التقارير الخاصة

3 أشهر على مغادرة وفد المجلس الانتقالي إلى الرياض: ماذا تحقق، وماذا تغيّر؟

وفد المجلس الانتقالي الجنوبي مع السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر في الرياض، 8 يناير 2026 (صفحة السفير على فيسبوك)

11-04-2026 at 12 PM Aden Time

رغم الزخم حول رعاية سعودية لحوار جنوبي، لا تزال النتائج العملية محدودة؛ إذ لم يُعلن حتى الآن عن موعد الانطلاق، أو معايير المشاركة، أو تشكيل لجنة تحضيرية.


مركز سوث24 | عبد الله الشادلي 


بعد نحو ثلاثة أشهر على توجه وفد رفيع من المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض في 7 يناير، لا تزال نتائج المهمة التي أُوفد من أجلها غير واضحة، وسط تزايد التساؤلات في الأوساط الجنوبية بشأن ما إذا كان وجوده قد أسفر عن مكاسب سياسية، أم أنه اقتصر على توفير غطاء لترتيبات أعادت تشكيل المشهد بما يتوافق مع أولويات السعودية.


فقد جاءت مغادرة الوفد في أعقاب تطورات عسكرية وسياسية متسارعة، بدأت مع تحركات القوات الجنوبية باتجاه وادي حضرموت والمهرة لتأمينهما، قبل أن تنتهي هذه السيطرة بضربات سعودية جوية كثيفة أفضت إلى تراجع تلك القوات، وصعود تشكيلات بديلة مدعومة من الرياض على الأرض. وبعد يومين فقط من وصوله، تزامنت هذه الخطوة مع إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي من داخل الرياض في 9 يناير، في ظروف وُصفت بأنها غامضة ومرتبطة بضغوط سياسية مباشرة، وهو ما فتح الباب أمام تحولات معقدة في موقع المجلس وتمثيله.


وعلى الرغم من الزخم الذي رافق الإعلان عن رعاية سعودية لمسار حوار جنوبي في الرياض مطلع العام الحالي، بما في ذلك الحديث عن تشكيل لجنة تحضيرية والإعداد لمؤتمر شامل، لم تتبلور حتى الآن ملامح هذا المسار على نحو واضح، إذ لم يُعلن عن إطار تفاوضي محدد أو جدول زمني أو آلية مشاركة، ما عزز الشكوك حول طبيعة هذا المسار وحدوده الفعلية.


في المقابل، برزت خلال الأشهر الثلاثة الماضية متغيرات لافتة على الأرض، شملت إجراءات ميدانية مست حضور المجلس الانتقالي في عدد من المحافظات وفي مقدمتها حضرموت وعدن. كما ظهرت مؤشرات متزايدة على حالة من التباين داخل صفوف المجلس، بالتوازي مع تصريحات من بعض أعضاء الوفد تعكس غياب الرضا عن مسار الأحداث في الرياض، وتثير تساؤلات حول وضعه الفعلي ودوره.


الحوار الجنوبي، وعد لم يتحقق أم مسار مُعلّق؟


رغم الزخم الإعلامي والسياسي الذي رافق الإعلان عن رعاية سعودية لمسار حوار جنوبي، فإن الحصيلة العملية لهذا المسار لا تزال محدودة للغاية حتى الآن. فحتى اليوم لم يُعلن عن موعد واضح لانطلاق الحوار، ولا عن معايير المشاركة فيه، ولا عن تشكيل لجنة تحضيرية تتولى الإعداد له، رغم الحديث المبكر عن هذا المسار بالتوازي مع وصول الوفد إلى الرياض.


وكانت التصريحات الرسمية قد أشارت، في الأيام الأولى، إلى توجه نحو تنظيم مؤتمر جنوبي–جنوبي برعاية المملكة العربية السعودية، يفترض أن يضم مختلف المكونات والأطياف، ويؤسس لمرحلة سياسية جديدة في التعامل مع قضية الجنوب. غير أن هذه الوعود، حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تتحول إلى خطوات عملية أو ترتيبات مؤسسية واضحة يمكن قياسها على الأرض.


