صورة غلاف الورقة التحليلية 3D - مركز سوث24، بمساعدة الذكاء الاصطناعي
Last updated on: 30-06-2026 at 9 PM Aden Time
سوث24 | زيورخ
قالت ورقة تحليلية حديثة صادرة عن مركز سوث24 للأخبار والدراسات إن أحداث حضرموت 2025 - 2026 مثّلت لحظة فاصلة في مسار الصراع بجنوب اليمن، بعدما تجاوزت حدود التطور العسكري المحلي لتتحول إلى محطة أعادت تشكيل موازين القوة الأمنية والسياسية، وفتحت مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي والارتباك الداخلي.
وتقدّم الورقة التحليلية للباحثين فريدة أحمد وإياد قاسم، واحدة من أكثر القراءات تركيبًا للأحداث التي أعقبت تحولات حضرموت نهاية 2025 وبداية 2026. إذ تميز نفسها عن كثير من المقاربات السابقة بأنها لا تقف عند توصيف الاشتباكات أو سرد الوقائع، بل تطرح سؤالًا أعمق: كيف أعادت أحداث حضرموت، في أواخر 2025، تشكيل موازين القوة الأمنية والسياسية في جنوب اليمن؟
في خلفية الأزمة، تربط الورقة تصاعد التوتر في حضرموت بتحركات حلف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش، المدعوم من السعودية، وبمحاولة بسط السيطرة على مناطق استراتيجية تضم حقول النفط، في ظل وجود قوات المنطقة العسكرية الأولى المرتبطة بالإخوان المسلمين في الوادي والصحراء، وقوات النخبة الحضرمية في الساحل. وتخلص إلى أن الخلافات حول النفط والطاقة والسيطرة المحلية كانت مؤشرًا مبكرًا على صراع أوسع تدفع به السعودية لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في المحافظة.
من حدث محلي إلى اختبار استراتيجي
وتناولت الورقة تسلسل الأحداث التي أعقبتها بسيطرة القوات المسلحة الجنوبية، المدعومة من المجلس الانتقالي الجنوبي، على وادي وصحراء حضرموت، قبل أن تمتد العمليات إلى محافظة المهرة ضمن عملية عسكرية عُرفت باسم "المستقبل الواعد".
ورأت الورقة أن هذه التطورات "لم تكن مجرد تحرك ميداني عابر"، بل عكست تحولًا في موازين السيطرة التي ظلت لعقود بيد قوات المنطقة العسكرية الأولى، المرتبطة بنفوذ جماعة الإخوان المسلمين في اليمن. واعتبرت أن تلك اللحظة بدت، بالنسبة لقطاع واسع من الجنوبيين، بمثابة استعادة تدريجية للمجال الجغرافي الذي شكّل حدود دولة الجنوب السابقة قبل عام 1990.
لكن الورقة أوضحت أن هذا التحول تعرض لانتكاسة كبيرة بفعل التدخل العسكري السعودي، الذي تجسد في سلسلة ضربات جوية مكثفة استهدفت مواقع القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، بعد رفضها طلب الرياض بالانسحاب. ووفق الورقة، أدت تلك الضربات إلى خسائر بشرية كبيرة شملت قتلى وجرحى وأسرى وضحايا مدنيين، قبل أن تتراجع القوات الجنوبية تحت ضغط عسكري غير متكافئ.
وبحسب الورقة، بلغت الأزمة ذروتها مع تزايد المطالب المحلية بإخراج القوات الشمالية من وادي وصحراء حضرموت، وخصوصًا خلال ما عُرف بـ "مليونية سيئون"، التي أعلنت دعمها لقوات النخبة الحضرمية والقوات المسلحة الجنوبية، وطالبت بتمكين أبناء المحافظة من إدارة شؤونهم واستعادة القرارين الأمني والعسكري.
وقالت الورقة إن عملية "المستقبل الواعد" أُطلقت بهدف تأمين المدن والمناطق الحضرمية من التنظيمات الإرهابية، وقطع مسارات تهريب السلاح المرتبطة بشبكات دعم جماعة الحوثيين. وأضافت أن القوات الجنوبية تمكنت في مرحلتها الأولى من توسيع نفوذها وتأمين منشآت اقتصادية، بعد مواجهات مع تشكيلات مسلحة تابعة لبن حبريش، وانسحاب قوات المنطقة العسكرية الأولى من مناطق ظلت تحت سيطرتها لأكثر من ثلاثة عقود.
وتوقفت الورقة عند الدور السعودي في تصاعد الأزمة، مشيرة إلى وصول وفد عسكري وأمني سعودي إلى المكلا في 3 ديسمبر، تزامنًا مع إعلان العملية الجنوبية. ولفتت إلى أن الرياض طالبت المجلس الانتقالي بالانسحاب من المواقع التي سيطر عليها وتسليمها لقوات "درع الوطن"، بالتوازي مع ما وصفته الورقة بسياسة إعلامية مضادة اتسمت بخطاب هجومي ضد المجلس وقواته.
واعتبرت الورقة أن أول رد سعودي مباشر تمثل في قصف ميناء المكلا فجر 30 ديسمبر، وهي ضربة قالت إنها حملت "دلالات صادمة"، ليس فقط لطبيعتها المفاجئة، بل لأنها استهدفت منشأة حيوية تمثل شريانًا اقتصاديًا وإنسانيًا لحضرموت والمهرة وشبوة، ولم تتعرض لاستهداف مماثل حتى خلال معارك تحريرها من تنظيم القاعدة عام 2016.
