زعماء حزب الإصلاح في اليمن (فرع الإخوان المسلمين في اليمن) (صورة من الإنترنت)
02-05-2026 at 5 PM Aden Time
مركز سوث24 | محمد فوزي
في ظل اللحظة الإقليمية الراهنة، حيث تتقاطع مسارات الصراع في اليمن مع إعادة تشكيل أولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، تبرز مؤشرات لافتة على احتمال توجه واشنطن نحو تصنيف تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن ممثلاً في حزب التجمع اليمني للإصلاح كتنظيم إرهابي. الأمر الذي يطرح تساؤلات مهمة حول إمكانية مضي الإدارة الأمريكية فعلاً نحو تصنيف إخوان اليمن كتنظيم إرهابي، أم أن ما يجري لا يتجاوز كونه رسائل ضغط سياسية في سياق إعادة ترتيب المشهد اليمني. كما يفتح الباب أمام تساؤل آخر بشأن التداعيات المحتملة لمثل هذا القرار، ومدى تأثيره على توازنات القوى داخل اليمن.
أولاً: المؤشرات الرئيسية للتوجه الأمريكي
شهدت الآونة الأخيرة مجموعة من المؤشرات اللافتة التي تعكس احتمال وجود نقاش أو توجه داخل دوائر صنع القرار الأمريكية نحو إعادة تقييم وضع “إخوان اليمن” (حزب الإصلاح) وربما الاقتراب من خيار التصنيف الإرهابي. هذه المؤشرات تتوزع بين ما هو رسمي، وما هو سياقي، وما يرتبط بضغوط الحلفاء وإعادة تشكيل الأولويات الأمريكية، ويمكن تناول أبرز هذه المؤشرات في ضوء الآتي:
1- إجراء مراجعات بخصوص وضع إخوان اليمن: أفادت تقارير بأن الجانب الأمريكي يُجري حالياً مراجعة موسعة تتعلق بإدراج حزب الإصلاح وأذرعه الاقتصادية والاجتماعية على لائحة الإرهاب، وذكرت التقارير أن إخوان اليمن يحاولون استغلال نفوذهم داخل الحكومة اليمنية لفتح نقاشات مع الجانب الأمريكي تستهدف تصوير التصنيف المحتمل، على أنه "سيعرقل السلام وسيعقد الأزمة الإنسانية في البلاد".
وتعكس هذه التقارير لحظة اختبار حقيقية لطبيعة العلاقة بين واشنطن وحزب الإصلاح، إذ تشير إلى انتقال محتمل من مرحلة "التعامل البراغماتي" مع الفاعلين المحليين إلى مرحلة "إعادة التقييم الشامل" التي لا تقتصر على البعد السياسي، بل تمتد إلى البُنى الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالحزب.
2- تصنيف بعض أفرع الإخوان كتنظيم إرهابي: أعلنت الإدارة الأمريكية في مطلع العام 2026، عن تصنيف 3 أفرع للإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن كتنظيمات إرهابية، مع فرض عقوبات مشددة على هذه الأفرع، مؤكدةً أنها تشكل "خطراً على الولايات المتحدة ومصالحها". كذلك أعلنت الإدارة الأمريكية مؤخراً تصنيف الفرع السوداني للجماعة كتنظيم إرهابي.
ورغم القراءة الأولية آنذاك من قبل العديد من التقديرات بأن هذا التوجه الأمريكي مثل مؤشراً دالاً على تبني مقاربة انتقائية ومرنة في التعاطي مع التنظيم، تقوم على تقييم كل فرع وفق سلوكه المحلي وعلاقاته وتشابكاته، بدلاً من الاكتفاء برفض أو قبول التصنيف بشكل كلي. إلا أن هذه السابقة تفتح المجال نظرياً أمام توسيع نطاق التصنيف ليشمل حالات أخرى، من بينها إخوان اليمن (حزب الإصلاح)، إذا ما توفرت لدى واشنطن مبررات كافية تربط بين نشاط هذا الفرع واعتبارات الأمن والاستقرار. كما أن هذا النهج يعكس تحولاً تدريجياً من التعامل مع الجماعة كفاعل سياسي يمكن احتواؤه، إلى النظر إلى بعض مكوناتها كتهديد محتمل في بيئات الصراع الهش، وهو ما يجعل إدراج إخوان اليمن في دوائر المراجعة أمراً منسجماً مع هذا المسار.
3- البعد الأمريكي الداخلي: إلى جانب الأمر التنفيذي 13224 الصادر عن الرئيس دونالد ترامب بإدراج ثلاثة فروع من تنظيم الإخوان المسلمين في القوائم الأمريكية للتنظيمات الإرهابية، أعلنت كل من ولاية تكساس وفلوريدا عن إدراج جماعة "الإخوان المسلمين" ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية "كير"، في قائمة "التنظيمات الإرهابية".
