تصميم: مركز سوث24 (بواسطة الذكاء الاصطناعي)
Last updated on: 28-06-2026 at 9 AM Aden Time
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
لم يعد التضليل الرقمي في اليمن محصورًا في الشائعات المتداولة أو الصور القديمة المعاد نشرها خارج سياقها، بل يتجه تدريجيًا نحو مرحلة أكثر تركيبًا تُستخدم فيها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج محتوى بصري وسمعي ونصي يبدو واقعيًا. ويشمل ذلك الصور المركّبة، ومقاطع الفيديو المفبركة، واستنساخ الأصوات، والحسابات الوهمية ذات الهويات الرقمية المصطنعة، بما يجعل التمييز بين الحقيقي والمزيّف أكثر صعوبة على الجمهور ووسائل الإعلام على حد سواء.
يأتي هذا التحول داخل بيئة يمنية شديدة الهشاشة، تتداخل فيها الحرب، والاستقطاب السياسي والإعلامي، وضعف الثقافة الرقمية، وتراجع الثقة بالمصادر، مع غياب أدوات مؤسسية وقانونية كافية للتعامل مع التزييف العميق والانتحال الرقمي. لذلك، لا يمثل الذكاء الاصطناعي هنا مجرد تطور تقني في أدوات صناعة المحتوى، بل عاملًا مضاعفًا لقدرة الجهات السياسية والإعلامية والاجتماعية على إنتاج روايات مضللة، وتضخيمها، وتوجيهها عبر المنصات الرقمية.
ويناقش هذا التقرير كيف غيّرت أدوات الذكاء الاصطناعي طبيعة التضليل الرقمي في اليمن، من حيث سهولة إنتاج المحتوى المفبرك، وتوسّع استخدام الحسابات المزيفة، وتسارع الانتشار بفعل الخوارزميات، وتراجع قدرة الجمهور على التحقق. كما يتناول أثر هذه الأدوات على المجال العام، وعلى الثقة بالمؤسسات الإعلامية والأدلة الرقمية، في ظل إمكانية التشكيك حتى في المواد الحقيقية بذريعة أنها مولّدة أو معدّلة تقنيًا.
من الشائعة اليدوية إلى المحتوى الاصطناعي
يقوم التحول الأبرز في موجة التضليل الجديدة على انتقال الفاعلين من إعادة تدوير الشائعات أو اجتزاء الصور القديمة إلى إنتاج محتوى اصطناعي كامل أو شبه كامل. فبدلًا من منشور مجهول أو صورة خارج سياقها، باتت أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح إنشاء مشاهد بصرية، وتعديل وجوه وخلفيات، وتوليد أصوات، وبناء هويات رقمية لحسابات وهمية، بما يمنح المادة المضللة مظهرًا أكثر واقعية وقدرة على الإقناع.
ويعتمد التزييف العميق على نماذج قادرة على تحليل صور أو أصوات أو مقاطع حقيقية، ثم إنتاج محتوى يحاكي الأشخاص أو الأحداث بدرجة عالية من الواقعية، مثل تركيب الوجوه، أو استنساخ الأصوات، أو إنشاء صور من أوصاف نصية، أو تحريك صور ثابتة لتبدو وكأنها تتحدث.
وفي هذا الصدد، قال الخبير في الاتصالات وتقنية المعلومات والرئيس السابق لجمعية الإنترنت في اليمن، المهندس فهمي الباحث، لمركز سوث24، إن هذه التقنيات تتطور بوتيرة متسارعة، مع ظهور أدوات وتحديثات جديدة بشكل شبه أسبوعي، ما يوسع نطاق استخدامها ويزيد تعقيد التحديات المرتبطة بها.
وأوضح الباحث أن الأدوات المتاحة تشمل توليد النصوص، وإدارة الحسابات الوهمية، وكتابة المنشورات السياسية والأخبار المزيفة والتعليقات المكثفة، إلى جانب إنشاء صور وفيديوهات معدّلة أو مصطنعة، واستنساخ أصوات يمكن أن تجعل شخصًا ينطق عبارات لم يقلها.
وتتضاعف خطورة هذه الأدوات لأنها لم تعد تتطلب مختبرات متخصصة أو أجهزة عالية الإمكانات، بل أصبحت متاحة عبر مواقع وتطبيقات هاتفية باشتراكات منخفضة أو مجانية، وبأوامر نصية بسيطة أو عبر رفع صور وملفات صوتية فقط. وهذا يعني أن إنتاج التضليل لم يعد حكرًا على جهات تقنية محترفة، بل أصبح متاحًا لمستخدمين عاديين أو لحسابات منظمة وحملات سياسية وإعلامية تسعى للتأثير السريع في الرأي العام.

