محطة الطاقة الشمسية في شبوة، 18 يونيو 2025 (مركز سوث24)
Last updated on: 25-03-2026 at 10 AM Aden Time
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
دخلت مجموعة من المشاريع التنموية التي دعمتها دولة الإمارات في جنوب اليمن، خصوصًا في قطاعي الطاقة والمياه، مرحلة من الغموض والتعثر، عقب التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد منذ ديسمبر 2025، والتي شملت مغادرة شركات إماراتية من مواقع التشغيل، وتوقف خطط توسعة ومبادرات جديدة كانت تُطرح كجزء من مسار لمعالجة أزمات مزمنة في الخدمات الأساسية.
وفي حين لا تزال بعض المشاريع التي أُنجزت خلال السنوات الماضية تعمل ضمن حد أدنى من الاستقرار، فإن المعطيات الميدانية ومصادر في المؤسسة العامة للكهرباء تشير إلى أن المشاريع التي كانت قيد الإعداد أو التوسعة قد دخلت فعليًا مرحلة تجميد غير معلنة، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا المسار التنموي برمّته، ومدى قدرة الحكومة اليمنية، وشركائها الدوليين وفي مقدمتهم السعودية التي زاد نفوذها وحضورها مؤخرًا، على استيعاب الفراغ الناتج عنه.
وتشمل هذه المشاريع محطات الطاقة الشمسية في عدن وشبوة، ومشاريع جديدة في أبين ولحج والضالع، إضافة إلى مشاريع استراتيجية في قطاع المياه والزراعة، مثل سد حسان في محافظة أبين، والتي كانت تُنظر إليها باعتبارها تدخلات مباشرة لتخفيف الضغط على البنية التحتية المتدهورة وتحسين مستوى الخدمات.
وفي ظل غياب توضيحات رسمية شاملة تحدد مسار هذه المشاريع، يرصد هذا التقرير أبرزها، ويحلل مصيرها وتأثير توقفها، ويبحث في الخيارات المتاحة أمام الحكومة اليمنية والسعودية لتعويض هذا الفراغ.
خارطة المشاريع بين التشغيل والتجميد
تكشف المعطيات المتاحة أن المشاريع الإماراتية في جنوب اليمن لم تتوقف بشكل كامل، لكنها فقدت تماسكها كحزمة تنموية متكاملة، وانقسمت فعليًا بين مشاريع أُنجزت وتواصل العمل، وأخرى توقفت توسعاتها، وثالثة دخلت مرحلة تجميد منذ التطورات التي أعقبت ديسمبر 2025.
في مقدمة المشاريع التي لا تزال تعمل، تبرز محطتا الطاقة الشمسية في عدن وشبوة، اللتان تعرضتا لتوقف مؤقت عقب مغادرة الفرق الفنية التابعة للشركة المشغلة مطلع يناير الماضي بطلب من الحكومة اليمنية، قبل أن تعودا إلى الخدمة بعد أيام بإدارة المؤسسة العامة للكهرباء. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن تشغيلهما استقر لاحقًا دون تسجيل أعطال فنية مرتبطة بعملية التسليم، ما يعكس أن ما جرى لم يكن انهيارًا تقنيًا بقدر ما كان نتيجة مباشرة لتغير ترتيبات التشغيل.
وفي هذا السياق، أوضح مدير محطة التوليد الشمسية في مدينة عتق بمحافظة شبوة (53 ميجاوات)، المهندس أحمد الرباش، في تصريح لمركز سوث24 أن الوضع الحالي للمحطة التي دخلت الخدمة في 28 أغسطس 2025 “مستقر”، مؤكدًا أنها عادت للعمل بعد فترة توقف قصيرة أعقبت انسحاب الفرق الفنية التابعة للشركة الإماراتية Global South Utilities (GSU)، وأن المؤسسة العامة للكهرباء تمكنت من إعادة تشغيلها ضمن ترتيبات فنية وتنظيمية جديدة.
غير أن هذا الاستقرار يظل محدودًا في نطاق التشغيل الحالي، إذ يشير الرباش إلى أن المشروع كان يتضمن خطة توسعة مدعومة من الإمارات لرفع القدرة الإنتاجية إلى نحو 100 ميجاواط، دون توفر معلومات واضحة حول مصير هذه التوسعة، ما يعكس حالة الغموض التي تحيط بالمرحلة التالية لهذه المشاريع.