وفي هذا السياق، قال مقرر هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، ورئيس لجنة هيكلة المجلس، وعضو وفد المجلس في الرياض، محسن عبيد، في منشورات على صفحته في فيسبوك في 31 مارس، إنه "لا يوجد حوار من الأساس، ولا حتى ترتيبات عملية حقيقية لعقد حوار"، مضيفًا أن هذا ما يلمسه "الوفد الجنوبي الموجود في الرياض، وخصوصًا أولئك الذين ما زالوا على العهد في قول الحقيقة والوفاء للجنوب".


ولفت إلى أنّ قناعته أصبحت "كاملة" بأن ما يُطرح تحت مسمى "الحوار الجنوبي" كان ولا يزال "موضوعًا مفتعلًا"، معتبرًا أن الهدف منه هو "تخدير الجنوبيين فقط، ولفت انتباههم نحو أمل كاذب، بغرض إلهائهم عن أي رد فعل مقاوم".


ويتقاطع هذا الطرح مع قراءة قدمها رئيس مركز المعرفة للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، د. عمر باجردانة، الذي قال لمركز سوث24 إن "وفد المجلس الانتقالي الجنوبي الموجود في الرياض منذ قرابة ثلاثة أشهر لم يحقق، حتى الآن، أي إنجاز ملموس على صعيد المسار السياسي أو العسكري للقضية الجنوبية ومشروع استعادة دولة الجنوب". 


وأضاف أن "ما هو قائم حتى اللحظة يقتصر على تصريحات متفرقة تُتداول بين الحين والآخر بشأن ترتيبات لعقد مؤتمر جنوبي–جنوبي برعاية المملكة العربية السعودية".


وبحسب باجردانة، فإن الدعوة السعودية "تتحدث عن مؤتمر من المفترض أن يمثل الجنوبيين بمختلف انتماءاتهم وأطيافهم، وأن يؤسس لمرحلة جديدة ومسار سليم في اتجاه معالجة القضية الجنوبية"، إلا أن هذا الطرح "حتى الآن، لم يُترجم إلى خطوات عملية أو نتائج واضحة على الأرض".


ولا يبدو هذا التعثر في مسار الحوار منفصلًا عن السياق الذي وُلد فيه. فقد جاءت الدعوة للحوار في لحظة تحولات عسكرية حادة، وفي سياق إعادة ترتيب موازين القوة على الأرض، وهو ما دفع كثيرًا من الجنوبيين إلى التشكيك في ما إذا كان هذا المسار يعكس استحقاقات قضية الجنوب، أم أنه جزء من ترتيبات أوسع تُدار وفق أولويات إقليمية.


ومن هذا المنطلق، يرى باجردانة أن "الحكم على هذا الوفد يجب أن يكون من خلال ما يستطيع تحقيقه فعليًا، لا من خلال الوعود أو الخطابات السياسية"، لافتًا إلى أن غياب أي خطوات ملموسة حتى الآن "يترك حالة من الغموض والقلق لدى الشارع الجنوبي".


من تمثيل سياسي إلى وضع ملتبس


في موازاة تعثر مسار الحوار، برز وضع الوفد الجنوبي في الرياض كأحد أكثر الملفات إثارة للتساؤلات، لا سيما مع التحولات التي طرأت على موقعه السياسي منذ الأيام الأولى لوصوله.


فقد ذهب الوفد بصفته ممثلًا عن المجلس الانتقالي الجنوبي في خضم أزمة مع السعودية. غير أن هذه الصفة تعرّضت لاهتزاز كبير بعد يومين فقط، مع إعلان حل المجلس الانتقالي من داخل الرياض، في خطوة وصفتها القواعد المؤسسية للمجلس بالداخل بأنها "غير قانونية"، وأدت بشكل غير معلن إلى تعليق الوضع السياسي والتنظيمي للوفد.


