداث تتغير بسرعة تجعل من الصعب إصدار تقييمات ثابتة. 


وفي التوقيت الذي يؤيد فيه الحوار الجنوبي من حيث المبدأ، يرى باعباد أن المدخل الأكثر واقعية لنجاح أي حوار خارجي يبدأ أولاً بحوارات داخلية بين أبناء محافظات الجنوب (عدن، حضرموت، الضالع، لحج، أبين، شبوة، المهرة، سقطرى) بهدف لمّ الشمل وتوحيد الكلمة. 


وأضاف لمركز سوث24 أن بعض المخاطر المتعلقة بالحوار اليوم ترتبط بطريقة إدارة الدعوات الحالية للقاءات التشاورية والتمهيدية في الرياض، معتبراً أن غياب معايير واضحة، جغرافيًا أو سياسيًا، في اختيار الشخصيات والكوادر الأكاديمية قد يفاقم الخلافات بدلاً من معالجتها، واصفاً التنسيق العشوائي بأنه عامل رئيسي في تعميق الانقسامات وإفشال المسارات السياسية المرتبطة بالحوار.


مُتعلق: جنوب اليمن عند مفترق التحولات: هندسة النفوذ ومآلات المرحلة


لكن عضو الدائرة السياسية بمؤتمر حضرموت الجامع، رشا بن هامل، ترى أن الحوار الجنوبي مرتبط بالمسألة اليمنية ومشكلة السعودية مع الحوثيين، أكثر من ارتباطه بحل قضية الجنوب نفسها.


وقالت لمركز سوث24 إن الخلفيات الحقيقية للحوار تكمن في رغبة الرياض في ترميم معسكر الشرعية المتهالك.  وأضافت: "الرياض تدرك أن أي تفاوض جاد مع جماعة الحوثيين يتطلب وجود طرف قوي ومتماسك على الأرض، وأن بقاء الجبهة الجنوبية في حالة تفكك يضعف الموقف التفاوضي للتحالف والشرعية".


وترى الخبيرة السياسية مدينة عدلان أن الحوار الجنوبي في الرياض يشكّل فرصة لترسيخ ثقافة الحوار بين القوى الجنوبية، انطلاقًا من القاسم المشترك المتمثل في عدالة القضية الجنوبية، بما يسهم في احتواء الخلافات ومنع تحوّلها إلى صراعات.


وأشارت، في حديثها لمركز سوث24، إلى أن توقيت الحوار يأتي وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة، ما يجعل الحفاظ على التماسك الجنوبي عاملًا معزّزًا للموقع السياسي للقضية. وأكدت أن الحوار، إذا قام على العدالة واحترام الإرادة الشعبية، فلن يهدد هدف تقرير المصير، بل سيوحّد المسار نحوه.


وفي ما يتعلق بالضمانات السعودية، أوضحت مدينة عدلان أن لكل دولة مصالحها التي تتحرك في إطارها، معتبرة أن مصلحة المملكة العربية السعودية تكمن في إخراج الجنوب من دائرة الصراع، نظرًا لأهميته الاستراتيجية للأمن الإقليمي وخطوط الملاحة البحرية.


وأشارت إلى أن الصراع مع الحوثيين بات ذا أبعاد دولية، ما يدفع الرياض إلى البحث عن شريك جنوبي قوي وموحّد.


تمثيل مجزأ وضمانات غائبة


لم تكن تركيبة المشاركين في الرياض في المشاورات التمهيدية للحوار الجنوبي في الرياض تعكس الإرادة الشعبية الجنوبية بقدر ما عكست الرغبة السعودية في "تفتيت" التمثيل الجنوبي، من منظور بعض الجنوبيين. 


فقد شملت القائمة شخصيات جنوبية منتمية لأحزاب يمنية تقليدية، مقابل عشرات الشخصيات الجنوبية التي فقدت غطائها السياسي وهو المجلس الانتقالي وتشتت بحسب المحافظات التي تنتمي لها، بعد حل المجلس والإبقاء على بقية المكونات التي تدعمها السعودية في حضرموت ومحافظات أخرى في الجنوب. وهي المكونات نفسها التي حاولت السعودية في السنوات السابقة تقديمها كمنافسين محتملين للانتقالي في الجنوب.


