التقارير الخاصة

تطلعات نساء اليمن في 2026

تصميم: مركز سوث24

Last updated on: 03-03-2026 at 1 AM Aden Time

مركز سوث24 | سعيدة عبدالغني


لا يمكن تناول تطلعات النساء في اليمن لعام 2026 بوصفها مسارًا منفصلًا عن البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتحرك داخلها. فبلد يعاني من انهيار مؤسسي وحرب مستمرة، وضعف سوق العمل، وتراجع الخدمات التعليمية، يفرض حدودًا واضحة على إمكانيات المشاركة العامة، سواء للنساء أو لغيرهن. وفي هذا السياق، تبدو الطموحات المهنية والمعرفية التي تعبّر عنها نماذج من خلفيات مختلفة انعكاسًا لمحاولات فردية للتقدم داخل واقع محدود الفرص، أكثر من كونها مؤشرًا على تحولات هيكلية في توزيع النفوذ الاجتماعي أو السياسي.


تُظهر مشاركات في هذا التقرير لمركز سوث24 أن الاهتمام بالتعليم الذاتي، والعمل الإعلامي، والمبادرات المجتمعية، يأتي غالبًا كبدائل عن مسارات مؤسسية شبه غائبة، لا كامتداد لسياسات تمكين واضحة. فالوصول إلى مواقع القرار ما يزال مقيدًا ببنية سياسية واجتماعية معقدة، بينما يظل الاستقلال الاقتصادي رهين اقتصاد غير مستقر وفرص عمل محدودة. وهذا ما يجعل الكثير من هذه التطلعات محكومة بسقف واقعي منخفض، يحدد طبيعة الأثر الممكن تحقيقه.


ومع ذلك، فإن أهمية هذه الطموحات لا تكمن في نتائجها المباشرة بقدر ما تكمن في دلالتها الاجتماعية؛ إذ تعكس تحولات في إدراك الدور الفردي، ومحاولات لإعادة صياغة العلاقة مع المعرفة والعمل والفضاء العام. 


طموحات متعددة ضمن سياق مقيد


تعكس المداخلات في هذا التقرير طيفًا واسعًا من التطلعات المهنية والشخصية للنساء اليمنيات في عام 2026، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن قاسم مشترك يتمثل في العمل داخل بيئة مؤسسية واقتصادية محدودة الفرص. لا تظهر هذه الطموحات كمسار موحد، بل كمجموعة مسارات متوازية تتشكل وفق الخلفيات الجغرافية والمهنية، وتتراوح بين السعي للتأثير العام أو تحسين الموقع الفردي أو تحقيق الاستقرار الأسري.


في هذا السياق، تربط الباحثة البيئية سعيدة الشيبة، من محافظة أبين، تطلعاتها بتوسيع نطاق حضور القضايا البيئية والتنموية، خصوصًا في ظل تراجع الاهتمام المؤسسي بهذه الملفات. 


وهي ترى أن العمل لا يقتصر على البحث أو التوعية، بل يمتد إلى الدفع نحو مشاركة النساء في دوائر القرار المرتبطة بالتنمية، مؤكدة أن “إشراك النساء في هذه المساحات يضمن حلولًا أكثر عدالة واستدامة، ويعكس احتياجات المجتمع الحقيقية.”


وبموازاة ذلك، تنظر الكاتبة إكرام فرج، من حضرموت، إلى الإعلام بوصفه مساحة بديلة للتأثير خلال عام 2026، في ظل ضعف القنوات الرسمية لنقل مطالب الفئات المتضررة، معتبرة أن “العمل الإعلامي الواعي يمكن أن يشكل جسرًا بين المواطن وصانع القرار”، وهو تصور يعكس دور الإعلام كوسيط اجتماعي أكثر من كونه أداة تغيير مباشر في السياسات.


وعلى مستوى التجربة الفردية، تقدم فلنتينا فؤاد، من عدن، ومنال مثنى، من صنعاء، مقاربة مختلفة للطموح، حيث يرتبط النجاح بتراكم الخبرة والتوازن الشخصي أكثر من الارتقاء المؤسسي. 


وترى فلنتينا أن “النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الإنجازات الظاهرة، بل بمدى الأثر الإيجابي الذي يتركه الإنسان في محيطه”، بينما تركز منال على التعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات لبناء حضور مؤثر داخل المجتمع. 




