التقارير الخاصة

تحرير الدولار الجمركي: هل اختارت الحكومة اليمنية الحل الأسهل لتعويض الإيرادات؟

ميناء عدن في جنوب اليمن (صورة من الإنترنت)

05-06-2026 at 4 AM Aden Time

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


أقرت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في 19 مايو، تحرير سعر الدولار الجمركي ضمن حزمة إجراءات اقتصادية ومالية قالت إنها تهدف إلى معالجة التشوهات السعرية، وتعزيز كفاءة تحصيل الموارد العامة، وتقليص الفجوة بين السعر الجمركي المعتمد وسعر الصرف في السوق.


ولم تعلن الحكومة رقمًا ثابتًا جديدًا للدولار الجمركي، غير أن تحريره يعني عمليًا الانتقال من السعر السابق المعمول به، والبالغ 750 ريالًا للدولار، إلى احتسابه وفق سعر الصرف السائد في مناطق سيطرة الحكومة، والذي يدور حاليًا حول 1550 ريالًا للدولار. وبذلك، ستتضاعف تقريبًا الكلفة الجمركية على السلع الخاضعة للرسوم، ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول أثر القرار على الأسعار، خصوصًا في سوق يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد.


وقد أكدت الحكومة أن السلع الأساسية المعفاة من الرسوم الجمركية لن تتأثر بالقرار، وأن تطبيقه سيستهدف السلع الكمالية وغير الأساسية. غير أن غياب قائمة تفصيلية واضحة لهذه السلع، وضعف أدوات الرقابة، وتجارب الزيادات السابقة في السعر الجمركي، أثارت مخاوف لدى التجار والمستهلكين من انتقال الأثر إلى قطاعات أوسع من السوق، بما في ذلك سلع شبه أساسية أو تكاليف مرتبطة بالنقل والتخليص والتوزيع.


ولا ينفصل القرار عن الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة منذ توقف صادرات النفط في أكتوبر 2022، وهي الأزمة التي قلّصت مواردها، وأضعفت قدرتها على دفع الرواتب وتوفير وقود محطات الكهرباء وتغطية النفقات الأساسية. كما تأتي الخطوة في ظل استمرار الخلاف حول توريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي في عدن، ورفض أو تعثر بعض السلطات المحلية والمؤسسات في توريد مواردها عبر القنوات الرسمية، بما حدّ من قدرة الحكومة على بناء وعاء مالي موحد.


لكن الإشكالية الأهم لا تتعلق بتحرير الدولار الجمركي كفكرة مالية فقط، بل بتوقيت تطبيقه داخل خطة الإصلاحات الاقتصادية التي أقرها مجلس القيادة الرئاسي أواخر أكتوبر 2025. فقد نصت تلك الخطة على حزمة مترابطة من الإجراءات، تبدأ بإلزام المحافظات بتوريد جميع الإيرادات إلى الحساب العام للحكومة في البنك المركزي بعدن، ومنع التحصيل أو الإنفاق خارج القنوات الرسمية، وتوحيد إدارة المنافذ الجمركية والضريبية، وإلغاء الصناديق والرسوم غير القانونية، وضبط المنافذ المستحدثة، إلى جانب تحرير سعر الدولار الجمركي.


اقرأ المزيد: هل تستطيع الحكومة اليمنية تطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي؟


وبهذا المعنى، كان تحرير الدولار الجمركي جزءًا من مسار يفترض أن يُنفذ بالتوازي مع ضبط الإيرادات والمنافذ والجبايات، لا كإجراء منفصل سابق على استكمال تلك الشروط. غير أن قرار الحكومة في مايو بدأ من البند الأسرع أثرًا على الإيرادات، قبل أن تظهر نتائج واضحة في مركزية الموارد، أو إلغاء الجبايات غير القانونية، أو ضبط المنافذ، أو ضمان توريد الإيرادات السيادية إلى البنك المركزي في عدن.


ويطرح هذا الترتيب سؤال التقرير الأساسي: هل يمثل تحرير الدولار الجمركي خطوة إصلاحية ضرورية لتصحيح تشوهات التحصيل الجمركي، أم أنه محاولة سريعة لتعويض عجز الإيرادات عبر تحميل السوق والمستهلك كلفة إضافية قبل معالجة جذور الأزمة المالية؟


أزمة الإيرادات والسيولة


قال الأستاذ الدكتور في الاقتصاد القياسي بجامعة عدن، علي أحمد السقاف، إن رفع سعر الدولار الجمركي “ليس إجراءً جديدًا”، موضحًا أن الحكومات لجأت إليه في مراحل سابقة، حيث ارتفع تدريجيًا من 250 ريالًا إلى 500 ثم 700 ريال، وصولًا إلى تحريره مؤخرًا وربطه بسعر السوق. وأضاف السقاف لمركز سوث24 أن الحكومة تسعى من خلال القرار إلى زيادة الإيرادات العامة وتقليص فجوة العجز المالي، لكنها “وضعت العربة أمام الحصان” عبر تحرير الدولار الجمركي قبل معالجة ملف الإيرادات وضبط الموارد العامة.


