التقارير الخاصة

إعادة تشكيل القوة العسكرية في الجنوب: هيكلة أم تفكيك؟

قوات الشرطة العسكرية التابعة لدرع الوطن تستعرض جاهزيتها في العاصمة عدن، 9 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية لقوات درع الوطن على فيسبوك)

Last updated on: 28-04-2026 at 1 PM Aden Time

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


منذ ديسمبر 2025، دخلت التحولات العسكرية والأمنية في جنوب اليمن مرحلة جديدة. فمع انطلاق عملية “المستقبل الواعد” ودخول القوات الجنوبية إلى وادي حضرموت  والمهرة، بدا أن ميزان القوة يتجه نحو ترسيخ نفوذ القوات الجنوبية التي راكمت خبرة قتالية وأمنية منذ 2015، وتنظمت سياسيًا تحت إدارة المجلس الانتقالي منذ 2017.


غير أن هذا المسار سرعان ما دخل منعطفًا حادًا مع مطلع يناير 2026، حين تداخلت التحركات الميدانية مع متغيرات أعادت ضبط التوازنات على الأرض، شملت انسحاب القوات الجنوبية من المحافظتين تحت وطأة الضربات السعودية.


وامتدت هذه التغييرات إلى عمق البنية العسكرية والأمنية في بقية المحافظات. ففي شبوة، جرى سحب قوات عسكرية جنوبية ذات خبرة من جبهات تماس نشطة، وإحلال تشكيلات أخرى محلها، في خطوة أثارت نقاشًا حول معيار الجاهزية مقارنة باعتبارات إعادة التوزيع. وفي حضرموت، طالت الإجراءات وحدات أمنية وعسكرية مرتبطة بملف مكافحة الإرهاب منذ تحرير المكلا، في حين شهدت عدن مرحلة متقدمة من إعادة هيكلة واسعة للأجهزة الأمنية عبر دمج بعضها في جهاز جديد يتبع وزارة الداخلية اليمنية.


لكن هذه التحولات لم تكن أحادية الاتجاه. فبالتوازي مع المخاوف من إعادة توزيع القوة على حساب بعض التشكيلات الجنوبية، برزت مؤشرات على محاولات موازية لاحتواء آثار هذه التغييرات والحفاظ على تماسك البنية العسكرية للقوات الجنوبية عند حدود متواضعة لكنها موجودة. إذ أُعلن عن تشكيل لجان لمعالجة أوضاع بعض الوحدات المتضررة، مثل لواء بارشيد، كما بدأت خطوات لدمج قوات محلية، بينها وحدات من النخبة الحضرمية وقوات الدعم الأمني، ضمن الأطر الرسمية للأجهزة الأمنية في حضرموت، بعد أشهر من الإقصاء والتسريح، في مسار يقرأه البعض كجزء من محاولة إعادة تنظيم مؤسسي. 


وبين هذه المسارات المتداخلة، تتشكل صورة أكثر تعقيدًا، فالتغييرات الجارية تحمل في طياتها مزيجًا من إعادة التنظيم ومحاولات الضبط من جهة، وإعادة توزيع النفوذ من جهة أخرى. وهو ما يضع الجنوب أمام مرحلة حساسة، لا يمكن حسم اتجاهها بسهولة، بين إمكانية بناء منظومة أمنية وعسكرية أكثر تماسكًا، أو الانزلاق نحو إعادة تشكيل غير متوازنة قد تُعيد إنتاج التوترات في ثوب جديد.


كيف تغيّر ميزان القوة منذ مطلع 2026؟


لم تكن التحولات التي شهدها الجنوب منذ يناير 2026 مجرد تبديل في مواقع القوات، بل مثّلت انتقالًا أوسع في طريقة إدارة الملف العسكري والأمني.


فبعد انسحاب القوات الجنوبية  من حضرموت والمهرة، انتقلت إجراءات إعادة ترتيب القوة إلى عدن وشبوة ولحج وأبين عبر مسار متدرج جمع بين إعادة توصيف التشكيلات المحلية، وإعادة ترقيمها وإحصاء أفرادها بنظام بصمة العين من قبل لجان سعودية تشرف على دفع المرتبات، وتعزيز انتشار قوات درع الوطن في هذه المحافظات.