هذا التطور خلق مفارقة سياسية واضحة، إذ إن الوفد الذي كان يُفترض أن يمثل قضية الجنوب ضمن إطار سياسي منظم هو المجلس الانتقالي، وجد نفسه – بعد إعلان الحل – فاقدًا للغطاء الذي يمنحه صفة التمثيل.


وفي هذا السياق، قالت مصادر في المجلس الانتقالي الجنوبي لمركز سوث24 إن المجلس "يفصل بين الموقف السياسي والوضع الإنساني"، مؤكدة أن المطالبة بعودة أعضاء الوفد ورفض تقييد حريتهم لا تزال قائمة، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن المجلس "لا يمكنه في الوقت الراهن التعويل على أي موقف أو تصرف سياسي يصدر عنهم، إلى أن تتضح الصورة كاملة".


وتعززت هذه الصورة مع ما تردد منذ يناير عن تقييد تحركات بعض أعضاء الوفد، وانقطاع الاتصال بعدد منهم في مراحل متفرقة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول وضعهم الفعلي داخل الرياض، وما إذا كانوا يمارسون دورهم السياسي بحرية كاملة.


وفي تطور لافت، بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تظهر تصريحات من داخل الوفد نفسه تعكس حالة من التباين وعدم الرضا. فقد قال عضو الوفد محسن عبيد، في منشوراته أواخر مارس، إن أعضاء الوفد محتجزين في الرياض، إلا من قبل الانخراط في الأجندة السعودية فقد سمح له بالعودة لأرض الوطن.


وفي سياق يعكس هذا التباين، برز بيان صادر باسم الوفد الجنوبي في الرياض عقب أحداث المكلا في حضرموت مطلع أبريل، كواحد من أبرز المواقف العلنية التي حاول من خلالها الوفد التعبير عن موقفه السياسي. فقد حمّل البيان الحكومة اليمنية، ممثلة بوزيري الدفاع والداخلية، ومحافظ حضرموت، المسؤولية عن قمع المتظاهرين، مطالبًا بفتح تحقيق عاجل وشفاف، ومحاسبة المسؤولين، وصولًا إلى الدعوة لإقالتهم.


غير أن هذا البيان، رغم لهجته التصعيدية، لم يلقَ حتى الآن أي استجابة معلنة من الجانب السعودي، كما لم ينعكس في إجراءات سياسية أو ميدانية ملموسة، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى تأثير الوفد في مجريات الأحداث.


كما أن البيان لم يحظَ بتغطية لافتة حتى من بعض المنصات الإعلامية المحسوبة على المسار المدعوم من الرياض، بما في ذلك قناة (الجنوب اليوم) التي أنشئت مؤخرًا في هذا السياق، وهو ما اعتُبر مؤشرًا إضافيًا على وجود تباين داخل مكونات هذا المسار، وتراجع قدرة الوفد على فرض مواقفه أو التأثير في اتجاهاته.


واعتبرت رئيسة منظمة "فرونت لاين" لحقوق الإنسان البريطانية، وداد الدوح، أن الوفد "وجد نفسه عمليًا تحت الإقامة الجبرية"، مشيرة إلى أنه "بدلًا من أن يكون طرفًا في حوار سياسي، أصبح طرفًا تُمارس عليه الضغوط والتهديدات لإجباره على التخلي عن الصفة التي ذهب ممثلًا لها".


وقالت الدوح لمركز سوث24 أن إعلان حل المجلس الانتقالي "لم يكن تعبيرًا عن إرادة حرة لأعضاء الوفد، بل جاء نتيجة ضغوط فُرضت عليهم في ظروف غير معلنة"، معتبرة أن هذه المعطيات "تُضعف الثقة بأي مسار حوار يُعقد في ظل هذه الظروف".


المتغيرات على الأرض، إعادة تشكيل المشهد أم إدارة للأزمة؟


في مقابل غياب نتائج ملموسة على مسار الحوار الجنوبي، برزت خلال الأشهر الثلاثة الماضية متغيرات لافتة على الأرض، أكثر وضوحًا وتأثيرًا من المسار السياسي نفسه، إذ طالت هذه المتغيرات توازنات القوة وحضور المجلس الانتقالي في الداخل الجنوبي.