وبالمثل، قال مصدر في كهرباء عدن لمركز سوث24 أن المحطة الشمسية التي دخلت الخدمة في 15 يوليو 2024 بقدرة (120 ميجاوات) عادت للعمل بعد توقفها لأيام محدودة مطلع العام الجاري، عقب مغادرة الفريق الفني التابع لشركة GSU الإماراتية. لكن مشروع التوسعة (المرحلة الثانية 120 ميجاوات) للمحطة الذي وضعت له حجر الأساس في أغسطس الماضي ، بتمويل إماراتي، توقف بحسب المصدر نفسه.
مٌتعلق: التحول النظيف: محطة عدن الشمسية بارقة أمل مستقبلية
أما مشاريع الطاقة الشمسية الجديدة، فتظهر بوصفها الأكثر تأثرًا، إذ لم تسجل مشاريع الطاقة الشمسية في أبين ولحج والضالع، التي وُضعت لها أحجار أساس في ديسمبر الماضي بقدرة إجمالية تقارب 70 ميجاواط، أي تقدم يُذكر منذ ذلك الحين، ما يشير إلى دخولها مرحلة تجميد مرتبطة بالتطورات السياسية والتشغيلية الأخيرة.
وقد برزت حزمة استثمارية إماراتية أُعلن عنها في 26 نوفمبر 2025 خلال المؤتمر الوطني الأول للطاقة في عدن، بقيمة تصل إلى مليار دولار، كإطار شامل لإعادة بناء قطاع الكهرباء في اليمن عبر مشاريع للطاقة المتجددة، والتخزين، وتطوير شبكات النقل والتوزيع. ووفق ما طُرح في المؤتمر، كان من المقرر أن تتولى شركة “جلوبال ساوث يوتيليتيز” تنفيذ هذه المحفظة، ضمن خطة تستهدف توسيع القدرة الإنتاجية وتوفير طاقة مستقرة لملايين المستفيدين، بما يعكس انتقالًا من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة طاقة مستدامة.
غير أن مسار هذه الحزمة الاستثمارية بات يكتنفه قدر من الغموض عقب التطورات التي أعقبت ديسمبر 2025، خصوصًا مع مغادرة الشركة المشغلة وتسليم المحطات القائمة. ولا يتضح بشكل قاطع ما إذا كانت مشاريع الطاقة الشمسية التي وُضع حجر أساسها في لحج والضالع وأبين في ديسمبر تمثل جزءًا من هذه المحفظة البالغة مليار دولار، أم أنها مبادرات منفصلة ضمن المسار نفسه.
وقد حاول مركز سوث24 التواصل مع المؤسسة العامة للكهرباء في عدن للحصول على إجابات على هذه الأسئلة، غير أننا لم نتلق أي رد حتى الآن.
ولا يقتصر هذا الواقع على قطاع الكهرباء، بل يمتد إلى مشاريع تنموية ذات طابع استراتيجي، أبرزها مشروع سد حسان في محافظة أبين، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد أهم مشاريع إدارة الموارد المائية وتعزيز النشاط الزراعي في دلتا أبين.
ورغم تداول معلومات خلال الفترة الماضية عن توقف العمل في المشروع أو مغادرة معداته، نفى وكيل وزارة الزراعة اليمنية ومدير المشروع، المهندس أحمد الزامكي، في تصريح لمركز سوث24، صحة ذلك، مؤكدًا أن المشروع لا يزال مستمرًا ووصل إلى مراحل متقدمة من التنفيذ، بنسبة إنجاز تتراوح بين 75 و80%، وأن ما جرى من سحب لبعض المعدات يعود إلى دخول المشروع مراحله النهائية، وليس إلى تعليقه.
غير أن هذا التوضيح، رغم أهميته، لا ينفي أن المشروع بات يتحرك ضمن بيئة أكثر هشاشة من حيث استمرارية الدعم الخارجي، في ظل تراجع اليقين الذي كان يحيط بالمشاريع الإماراتية بشكل عام.