وأشار السقاف إلى أن الدولة تواجه “خللًا كبيرًا” بسبب عدم توريد إيرادات بعض المحافظات، مثل مأرب وتعز وحضرموت، إلى البنك المركزي في عدن، معتبرًا أن أي إصلاح اقتصادي لن ينجح دون توحيد الإيرادات وضبط الإنفاق العام. 


ويتفق الخبير الاقتصادي الدكتور عيسى أبو حليقة مع أن القرار يأتي في سياق محاولة معالجة الاختلالات المالية وتوسيع الإيرادات العامة، خصوصًا بعد اتساع الفجوة بين السعر الجمركي الرسمي وسعر الصرف في السوق. وقال لمركز سوث24 إن القرار يمثل “محاولة لتعزيز موارد الدولة وتوحيد الأوعية الإيرادية” في ظل الأزمة المالية الناتجة عن توقف صادرات النفط، لكنه شدد على أن نجاحه “مرهون بوجود إرادة سياسية حقيقية لتفعيل الرقابة وضبط الإيرادات ومحاسبة المخالفين”.


كما رأى أستاذ المالية العامة بجامعة عدن، د. محمد جمال الشعيبي، أن توريد الإيرادات إلى البنك المركزي وتحرير الدولار الجمركي يمثلان “محطة مفصلية”، لكنه أكد أن هذه الإجراءات ستظل “حبرًا على ورق” ما لم تترافق مع خطوات تنفيذية جادة وصلاحيات مالية حقيقية تُمارس على الأرض. 


كيف سيؤثر القرار على الأسعار؟


يعني تحرير الدولار الجمركي أن الرسوم الجمركية على السلع الخاضعة للجمارك ستُحتسب وفق سعر الصرف السائد في السوق، بدل السعر الجمركي السابق البالغ 750 ريالًا للدولار. ورغم تأكيد الحكومة أن السلع الأساسية المعفاة من الرسوم لن تتأثر، فإن أثر القرار لا يتوقف عند السلع التي تُفرض عليها الجمارك مباشرة، بل يمتد إلى كلفة الاستيراد والنقل والتخليص والتخزين والتوزيع، وهي حلقات تدخل في تسعير معظم السلع داخل السوق.


وتشير التجارب السابقة منذ عام 2017 إلى أن أي زيادة في سعر الدولار الجمركي انعكست تدريجيًا على أسعار الملبوسات والأدوية والإلكترونيات والمواد المنزلية، بل وحتى بعض السلع الغذائية، سواء بصورة مباشرة أو عبر التكاليف المرتبطة بالنقل وسلاسل التوريد. وهذا يجعل طمأنة الحكومة بشأن استثناء السلع الأساسية بحاجة إلى اختبار عملي في سوق يعاني من ضعف الرقابة وتعدد الجبايات وارتفاع تكاليف الطاقة.


وفي محاولة لاحتواء المخاوف، أكدت مصلحة الجمارك أن القرار “لن يمس احتياجات المواطنين الأساسية”، موضحة أن السلع المعفاة تشمل القمح والأرز والأدوية الخاصة بالقائمة الوطنية، وأن القرار يستهدف بصورة رئيسية السلع الكمالية وغير الضرورية. كما قالت إن استمرار احتساب الرسوم الجمركية بسعر صرف منخفض كان يؤدي إلى “فجوة كبيرة في الإيرادات” استفادت منها فئات محددة من المستوردين، بينما تُسعَّر السلع للمستهلك وفق أسعار السوق الفعلية.


غير أن عضو الغرفة التجارية في عدن وعضو اللجنة الرئاسية لرجال الأعمال، جمال محفوظ بلفقيه، يرى أن تأثير القرار “لن يقتصر عمليًا على السلع الكمالية فقط”. وقال لمركز سوث24 إن أي زيادة في تكاليف الاستيراد “ستنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أسعار السلع”، في وقت لم تشهد فيه دخول المواطنين أي تحسن موازٍ يخفف آثار هذه الزيادات. وأضاف أن الأثر قد يظهر في البداية بصورة أوضح على السلع المستوردة ذات الهوامش المرتفعة، “لكنه سيمتد تدريجيًا إلى قطاعات أوسع من السوق”.


ويستند هذا التخوف إلى طبيعة السوق اليمنية، حيث ترتبط كثير من السلع الأساسية بسلاسل نقل وتغليف ومدخلات إنتاج مستوردة. فحتى إذا بقيت بعض السلع معفاة من الجمارك، فإن تكلفة نقلها أو تخزينها أو تغليفها أو صيانتها قد تتأثر بارتفاع كلفة سلع وخدمات أخرى تدخل في سلسلة التوريد. ولذلك، يرى بلفقيه أن السوق قد يشهد “ارتفاعات سعرية تدريجية حتى وإن بدا التأثير في بدايته محدودًا”.