ويمكن استقراء أبعاد هذا التوجه في ضوء اعتبارات رئيسية، وأولها أنه يمثل وفاءً بوعد انتخابي للرئيس ترامب منذ ولايته الأولى، يتمثل في الوعد بمحاصرة نفوذ جماعات الإسلام السياسي وأبرزها جماعة الإخوان، وتجفيف منابع تمويل تلك الفروع مالياً، والسماح بتجميد أصولها، وشل حركتها على الأرض محلياً وعبر الحدود. وثانيها أن هذه التحركات المرتبطة بالداخل الأمريكي تشير إلى تحول في المزاج العام وداخل بعض النخب السياسية، حيث يتزايد الربط بين الإسلام السياسي ومخاوف الأمن القومي. ويغذي هذا الاتجاه صعود تيارات محافظة تضغط باتجاه إعادة تعريف التهديدات غير التقليدية، إلى جانب تأثير جماعات الضغط والإعلام ومراكز الفكر والتي ترى في التنظيم تهديداً لمصالح وأمن الولايات المتحدة وحلفاؤها، وبالتالي فإن تراكم وتزايد هذه العوامل الداخلية، يخلق بيئة خصبة نحو التوسع في تصنيف أفرع الإخوان كتنظيمات إرهابية.
4- الموقف العربي والإقليمي من الإخوان: يمثل الموقف العربي والإقليمي من جماعة الإخوان المسلمين أحد المحددات غير المباشرة، لكن المؤثرة، في حسابات الإدارة الأمريكية تجاه مسألة التصنيف، إذ إن عدداً من الدول العربية—مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر—قد تبنّت منذ سنوات مقاربة حاسمة تقوم على اعتبار الجماعة تنظيماً إرهابياً، ليس فقط لأسباب أيديولوجية، بل استناداً إلى تقييمات أمنية ترى في شبكاتها العابرة للحدود مصدراً لعدم الاستقرار. هذا التوافق النسبي بين هذه الدول—رغم تباين أولوياتها—خلق بيئة إقليمية ضاغطة تسعى إلى إعادة تعريف الجماعة في الخطاب الدولي من “فاعل سياسي” إلى “تهديد أمني”. وفي ظل اعتماد واشنطن على هذه الدول كشركاء رئيسيين في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، يصبح من الصعب تجاهل هذا الإجماع النسبي، خاصة عندما يقترن بتبادل معلومات استخباراتية وضغوط دبلوماسية مستمرة.
5- الإشكالات المرتبطة بإخوان اليمن: إلى جانب المؤشرات السابقة الخاصة بالإدارة الأمريكية ومحددات تحركها في هذا الملف، فإنه وفي الحالة اليمنية تُطرح هذه المسألة ليس باعتبار حزب الإصلاح يمثل امتداداً فقط للإخوان المسلمين، بل كفاعل يمني تبنى وتغاضى عن أنماط عنف وانتهاكات على الأرض. فالحزب لم ينجح في تقديم نموذج واضح للفصل بين العمل السياسي والعمل المسلح، بل بدا في كثير من الأحيان مستفيداً من بيئة الميليشيات والتحالفات القبلية التي تُدار خارج إطار الدولة، بما يفاقم من حالة السيولة الأمنية.
كما تُثار حوله اتهامات باستغلال مؤسسات رسمية ونفوذ حكومي لتمكين شبكات موالية له، وهو ما يخلق اختلالات في بنية الحكم ويقوّض فرص بناء دولة مؤسسية مستقرة. هذا السلوك—إن صحّ—لا يضعه فقط في موضع الشبهة الأمنية، بل يجعله أيضاً عاملاً معرقلاً لأي مسار جاد للتسوية، إذ يعزز منطق توازنات القوة على حساب منطق الدولة.
ثانياً: السيناريوهات المتوقعة
في ضوء المؤشرات السابقة يمكن تصور بعض السيناريوهات الرئيسية فيما يتعلق بمستقبل تعامل الإدارة الأمريكية مع حزب التجمع اليمني للإصلاح في اليمن، وذلك على النحو التالي:
1- تصنيف الحزب كتنظيم إرهابي: يفترض هذا السيناريو أن تمضي واشنطن نحو إدراج حزب الإصلاح بكامل هياكله—السياسية والاقتصادية والاجتماعية—على لوائح الإرهاب، استناداً إلى تراكم تقارير أمنية وضغوط إقليمية متزايدة، إلى جانب تحولات داخلية في المزاج السياسي الأمريكي تجاه جماعة الإخوان المسلمين. في هذه الحالة، سيكون القرار بمثابة تحول استراتيجي حاد، يعيد تعريف أحد أبرز الفاعلين في المعادلة اليمنية من "شريك براجماتي" إلى "تهديد يجب احتواؤه".