مصير المشاريع وتأثير توقفها
تعكس التطورات التي أعقبت ديسمبر 2025 تحولًا واضحًا في مسار المشاريع الإماراتية من كونها جزءًا من خطة توسعية لمعالجة أزمة الكهرباء المزمنة إلى وضع أقرب لإدارة الحد الأدنى من التشغيل، وهو ما يغيّر طبيعة الدور الذي كانت تؤديه هذه المشاريع داخل المنظومة الخدمية في جنوب اليمن.
ففي الوقت الذي كانت فيه مشاريع الطاقة الشمسية تُطرح كبديل تدريجي لتقليل الاعتماد على الوقود، عبر إدخال قدرات توليد مستقرة خلال ساعات الذروة، أدى توقف التوسعات والمشاريع الجديدة إلى تقليص هذا الدور، وحصره في نطاق المحافظة على الإنتاج الحالي دون إضافة قدرات جديدة يمكن أن تستوعب الزيادة المستمرة في الطلب.
وفي هذا السياق، أشار الخبير الاقتصادي والباحث في مجال الطاقة، المهندس أحمد باحكيم، إلى أن هذه المشاريع كانت تمثل “فرصة لتعزيز القدرة الإنتاجية لمنظومة الكهرباء والتخفيف من الضغط على محطات التوليد التقليدية”، موضحًا لمركز سوث24 أن الطاقة الشمسية كانت ستسهم في تقليل الاعتماد على الوقود مرتفع التكلفة، خاصة خلال فترات الذروة، وأن تعثرها يعني استمرار الاختلالات القائمة في الشبكة الكهربائية.
ويعني ذلك عمليًا أن المنظومة الكهربائية ستبقى معتمدة إلى حد كبير على محطات التوليد التقليدية، التي تواجه تحديات مستمرة تتعلق بتوفير الوقود والصيانة، وهو ما يجعل أي تحسن في الخدمة محدودًا وقابلًا للتراجع، خصوصًا في فترات ارتفاع الطلب.
كما أن غياب التوسعات المرتقبة يحرم الشبكة من قدرات إضافية كان من شأنها تحسين توزيع الأحمال وتقليل فترات الانقطاع، خاصة في المحافظات التي كانت تعتمد على دخول مشاريع جديدة مثل أبين ولحج والضالع لتعزيز استقرار الخدمة.
ولا يقتصر تأثير هذا التوقف على الجانب الفني، بل يمتد إلى البعد المالي، حيث يؤدي استمرار الاعتماد على الوقود إلى زيادة الأعباء على الحكومة، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما كانت مشاريع الطاقة الشمسية تهدف إلى الحد منه عبر تقليل استهلاك الوقود خلال ساعات النهار.
وفي موازاة ذلك، يبرز البعد التنموي الأوسع، حيث لا تقتصر هذه المشاريع على تحسين الكهرباء، بل تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة الموارد المائية ودعم النشاط الزراعي.
فمشروع سد حسان، الذي وصل إلى مراحل متقدمة من التنفيذ، كان يُنظر إليه باعتباره تدخلًا استراتيجيًا لتعزيز الأمن الغذائي وتحسين استغلال المياه في دلتا أبين، ما يعني أن أي تباطؤ في استكماله أو تراجع في مستوى الدعم المرتبط به قد ينعكس على استقرار النشاط الزراعي والمجتمعات المحلية التي تعتمد عليه.
مُتعلق: سد حسان المائي يعد بتغيير وجه الزراعة في دلتا أبين
علاوة على ذلك، يبرز بُعد مالي إضافي يتمثل في احتمالية تضخم تكاليف التشغيل بعد مغادرة الفرق الفنية الأجنبية، مع انتقال الإدارة إلى جهات محلية في بيئة تعاني من ضعف الرقابة. وقد أشارت مصادر صحفية إلى حالة محطة عدن الشمسية، حيث تم اعتماد مخصصات تشغيلية تقارب مليوني دولار شهريًا عبر شركة محلية رغم أن المحطة كانت تعمل بالفعل، قبل أن يتم إيقاف هذه المخصصات بقرار رسمي، لتواصل المحطة عملها بكفاءة دون تكاليف تُذكر، ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه النفقات وإمكانية تحولها إلى قنوات هدر.