في عدن، بدأت التغييرات بقرارات وإجراءات متعددة، حيث جرى إعادة توصيف وحدات من قوات الحزام الأمني، التي أسست قبل سنوات بدعم إماراتي مباشر، تحت مسمى (قوات الأمن الوطني)، مع خطة لإدماجها ضمن جهاز “قوات الأمن الخاصة” التابع لوزارة الداخلية كإطار جامع لعدد من التشكيلات، إلى جانب قوات طوارئ أمن عدن، وقوات طوق عدن (حراس مداخل ومخارج عدن). وترافقت هذه الخطوة مع تعيين اللواء عبد السلام الجمالي، المسؤول الأمني في مكتب عضو المجلس الرئاسي عبد الرحمن المحرمي، قائدًا عامًا للجهاز، والعميد جلال الربيعي قائدًا للجهاز في العاصمة عدن.


عقب صدور هذه القرارات، وقرارات أخرى بتعيين قيادة جديدة لقوات الأمن الوطني بمحافظة أبين، وألوية عسكرية جنوبية، بدأت مرحلة من الإجراءات والتغييرات، حيث جرى إعادة انتشار الوحدات داخل مديريات عدن، وتغيير ونقل عدد من النقاط الأمنية، مع الإعلان المستمر عن مساعي نقل المعسكرات والسلاح الثقيل خارج عدن والإبقاء على الجهاز الجديد فقط للمهام الأمنية. 


ورغم هذه التعهدات، استمر وصول وحدات عسكرية تابعة لقوات درع الوطن إلى معسكرات تشرف عليها السعودية في عدن مثل معسكر الشعب وقاعدة صلاح الدين، خلال يناير وفبراير. 


وقد شهدت عدن ومحيطها انتشارًا متدرجًا لقوات “درع الوطن”، حيث تمركزت في مداخل المدينة الشمالية ونصبت نقاطًا خاصة بها بحسب مصدر أمني لمركز سوث24، خصوصًا منطقة الرباط، ومحيط قاعدة العند في محافظة لحج، إضافة إلى طرق الربط بين عدن والمحافظات المجاورة. 


وفي السياق نفسه، شهدت قوات “درع الوطن” خلال هذه الفترة إعادة ترتيب في بنيتها القيادية، مع تعيين قائد جديد لها هو بسام المحضار، ورئيس أركان هو عبد الرحمن اللحجي، وإعفاء القائد السابق بشير الصبيحي الذي أشارت مصادر مطلعة لرفضه قتال القوات الجنوبية في حضرموت خلال ديسمبر ومطلع يناير الماضي. وجاء تعيين القيادة الجديدة بالتزامن مع تخريج دفعات جديدة من القوات في مواقع تدريب، بينها منطقة العبر بين حضرموت والسعودية.


وقد امتدت إعادة هندسة ميزان القوة إلى الوحدات الأكثر حساسية داخل العاصمة عدن، لا سيما تلك المرتبطة مباشرة بمركز القرار العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي. ففي يناير الماضي، برزت نقطة تحول لافتة مع انسحاب قوات العاصفة والحماية الرئاسية المرتبطة برئاسة الانتقالي من مديريات عدن، مقابل انتشار ألوية العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن.


وتوازى ذلك مع مسار آخر تمثل في إخضاع تلك التشكيلات وتشكيلات جنوبية مختلفة لآليات إحصاء وترقيم وبصمة وحسابات مالية بإشراف سعودي. وشمل صرف المرتبات آلية جديدة ربطت التمويل بإعادة ضبط القوائم البشرية. وبذلك تحوّل ملف الرواتب من مسألة إدارية إلى أداة تأثير في بنية القوة.


وفي محافظة شبوة، ظهرت التغييرات بشكل مباشر على خطوط التماس. ففي مارس 2026، تم انسحاب قوات العمالقة الجنوبية من جبهة حريب، قبل أن يتم إحلال قوات “دفاع شبوة” محلها بإشراف سعودي مباشر. وشمل ذلك نقل مواقع التمركز في الجبهة، وإعادة توزيع النقاط العسكرية على امتداد محور حريب – بيحان، وربطها بقيادة ميدانية جديدة.


وقد تسلمت القوات السعودية قاعدة مرة العسكرية في شبوة من الإماراتيين بعد مغادرتهم مطلع العام. ومن هذه القاعدة، يشرف المندوب العسكري السعودي مصلح العتيبي على الترتيبات في المحافظة، فيما يشرف المندوب فلاح الشهراني على الترتيبات الأوسع في إطار عدن وبقية المحافظات.


أما في حضرموت، فقد اتخذت التغيرات طابعًا ميدانيًا متدرجًا كشف عن إعادة تشكيل واضحة لميزان القوة داخل المحافظة. فقد شهدت الفترة الماضية عودة مجاميع من أفراد وجنود شماليين من المنطقة العسكرية الأولى، وإعادة تجميعهم داخل وادي حضرموت ضمن الألوية التي سبق طردها على يد القوات الجنوبية في ديسمبر.