وفي الاتجاه نفسه، تبرز منى الفضلي، من عدن، التعليم الذاتي والعمل الرقمي كوسائل واقعية لتعويض محدودية الفرص الاقتصادية التقليدية، ملخصة التحول الذهني لدى الشابات بالسؤال: “من أنا؟ وماذا أريد خلال 2026 والأعوام القادمة؟ بدلًا من ماذا يُراد مني؟” وهو طرح يعكس انتقالًا من التلقي إلى المبادرة الفردية.


في المقابل، تربط أنسام عبدالله، من لحج، بين الطموح والوعي الحقوقي، حيث تسعى إلى نقل العمل من رصد الانتهاكات إلى إنتاج حلول عملية عبر مبادرات التوعية القانونية، مؤكدة أن “الوعي هو الأساس لأي تغيير حقيقي.” 


ويكشف هذا التوجه إدراكًا لحدود التأثير دون بنية داعمة، لكنه يعكس محاولة لبناء قاعدة معرفية للمشاركة العامة. وتظهر أبعاد مشابهة لدى الطالبات الجامعيات، إذ تربط مرام عبدالقادر تطلعاتها بإكمال التعليم والحصول على فرص عمل، وهو مسار يعكس الفجوة المستمرة بين مخرجات التعليم وسوق العمل.


ومن زاوية أخرى، تقدم انتصار عواد تصورًا يقوم على التدرج وبناء التأثير عبر التعلم العميق وفهم احتياجات المجتمع قبل السعي لمواقع القرار، معتبرة أن التأثير قد يتحقق عبر تراكم الخبرة أكثر من الحضور العلني. 


أما أسماء محمد فتطرح رؤية مختلفة تنطلق من المجال الأسري، معتبرة أن التربية الواعية وتطوير الذات يمثلان أساسًا للتغيير الاجتماعي، وتوضح ذلك بقولها: “أتمنى أن أكون أكثر قدرة على تربية أطفالي تربية واعية خلال هذا العام والأعوام القادمة… ومن حقنا أن يكون لنا صوت مسموع.” 


وبمجمل هذه المداخلات، تتشكل صورة أقرب إلى فسيفساء اجتماعية منها إلى اتجاه واحد، حيث تتداخل مسارات التأثير العام مع مسارات التقدم الفردي والاستقرار الأسري.


وتُظهر المداخلات مجتمعة أن تطلعات النساء اليمنيات في عام 2026 لا تتجه نحو مسار واحد يمكن تعميمه، بل تتوزع بين مجالات المعرفة والإعلام والتعليم والعمل المجتمعي والاستقرار الأسري، وفق اختلاف السياقات الفردية والجغرافية. 


ويعكس هذا التنوع واقعًا اجتماعيًا مركبًا تتحرك فيه المبادرات ضمن حدود تفرضها بنية اقتصادية هشة ومؤسسات ضعيفة وفرص عمل غير مستقرة. ومن ثمّ، فإن قراءة هذه الطموحات بوصفها مؤشرات تحول ستكون قراءة متعجلة، إذ لا تزال القدرة على التأثير المؤسسي محدودة، ويظل كثير من الجهد قائمًا على المبادرات الفردية أو البدائل غير الرسمية.




القيمة التحليلية لهذه الشهادات لا تكمن في حجم النتائج المباشرة التي قد تحققها، بل في الدلالات التي تكشفها حول اتجاهات التكيف الاجتماعي وإعادة تعريف الأدوار داخل المجتمع اليمني مع مرور الوقت. فالإقبال على التعليم الذاتي والعمل الرقمي، والسعي إلى بناء حضور إعلامي أو حقوقي، أو حتى التركيز على دور الأسرة في إنتاج الوعي، جميعها تعكس محاولات لإعادة صياغة العلاقة مع المجال العام ضمن المتاح. 


وعلى المدى الأبعد، قد يشكل تراكم هذه المسارات — إذا ما ترافقت مع بيئة مؤسسية أكثر استقرارًا — قاعدة لتحولات أعمق، لكنها في وضعها الراهن تظل تعبيرًا عن ديناميات اجتماعية قيد التشكل أكثر من كونها انتقالًا مكتملًا في موقع المرأة داخل بنية السلطة أو الاقتصاد.


سعيدة عبد الغني

صحفية يمنية مهتمة بالمرأة والجوانب الاجتماعية 

Shared Post
Subscribe

Read also