فمنذ يناير، شهدت بعض المناطق، لا سيما في شبوة وعدن وحضرموت، إجراءات ميدانية شملت إغلاق عدد من مقرات المجلس الانتقالي، في سياق تحركات قادتها سلطات مدعومة من السعودية، وهو ما فُسّر على أنه جزء من إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني في الجنوب. ورغم أن هذه الإجراءات لم تكن موحدة في جميع المحافظات، فإنها عكست اتجاهًا واضحًا نحو تقليص مساحة حضور المجلس على الأرض خلال فترة وجود وفده في الرياض.


وفي حضرموت، اتخذت هذه المتغيرات طابعًا أكثر حدة، حيث شهدت مدينة المكلا مطلع أبريل تصاعدًا في التوترات على خلفية فعاليات شعبية مرتبطة بالمجلس الانتقالي. وتحدثت مصادر محلية عن إجراءات أمنية مشددة، شملت منع فعاليات واعتقالات طالت مشاركين في احتجاجات، قبل أن تتطور الأحداث إلى انتهاكات أمنية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف متظاهرين.


وفي أعقاب هذا التصعيد، برزت وساطات محلية قادتها "هيئة التوافق الحضرمي"، أسفرت عن تفاهمات شملت الإفراج عن عدد من المعتقلين من المتظاهرين، وإلغاء أوامر قبض بحق قيادات المجلس الانتقالي، والاتفاق على إعادة فتح مقرتن المجلس الانتقالي في المكلا (11 أبريل)، في مؤشر على توجه نحو احتواء التوتر، دون أن يعني ذلك معالجة جذوره أو إنهاء مسبباته. كما استطاع المتظاهرون إعادة فتح مقرات المجلس الانتقالي في عدن قبل هذا في 1 أبريل. 


وترافقت هذه التطورات مع استمرار أزمات خدمية ومعيشية في عدن ومدن جنوبية أخرى، حيث لم تنعكس الوعود التي رافقت وجود الوفد في الرياض، والمتعلقة بتحسين الخدمات وصرف الرواتب، على واقع المواطنين بشكل ملموس.


وفي هذا السياق، يرى رئيس مركز المعرفة للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، د. عمر باجردانة، أن "الاحتجاجات والمظاهرات التي لا تزال تشهدها مناطق الجنوب تعكس بوضوح أن الشارع ينتظر خطوات عملية وملموسة"، مؤكدًا أن غياب هذه الخطوات "يعزز من حالة الشك في جدية المسار القائم".


وبين هذه المعطيات، تبدو الصورة على الأرض أكثر تعقيدًا من مجرد تعثر سياسي، إذ تشير إلى مسار موازٍ جرى خلاله إعادة تشكيل بعض ملامح المشهد الجنوبي، سواء عبر تغييرات في موازين القوة، أو من خلال إجراءات استهدفت بنية المجلس الانتقالي، بالتوازي مع غياب تقدم واضح في المسار السياسي الذي أُعلن من أجله وجود الوفد في الرياض.


وبذلك، يمكن القول إن ما تحقق فعليًا خلال هذه الفترة لم يكن تقدمًا في اتجاه حل سياسي، بقدر ما كان تبدلًا في الوقائع الميدانية وإدارة للتوترات، دون إنتاج مسار واضح لمعالجة قضية الجنوب.


وبعد ثلاثة أشهر على وجود الوفد الجنوبي في الرياض، لا تبدو الحصيلة متسقة مع حجم التوقعات التي رافقت مغادرته. فحتى الآن، لم يتبلور مسار حوار واضح المعالم، ولم تظهر نتائج سياسية ملموسة يمكن البناء عليها، فيما شهدت الأرض متغيرات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة التي يمر بها الجنوب.


عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

Shared Post
Subscribe

Read also