قبل هذا، كانت قرارات عدة قد صدرت بتعيين قيادة جديدة لكل من المنطقة العسكرية الثانية والأولى، بشخصيات مقربة من السعودية من بينها تعيين قائد الفرقة الثانية لقوات درع الوطن فهد بامؤمن قائدًا للمنطقة العسكرية الأولى أيضًا.


وفي موازاة ذلك، استمر وجود قوات الطوارئ الشمالية في وادي حضرموت، رغم تعهدات سابقة من السعودية بإخراجها وتمكين القوات المحلية من أبناء حضرموت والمهرة بتأمين المحافظتين.


وترافقت هذه التطورات مع إجراءات طالت تشكيلات أمنية بارزة، حيث جرى عزل مئات الضباط والأفراد من لواء بارشيد، الذي يُعد من أهم الوحدات التي شاركت في إطار النخبة الحضرمية في عمليات مكافحة تنظيم القاعدة في ساحل حضرموت منذ عام 2016، إلى جانب خطوات مماثلة استهدفت عناصر من قوات الدعم الأمني، عبر الإبعاد أو إعادة الفرز لأسباب على خلفية مناطقية (استبعاد الجنوبيين من خارج حضرموت).


وفي سياق موازٍ، أُعلن عن مسار لدمج ما تبقى من الجنود الحضارم في النخبة الحضرمية ولواء الدعم الأمني، ضمن أجهزة الأمن في وادي وصحراء حضرموت، تحت إشراف وزارة الداخلية. غير أن هذا المسار أثار تحذيرات سياسية، أبرزها من نائب رئيس المجلس الانتقالي المقيم في الإمارات فرج البحسني، الذي شدد على أهمية الحفاظ على تماسك النخبة الحضرمية، محذرًا من أن أي إضعاف لهذه التشكيلات قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الأمني في المحافظة.


والبحسني كان سابقًا محافظ حضرموت وقائد المنطقة العسكرية الثانية، وله دور بارز في قيادة العملية ضد تنظيم القاعدة في 2016,


لاعب أوحد في الساحة


يرى الصحفي الجنوبي عبد القادر العنقري أن السعودية أصبحت “اللاعب الرئيسي الوحيد” في المسرح العسكري والأمني الجنوبي، وهي من تشرف على إعادة هندسة هذا المسرح لمواكبة حساباتها الخاصة سواء على مستوى تكسير مخالب المجلس الانتقالي، أو التحضير لحرب محتملة مع الحوثيين إذا فشل المسار السياسي.


وقال لمركز سوث24: "ما يجري قد يُفهم جزئيًا كإعادة توزيع للقوات في إطار التحضير لأي مواجهة محتملة مع الحوثيين، لكن المؤشرات لا تقتصر على هذا البعد، بل تعكس مسارًا موازياً لإعادة تشكيل الداخل الجنوبي".


من زاوية أخرى، يقدّم الناشط السياسي مهدي الخليفي قراءة رديفة، معتبرًا أن ما يوصف بإعادة التموضع “لا يمكن النظر إليه كإجراء عسكري طبيعي”، بل يرتبط بقرار سياسي أوسع، مضيفًا أن هذه التحركات قد تمثل “إعادة توزيع للقوة على حساب بعض التشكيلات الجنوبية”، وهو ما يضعها ضمن سياق إعادة هندسة النفوذ، لا مجرد تحسين الأداء الميداني. 


وتجدر الإشارة أنه على المستوى الرسمي، تُقدَّم هذه الخطوة كجزء من مسار إصلاحي يهدف إلى هيكلة القوات الأمنية والعسكرية في جنوب اليمن برعاية سعودية وإدماجها ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وهو توجه، من حيث المبدأ، يبدو معقولًا ومهمًا على المستوى النظري لعمل الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي ضمن بيئة منسجمة، غير أن القراءة الميدانية لهذه الإجراءات تكشف عن طبقة أكثر تعقيدًا. 


هذه العملية لا تخلو من محاولات لإعادة الضبط المؤسسي، بما قد يحمله كل هذا من تبعات سياسية على قضية الجنوب التي استندت لسنوات لثلاثة أعمدة هي الكيان السياسي (المجلس الانتقالي)، القوة العسكرية (القوات الجنوبية)، والحاضنة الاجتماعية القوية (الشعب الجنوبي). ومع استمرار محاولات تفكيك واستهداف الانتقالي، وذوبان هوية وخصوصية القوات الجنوبية، تبدو المخاطر بالنسبة للجنوبيين أكبر من أي وقت مضى.


عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

Shared Post
Subscribe

Read also