وتأتي هذه الموجة داخل بيئة إعلامية يمنية منقسمة، تتنافس فيها أطراف سياسية وعسكرية متعددة على تشكيل الرواية العامة.
ومن الأمثلة البارزة على التضليل السياسي المرتبط بأطراف الصراع في اليمن، ما رافق التصعيد الحوثي في البحر الأحمر من تداول مواد بصرية مضللة، بينها مقاطع من لعبة المحاكاة العسكرية Arma 3، التي طورتها شركة Bohemia Interactive التشيكية، قُدمت باعتبارها مشاهد حقيقية لهجمات على سفن أو على حاملة الطائرات الأميركية USS Dwight D. Eisenhower. كما جرى تداول لقطات أخرى من اللعبة بوصفها إسقاطًا مزعومًا لمقاتلة أميركية فوق صنعاء، رغم أن هذه المشاهد مولّدة داخل بيئة لعبة فيديو وليست من الواقع.
ولم يقتصر التضليل المرتبط بالسرديات السياسية والعسكرية على ألعاب الفيديو؛ إذ فنّدت رويترز مقطعًا قيل إنه يوثق غرق السفينة Rubymar بعد هجوم حوثي في فبراير 2024، وتبين أنه يعود إلى غرق سفينة الشحن التركية Atlantik Confidence قبالة عُمان عام 2013. كما فنّدت مقطعًا آخر زُعم أنه يوثق استهداف حاملة طائرات أميركية، بينما يعود في الحقيقة إلى حادث تدريبي على الفرقاطة الألمانية Sachsen عام 2018.
وفي حديث لمركز سوث24، قال الصحفي المتخصص في صحافة البيانات، بسام غبر، إن الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة التضليل الرقمي مقارنة بالأساليب التقليدية القائمة على الشائعات والفبركات اليدوية، موضحًا أن التطور التكنولوجي والتدفق الهائل للمعلومات سهّلا إنتاج المحتوى المضلل ونشره على نطاق أوسع، خاصة عندما يُقدَّم في صورة أو مقطع فيديو يبدو قريبًا من الواقع.
وأضاف غبر أن هذه الأدوات أتاحت حتى لغير المتخصصين إنتاج مواد مضللة، وفبركة المعلومات أو تضخيم أحداث معينة وإلصاقها بأشخاص أو مؤسسات أو جماعات مختلفة. وأشار إلى أن اليمن يمثل بيئة خصبة لتأثر الجمهور بالشائعات، بسبب ضعف الوعي الرقمي ومحدودية المعرفة بآليات التحقق.
وتتضاعف الخطورة بفعل الخوارزميات التي تدفع المحتوى المثير للجدل إلى نطاقات أوسع من التفاعل. فالمادة المضللة، حين تُنشر عبر حسابات متعددة أو تعليقات منسقة، قد تبدو كأنها رواية مؤكدة أو اتجاه عام. ووفق غبر، فإن آليات النشر والترويج قد لا تقل أهمية عن إنتاج المحتوى نفسه، لأنها قادرة على إيصال الأخبار الكاذبة إلى أعداد كبيرة خلال وقت قصير.
ويفرض ذلك تحديًا مباشرًا على الجمهور ووسائل الإعلام، إذ لم تعد الصورة أو التسجيل الصوتي دليلًا كافيًا على صحة المعلومات. فالتضليل لا ينجح فقط عندما يصدّق الجمهور مادة مزيفة، بل أيضًا عندما يفقد قدرته على الحسم بين الحقيقي والمفبرك، بما يضعف الثقة بالمؤسسات الإعلامية والأدلة الرقمية. ويرى غبر أن مواجهة هذا الخطر تتطلب ترسيخ التفكير النقدي ورفع وعي الجمهور بطرق التحقق من المعلومات.

من التضليل السياسي إلى الابتزاز الاجتماعي
رغم أن التوظيف السياسي والإعلامي للذكاء الاصطناعي يبدو الأكثر وضوحًا في اليمن، فإن مخاطره لا تقف عند التأثير في الرأي العام أو تشويه الخصوم، بل تمتد إلى الاستهداف الشخصي، وانتهاك الخصوصية، والابتزاز الاجتماعي، خصوصًا بحق النساء والفتيات. فالأدوات نفسها التي تُستخدم في صناعة صورة سياسية مضللة أو تضخيم حدث معين، يمكن أن تُستخدم لتركيب صور أشخاص على أجساد أخرى، أو إنتاج مقاطع حميمية مفبركة، أو انتحال حسابات شخصية، أو تهديد الضحايا بنشر مواد حقيقية أو مزيفة.