وسوف يكون لهذا السيناريو تداعياته المحتملة على العديد من الملفات إذ أنه سيكون مقدمة لإعادة هيكلة كبيرة على مستوى معسكر الشرعية اليمنية، كما أنه سيدفع باتجاه إعادة تشكيل التحالفات الداخلية، وشبكة إدارة بعض الملفات بما في ذلك الملف الإنساني وكافة الملفات التي كان إخوان اليمن منخرطين فيها.
2- التصنيف الانتقائي أو الجزئي: يفترض هذا السيناريو تبني مقاربة تفكيكية، بحيث لا يتم تصنيف الحزب ككل، بل استهداف أجنحة أو شخصيات أو كيانات مرتبطة به يُعتقد بوجود صلات لها بأنشطة عنيفة أو شبكات تمويل مشبوهة. هذا النهج يتسق مع النمط الأمريكي في التعامل مع الفاعلين المعقدين، حيث يُستخدم التصنيف كأداة ضغط دقيقة دون الإطاحة الكاملة بالبنية السياسية القائمة.
وفي هذا الإطار، قد تسعى واشنطن إلى إعادة ضبط سلوك الحزب، ودفعه نحو مزيد من "الانضباط السياسي" وفك الارتباط الأيديولوجي والتنظيمي بالإخوان المسلمين خصوصاً مع الرسائل البراجماتية التي بعث بها إخوان اليمن بهذا الخصوص، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات تواصل معه كجزء من المعادلة اليمنية. هذا السيناريو ربما يُقرأ أمريكياً بأنه يحقق توازناً نسبياً بين الاعتبارات الأمنية ومتطلبات الاستقرار، لكنه يظل محفوفاً بمخاطر الغموض، إذ قد يخلق حالة من الالتباس داخل الحزب نفسه، ويدفع بعض مكوناته إلى مزيد من التشدد أو الانكفاء.
3- الإبقاء على الوضع القائم مع استخدام "التهديد بالتصنيف": يفترض هذا السيناريو أن تفضل الإدارة الأمريكية عدم اتخاذ قرار رسمي بالتصنيف، مع الاستمرار في استخدامه كورقة ضغط سياسية وأمنية. وفي هذه الحالة، يتحول "احتمال التصنيف" إلى أداة لإعادة تشكيل سلوك الحزب، ودفعه إلى تقديم تنازلات في ملفات معينة، سواء على مستوى العلاقات مع الفاعلين المسلحين أو الانخراط في مسار التسوية. هذا النهج يعكس براغماتية واضحة، إذ يسمح لواشنطن بالحفاظ على هامش مناورة واسع دون تحمل كلفة قرار جذري قد تكون تداعياته غير محسوبة. كما أنه ينسجم مع أولوية تقليل التصعيد في اليمن والتركيز على احتواء الأزمة بدلاً من إعادة خلط أوراقها بشكل كامل. ومع ذلك، فإن استمرار هذا الوضع قد يُفسر على أنه تردد أو غموض استراتيجي، ما قد يضعف من مصداقية التهديد ذاته بمرور الوقت.
وإجمالاً، فإن الحالة الراهنة وما تشهده من تفاعلات بخصوص موقف الإدارة الأمريكية من إخوان اليمن تعبر بشكل رئيسي وبغض النظر عن شكل التعامل المستقبلي، عن حالة من انعدام الثقة، وتجاوز مرحلة "التعامل البراجماتي" مع التنظيم اليمني. وسوف يكون هذا القرار حال اتخاذه ليس مجرد إجراء قانوني أو تقني، بل سيمثل تحولاً بنيوياً في مقاربة واشنطن تجاه الملف اليمني إجمالاً، إذ أنه يمثل انتقالاً من سياسة "الاحتواء البراجماتي" إلى "الإقصاء المنظم التدريجي" بما يعني إعادة تعريف إخوان اليمن من مكون سياسي إلى عبء أمني ينبغي تفكيكه أو تحجيمه. هذا التحول، في جوهره، سيعيد رسم حدود المقبول والمرفوض في المعادلة اليمنية وفق معايير أمنية أكثر تشدداً، وقد يفتح الباب أمام إعادة هندسة شاملة لمكونات السلطة والتحالفات.
وعلى مستوى الحزب ذاته، ستكون التداعيات مباشرة وقاسية. إذ سيواجه حزب الإصلاح عزلة دولية متزايدة، مع قيود على الحركة والتمويل والتواصل السياسي، ما قد يدفعه إلى أحد مسارين: إما الانكفاء وإعادة التموضع عبر تفكيك هياكله أو إعادة تسميتها، أو التصلب واللجوء إلى مزيد من التطرف والعنف الداخلي والارتباط بشبكات غير رسمية لتعويض الخسائر. كما أن القرار قد يعمّق الانقسامات الداخلية بين تياراته، بين من يدعو إلى البراجماتية والتكيف، ومن يرى في التصعيد خياراً وحيداً، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل تماسكه التنظيمي على المدى المتوسط.
Previous article