وكان نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وعضو مجلس القيادة الرئاسي قبل عزله، اللواء فرج البحسني قد دعا، خلال مقابلة له مع وكالة فرانس برس، الأحد الماضي (11 يناير)، إلى عقد الحوار الجنوبي خارج السعودية، معتبرًا أن نجاح أي حوار يتطلب “أجواء ملائمة” بعيدًا عن الضغوط.


وترى رشا بن هامل أن التحدي الأبرز يكمن في إدارة التوقيت والتحولات، محذرة من خطر “التفكك العكسي” إذا فشل الحوار الجنوبي في استيعاب جميع الأطراف بعدالة، ما قد يدفع بعض القوى القبلية أو السياسية المتضررة إلى البحث عن رعاة إقليميين آخرين، وهو ما قد يعيد فتح باب التدخلات الخارجية .


وأضافت بن هامل أن الضمانة السعودية موجودة، لكنها مشروطة بعقلانية المخرجات، مؤكدة أن أي نتائج تعزز بناء الدولة وتحفظ الأمن وتمنع التمدد الإيراني ستحظى بدعم سعودي كامل، لحماية الأمن القومي للمملكة وتأمين باب المندب، معتبرة أن السعودية لن تجبر الجنوبيين على “الانتحار السياسي”، بل ستتعامل مع الكتلة الجنوبية الموحدة كورقة ضغط في مواجهة الحوثيين.


بدوره، تحدث عادل الشبحي عن المخاطر المحتملة، موضحاً أن الخطر الحقيقي لا يكمن في انعقاد الحوار بحد ذاته، بل في إخفاق الجنوبيين في التوافق على رؤية موحدة تضمن العيش المشترك وتترجم التضحيات إلى نتيجة سياسية ملموسة. 


ويرى الشبحي أن الهواجس التي ترافق أي حوار سياسي هي أمر طبيعي، لكنه يأمل في أن تشكل رعاية المملكة قيمة مضافة حقيقية نظراً لما تمتلكه الرياض من ثقل سياسي وتأثير واسع. 


وأضاف الشبحي: “لا أحد يعمل في السياسة يمكنه التقليل من أهمية هذا الحوار، خاصة وأننا أمضينا سنوات طويلة نسعى لاكتساب موقف داعم من الرياض، وها هو اليوم يُعلن بوضوح”، مشدداً على ضرورة التعاطي مع الحوار بأمل أن تخرج مخرجاته منسجمة مع تطلعات وإرادة الجنوبيين، وعدم استباق النتائج بتوقعات سلبية.


وأكد الشبحي أن قضية الجنوب يجب أن تُعالج من منطلق جنوبي أولاً، وبما يستند إلى مرتكزات وإرادة شعب الجنوب، مع مراعاة الجغرافيا والبعد الإقليمي.  مضيفًا أن تحقيق أي هدف سياسي جنوبي بمعزل عن الرياض أمر غير واقعي، ليس انتقاصاً من السيادة ولكن انعكاساً للتوازنات الإقليمية، معتبراً أن فرص تحقيق المطالب الجنوبية تظل قائمة عبر الرياض، لكنها تصبح شبه معدومة في حال تجاوزها أو تجاهل دورها.


وبالنسبة للمحلل السياسي عمر باعباد، فيركز على ضرورة توفر "الأجواء الملائمة" للمشاركين، مشيراً إلى أهمية اختيار مكان وزمان الحوار بما يضمن حريته، بعيداً عن الوصاية أو الإقامات الإجبارية أو الضغوط النفسية التي قد تؤثر على المتحاورين. 


وحذر باعباد من أن استمرار العشوائية في اختيار الشخصيات دون توافق مسبق داخل كل محافظة قد يفاقم الخلافات، مؤكداً أن السعودية لن تكون قادرة على دعم مخرجات يشوبها الخلاف والتنافر بين أطراف الحوار. 


حوار بلا كيان جنوبي جامع


توجت تحركات الرياض بشأن الجنوب بإعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي من قبل الوفد الذي وصل المدينة وضم شخصيات من الصف الأول. هذا القرار، الذي تلاه الأمين العام للمجلس تحت ضغوط سعودية، حسب قيادات الانتقالي في الداخل، وفي ظل غياب رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، أدى لتعميق الشكوك تجاه الحوار الجنوبي ونوايا السعودية. 