وقال المهندس فهمي الباحث لمركز سوث24 إن استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل السياسي والإعلامي يبدو الأكثر تنظيمًا وقابلية للرصد، مقارنة باستخدامه في الابتزاز الاجتماعي، الذي يبقى أقل ظهورًا وتوثيقًا رغم تأثيره الكبير على الأفراد. وأوضح أن الاستخدامات الاجتماعية الضارة لهذه التقنيات تشمل تركيب الصور، وإنتاج محتوى جنسي غير رضائي، وانتحال حسابات النساء، واستغلال الأصوات والصور في بناء علاقات وهمية أو تنفيذ عمليات احتيال.
وتزداد خطورة هذه الجرائم في مجتمع محافظ مثل اليمن، حيث قد تتحمل الضحية تبعات اجتماعية ونفسية ومهنية حتى عندما يكون المحتوى مفبركًا بالكامل. كما أن كثيرًا من الحالات لا يصل إلى الجهات الأمنية أو الحقوقية بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية أو ردود الفعل الأسرية، بينما لا تميز الإحصاءات المتاحة غالبًا بين الابتزاز الإلكتروني التقليدي والابتزاز المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، قالت المحامية عزيزة السروري لمركز سوث24 إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في ابتزاز الضحايا وتشويه السمعة، خصوصًا بحق النساء والفتيات، يمثل أحد أخطر أشكال العنف الرقمي المستحدث في اليمن، لأنه لا يقتصر على المساس بالخصوصية أو السمعة، بل قد يتحول إلى وسيلة ابتزاز اجتماعي ونفسي واقتصادي. وأضافت أن مجرد تداول مادة مزيفة تُنسب إلى امرأة أو فتاة قد يؤدي إلى وصم اجتماعي، وتهديد للعلاقات الأسرية، وحرمان من التعليم أو العمل، ودفع الضحايا إلى الصمت خوفًا من الفضيحة أو الانتقام.
ومن الناحية القانونية، أوضحت السروري أن هذه الأفعال يمكن أن تُصنّف باعتبارها اعتداءً على حرمة الحياة الخاصة، وتشويهًا للسمعة، وسبًا أو قذفًا بحسب مضمون المادة المنشورة، وقد ترقى إلى جريمة ابتزاز إذا استخدم الجاني الصورة أو المقطع لحمل الضحية على دفع مال أو تقديم تنازل أو تنفيذ طلب معين.
وأضافت أن القانون اليمني الحالي لم يُصمّم للتعامل مع جرائم التزييف العميق أو المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، رغم إمكانية الاستناد إلى بعض نصوصه في قضايا الابتزاز والتهديد والسب والقذف وانتهاك الخصوصية. ولفتت إلى أن اليمن بحاجة إلى تعديلات قانونية واضحة تجرّم إنشاء أو نشر أو إعادة نشر المحتوى المفبرك بقصد التشهير أو الابتزاز أو انتهاك الخصوصية، مع ضمان سرية بيانات الضحايا وتوفير آليات سريعة لحذف المحتوى المسيء وحفظ الأدلة الرقمية ومحاسبة المتورطين.

وفي المحصلة، يكشف مسار التضليل الرقمي في اليمن أن الذكاء الاصطناعي لم يخلق المشكلة من الصفر، لكنه منحها أدوات أكثر قدرة على الإقناع والانتشار؛ فالشائعة التي كانت تعتمد على نص أو صورة خارج سياقها، بات يمكن دعمها بمشهد بصري، أو صوت مستنسخ، أو حساب وهمي مكتمل الهوية. وفي بيئة مثقلة بالحرب والاستقطاب وضعف الثقافة الرقمية وغياب الحماية القانونية الواضحة، يصبح المحتوى المفبرك أداة سياسية واجتماعية في آن واحد، ما يجعل المواجهة مرهونة بتعزيز التحقق الصحفي، ورفع وعي الجمهور، وحماية الضحايا، وتطوير قواعد قانونية دقيقة تلاحق الاستخدام الضار دون المساس بحرية التعبير.
Previous article