وفي السياق ذاته، قال رجل الأعمال اليمني المقيم في الصين، عبد الملك الحداد، لمركز سوث24 إن تحرير الدولار الجمركي سيؤدي بصورة طبيعية إلى ارتفاع كلفة التخليص الجمركي والاستيراد، بما سينعكس على أسعار كثير من السلع المستوردة من الصين، خصوصًا في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد مثل اليمن. وأوضح أن حجم التأثير سيختلف من سلعة إلى أخرى وفق طبيعة المنتج، وحجم الطلب عليه، ومدى توفر بدائل محلية في السوق.


وبشأن من سيتحمل الزيادة الناتجة عن القرار، أوضح الحداد أن السوق “يوزع الكلفة بين التاجر والمستهلك بحسب طبيعة المنافسة وقوة الطلب”، مشيرًا إلى أن بعض التجار قد يتحملون جزءًا من الزيادة في المراحل الأولى، خصوصًا من يملكون مخزونًا سابقًا أو يتمتعون بهوامش ربح جيدة. لكنه أشار إلى أنه على المدى المتوسط “ستنتقل نسبة كبيرة من هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي”، لأن أي زيادة في كلفة الاستيراد تنتقل تدريجيًا عبر كامل سلسلة التوريد، من التخليص والشحن وصولًا إلى البيع بالتجزئة.


وقدّر الحداد أن بقية السلع المستوردة، خارج نطاق السلع الأساسية المحمية، مرشحة لزيادات سعرية تتراوح بين 5% و20% بحسب نوع المنتج ومستوى المنافسة في السوق. واعتبر أن هذه الزيادات ستصل تدريجيًا إلى المستهلك النهائي، الذي يدفع في النهاية ثمن حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.


ولا تنفصل هذه المخاوف عن حقيقة أن تحسن سعر صرف الريال خلال الأشهر الماضية لم ينعكس بوضوح على الأسعار. فقد أوضح الحداد أن الأسعار “لا ترتبط بسعر الصرف فقط”، لأن كثيرًا من البضائع المعروضة حاليًا في الأسواق جرى استيرادها عندما كان الدولار عند مستويات مرتفعة. كما أن تكاليف النقل والشحن والطاقة والمخاطر التجارية لا تزال مرتفعة، وهو ما يحد من انعكاس تحسن سعر الصرف بصورة مباشرة على الأسعار المحلية.


اقرأ المزيد: تعافٍ بلا أثر: كيف ابتلعت اختلالات السوق مكاسب الريال اليمني


وأشار الحداد إلى أن التجار في الأسواق غير المستقرة، مثل اليمن، يتعاملون بحذر مع أي تحسن في سعر الصرف، لذلك “لا يلجؤون إلى خفض الأسعار بسرعة ما لم يشعروا بوجود استقرار حقيقي ومستدام في سعر الصرف وسلاسل التوريد، إلى جانب وضوح السياسات الاقتصادية”. وهذا يعني أن السوق قد يستجيب بسرعة لزيادة الكلفة، لكنه لا يستجيب بالسرعة نفسها لتحسن العملة، وهي معادلة تزيد حساسية قرار الدولار الجمركي على المستهلكين.


ويتفق علي السقاف مع هذا الطرح، معتبرًا أن الحديث عن استثناء السلع الأساسية من التأثير “غير واقعي عمليًا”، لأن معظم الواردات في اليمن مرتبطة بالسلع الأساسية أو بالخدمات المتصلة بها، بما في ذلك النقل وقطع الغيار والأدوية والمواد الغذائية. ومن هذا المنظور، فإن الأثر غير المباشر للقرار قد يكون أوسع من نطاق السلع الخاضعة للرسوم مباشرة.


أما د. عيسى أبو حليقة، فيرى أن التأثير السعري سيظهر عبر مسارين. الأول مباشر، ويتمثل في ارتفاع أسعار السلع غير الأساسية مثل السيارات والأجهزة الإلكترونية ومواد البناء. والثاني غير مباشر، من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتوزيع بعد زيادة أسعار الديزل المستورد بنسبة 24.5%. وقال إن ارتفاع تكاليف النقل سيؤثر حتى على السلع الأساسية المعفاة، كونها تعتمد على الديزل في عمليات الشحن والنقل من الموانئ إلى الأسواق، محذرًا من موجة تضخمية جديدة قد تزيد من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.


وبذلك، لا يبدو أثر تحرير الدولار الجمركي محصورًا في العلاقة المباشرة بين الجمارك والسلع الكمالية. فالسوق اليمنية تعمل داخل شبكة من الكلف المتداخلة، تبدأ من سعر الصرف والتخليص الجمركي، وتمر بالشحن والطاقة والنقل، وتنتهي بالأسعار النهائية في المتاجر. وفي ظل ضعف الرقابة وتراجع القدرة الشرائية، تصبح مخاطر انتقال القرار إلى المستهلك أعلى من قدرة الحكومة على حصره إداريًا في نطاق السلع غير الأساسية.


عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

Shared Post
Subscribe

Read also