وبينما برر الموقعون القرار بحفظ وحدة الصف، إلا أن الواقع على الأرض في عدن وحضرموت والضالع ولحج أظهر رفضاً شعبياً ومؤسسياً عارماً، حيث اعتُبرت إجراءات الرياض "باطلة قانوناً وسياسياً" لأنها تمس ثوابت القضية الجنوبية وتفتقر لإرادة الأطراف الحقيقية. وقد استمرت المؤسسات الرئيسية للمجلس الانتقالي الجنوبي في العمل حتى اليوم، بما فيها الجمعية الوطنية.


كما أن هذه الخطوة أثارت تساؤلات كبيرة بشأن مشروعية تحركات الوفد الجنوبي في الرياض، الذي كان يستمد حق تمثيل قضية الجنوب من المجلس الانتقالي الجنوبي. وهو ما يتعارض مع قرار الحل نفسه، ويفقد هذه النخبة جزءًا كبيرًا من قوتها وأوراق الضغط والمناورة، خصوصًا أمام الأحزاب والمكونات الأخرى.


وما يزيد الأمور سوءًا هو المؤشرات على توجه لتصفية وجود المجلس الانتقالي الجنوبي على الأرض وتطبيق قرار الحل داخل الجنوب، كما حدث مع مقر الجمعية الوطنية الجنوبية في عدن الذي أغلقته قوة عسكرية يوم 29 يناير، قبل أن يفتح مرة أخرى وسط مسيرة جماهيرية حاشدة يوم 1 فبراير الجاري.


كما أن مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي في سيئون بوادي حضرموت تعرضت للاقتحام والنهب من قبل قوات الطوارئ الشمالية المدعومة من السعودية، بحسب ما أعلنت عنه الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي في وادي وصحراء حضرموت اليوم الثلاثاء (3 فبراير).


ويمكن القول إن الدعوة إلى معالجة قضية الجنوب من منطلق جنوبي خالص ليست كافية بذاتها لضمان مسار سياسي آمن أو منتج، ما لم تُحاط بقدر عالٍ من الواقعية والشك المنهجي في جدوى الأدوات المطروحة، وعلى رأسها مسار الحوار  والمعطيات داخل محافظات الجنوب. فالتجربة السابقة حول العالم أظهرت أن تحويل الإرادة الشعبية إلى مشروع تفاوضي غالباً ما يُفرغ من مضمونه عند دخوله فضاء التوازنات الإقليمية، حيث تُعاد صياغته وفق أولويات الآخرين لا وفق سقفه الأصلي. 


وعليه، فإن الرهان على الحوار الجنوبي بوصفه مساراً محايداً قد يخفي في طياته قابلية عالية لإعادة تدوير الأزمة لا حلّها، وإبقاء القضية الجنوبية في دائرة الإدارة المؤقتة بدل نقلها إلى مربع الحسم السياسي. خصوصًا مع تصريح مندوب السعودية في جلسة لمجلس الأمن الدولي في 14 يناير بأن نتائج الجوار الجنوبي ستوضع على طاولة الحوار الشامل للأزمة اليمنية بما في ذلك جماعة الحوثيين.


وفي هذا السياق، فإن التعويل على الرياض كقناة شبه وحيدة لتحقيق المطالب الجنوبية لا ينبغي قراءته كضمانة، بل كمسار محفوف بمخاطر التكييف والتأجيل. فالمعادلة الإقليمية لا تتحرك بدافع الاستحقاقات التاريخية أو الأخلاقية، بل وفق حسابات أمنية ومصلحية قابلة للتبدل. وتجاوز هذا الواقع لا يبدو ممكناً، لكن الانخراط فيه دون أدوات ضغط واضحة أو أوراق قوة مستقلة يجعل القضية الجنوبية عرضة للذوبان داخل تسويات لا تُنتج دولة ولا تُنهي وصاية.


افتتاحية مركز سوث24: الجنوب بين فرض الواقع وكسر الوصاية


صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

Shared Post
Subscribe

Read also