هل تستطيع الحكومة اليمنية والسعودية تعويض الفراغ؟
يضع تعثر المشاريع الإماراتية الحكومة اليمنية والجانب السعودي أمام اختبار عملي يتعلق بقدرتهم على احتواء الفراغ الذي خلّفه توقف مسار كان يُنظر إليه كأحد أبرز مسارات المعالجة طويلة الأجل لأزمة الكهرباء والخدمات الأساسية في جنوب اليمن.
فعلى المستوى المباشر، نجحت المؤسسة العامة للكهرباء في استعادة تشغيل محطتي عدن وشبوة بعد مغادرة الفرق الفنية، وهو ما يعكس قدرة تشغيلية أولية على الحفاظ على المشاريع المنجزة ومنع انهيارها الفوري. غير أن هذا النجاح يظل محدودًا في نطاق إدارة التشغيل الحالي، دون أن يمتد إلى معالجة التحديات المرتبطة بالصيانة طويلة الأجل أو استكمال التوسعات المخطط لها.
وفي ظل غياب المشغل الخارجي، تتحول هذه المشاريع تدريجيًا من أصول تنموية قابلة للتطوير إلى منشآت تتطلب إدارة مستمرة للحفاظ على كفاءتها، وهو ما يفرض أعباء فنية وإدارية إضافية على مؤسسة تعاني أصلًا من محدودية الموارد والخبرات.
أما على مستوى التوسعات والمشاريع الجديدة، فلا تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على وجود خطة بديلة جاهزة لتعويض المشاريع التي دخلت مرحلة التجميد، سواء عبر تبنيها من قبل الحكومة أو إعادة طرحها من خلال جهات تمويل أخرى.
ويضع ذلك الجانب السعودي، بوصفه الطرف الأكثر حضورًا في الملف اليمني في المرحلة الحالية، وهو حضور تعاظم على حساب الحضور الإماراتي منذ ديسمبر الماضي، أمام مسؤولية متزايدة لا تقتصر على تقديم الدعم المالي أو الوقود، بل تمتد إلى تبني مسار تنموي أكثر استدامة، يعوّض غياب المشاريع التي كانت تقوم على نموذج الاستثمار في البنية التحتية.
فالدعم القائم، الذي يتركز في تمويل المشتقات النفطية وتغطية العجز، يسهم في الحفاظ على استمرارية الخدمة في المدى القصير، لكنه لا يعالج الاختلالات الهيكلية التي كانت مشاريع الطاقة المتجددة تهدف إلى تخفيفها.
وفي المقابل، فإن إعادة إطلاق مشاريع الطاقة الشمسية أو استكمال التوسعات المتوقفة يتطلب إطارًا سياسيًا وتشغيليًا مستقرًا، يضمن استمرارية التنفيذ ويقلل من تأثير التباينات بين الأطراف الفاعلة، وهو ما لا تزال مؤشراته غير واضحة حتى الآن.
وتجدر الإشارة إلى أن التحولات في مسار المشاريع الإماراتية تزامنت مع تعزيز الحضور السعودي في عدن مطلع عام 2026، حيث وصل وفد عسكري وأمني سعودي إلى المدينة، وأعقب ذلك إعلان الرياض، عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، عن حزمة دعم بقيمة تقارب 1.9 مليار ريال سعودي، تشمل عشرات المشاريع في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية، مع تركيز على محافظات جنوبية من بينها عدن وأبين ولحج والضالع وشبوة.
كما تم الإعلان عن دعم مالي لتغطية رواتب الحكومة وعجز الموازنة. ومع ذلك، ورغم حجم هذه الحزم، لا تزال الصورة غير واضحة بشأن مدى تقدم المشاريع المعلنة على الأرض، وما إذا كانت قد دخلت فعليًا مرحلة التنفيذ، أم أنها لا تزال في إطار التخطيط، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على تعويض التراجع في المشاريع الإماراتية أو إعادة بناء ديناميكية تنموية مماثلة.
وبين القدرة على الحفاظ على ما أُنجز، والحاجة إلى استئناف ما توقف، تقف الحكومة اليمنية وشركاؤها أمام معادلة معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الفنية مع الحسابات السياسية، في وقت تبدو فيه هذه المشاريع أكثر من مجرد بنية تحتية، بل اختبارًا لمدى إمكانية تحويل الدعم الخارجي إلى مسار تنموي مستقر لا يتأثر بتقلبات التوازنات الإقليمية.
Previous article