إضعاف الانتقالي لا يعني إنتاج الاستقرار
وفي المحور الأمني، خلصت الورقة إلى أن ما أعقب انسحاب القوات الجنوبية لم يكن مجرد إعادة انتشار، بل "تفكيك منهجي للنفوذ العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي"، وتحولًا من "تحالف أطراف" إلى "إدارة مركزية" للمشهد الأمني في الجنوب تحت غطاء سعودي. وقالت إن الأمن في الجنوب بات يُدار بـ "عقد سعودي" دون مراعاة كافية لمخاوف السكان المحليين في حضرموت والمهرة وعدن، خصوصا بعد إدخال قوات شمالية سلفية مجددا إلى محافظتي حضرموت والمهرة تدعمها الرياض.
وحذرت الورقة من أن الفراغ الأمني الذي أعقب تلك التحولات أوجد فرصًا لعودة الجماعات المتطرفة والخلايا العابرة للحدود، مشيرة إلى أعمال نهب وفوضى طالت معسكرات ومخازن أسلحة في المكلا ومحيط مطار الريان، وإلى تسجيلات منسوبة لعناصر في تنظيم القاعدة حرّضت على استهداف القوات الجنوبية.
سياسيًا، رأت الورقة أن أحداث حضرموت أضعفت موقع المجلس الانتقالي الجنوبي داخل المعادلة الرسمية، وفتحت الباب أمام إعادة تشكيل التمثيل السياسي في الجنوب. وقالت إن إعلان حل المجلس تحت ضغوط سعودية في الرياض قوبل برفض واسع من الشارع ومن قيادات وأعضاء في المجلس خارج الرياض، بالتزامن مع إغلاق مقراته في عدن أكثر من مرة واندلاع احتجاجات واسعة.
وأكدت الورقة أن إقصاء الشريك الجنوبي الرسمي من بنية السلطة القائمة خالف، عمليًا، الترتيبات السياسية التي أقرها اتفاق الرياض ومخرجات مشاورات مجلس التعاون الخليجي. واعتبرت أن حضور بعض الشخصيات الجنوبية في الحكومة أو مجلس القيادة الرئاسي لا يعبر عن تمثيل سياسي فعلي، بل عن مشاركة فردية محدودة تفتقر إلى الوزن المؤسسي والقدرة على التأثير.
الحسابات السعودية والتصدع الناعم
وفي قراءتها للدور السعودي، وضعت الورقة حضرموت في قلب الحسابات الاستراتيجية للرياض، باعتبارها محافظة ذات موقع بحري على بحر العرب وامتداد جغرافي نحو الحدود السعودية وثقل اقتصادي ونفطي. ورأت أن الانتقال السعودي إلى خيارات أكثر حسمًا يمكن فهمه ضمن محاولة إعادة ضبط موازين النفوذ شرق جنوب اليمن، ومنع تشكل واقع سياسي أو عسكري لا ينسجم مع المصالح السعودية في المنطقة.
كما ربطت الورقة الاهتمام السعودي بحضرموت بمساعي المملكة للحصول على منفذ بحري بديل نحو المحيطات المفتوحة، بما يقلل الاعتماد على الممرات الحساسة مثل مضيقي هرمز وباب المندب. وأشارت إلى تصورات لمشروع بحري استراتيجي يربط الخليج العربي ببحر العرب عبر قناة تمتد نحو 950 كيلومترًا، منها 320 كيلومترًا داخل أراضي جنوب اليمن.
وتقدم الورقة الدور السعودي بوصفه محاولة لإعادة ضبط الجنوب، لا عبر تسوية سياسية متوازنة، بل عبر إحلال ترتيبات أمنية وقوى محلية وعسكرية شمالية أكثر التصاقًا بحسابات الرياض، حتى وإن جاء ذلك على حساب حساسية المجتمعات المحلية وتطلعاتها لإدارة شؤونها ذاتيًا.
وفي محور التوازنات الخليجية، قالت الورقة إن أحداث حضرموت كشفت تباينًا أعمق بين السعودية والإمارات في اليمن. فبينما ركزت الرياض على الحوثيين وأمن حدودها الجنوبية، ركزت أبوظبي على مكافحة الجماعات الإسلامية والمتطرفة ودعم الفاعلين المحليين الجنوبيين. واعتبرت الورقة أن إعادة هندسة النفوذ في حضرموت والمهرة أفضت عمليًا إلى تقليص الدور الإماراتي وإزاحته من معادلة التأثير المباشر في المشهد الجنوبي.
الرفض الشعبي والسيناريوات المتوقعة
مجتمعيًا، اعتبرت الورقة أن الاحتجاجات الواسعة في عدن وحضرموت وبقية المحافظات الجنوبية عكست حجم الرفض الشعبي للإجراءات التي أعقبت أحداث حضرموت. وأشارت إلى أن مظاهرات عدن والمكلا وسيئون، خصوصًا فعالية 20 يونيو 2026 تحت شعار "رفض الوصاية السعودية ومناهضة الاحتلال"، حملت مؤشرًا على تحول جذري في المزاج الشعبي الجنوبي بعد سنوات من الشراكة الميدانية مع الرياض.
وانتهت الورقة إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة. الأول هو احتواء الأزمة عبر تسوية جنوبية مشروطة برعاية سعودية، تقوم على حوار جنوبي–جنوبي لا يعيد الاعتراف بالمجلس الانتقالي كممثل أوحد، لكنه لا يقصيه بالكامل خشية تعميق الاحتقان. غير أن نجاح هذا السيناريو يظل مرهونًا بضمانات سياسية وأمنية، وتخفيف القبضة الأمنية، ووقف الحملات الإعلامية، ومعالجة الملفات الخدمية والاقتصادية.
أما السيناريو الثاني، فهو تشظي التمثيل الجنوبي واستمرار الاستقرار الهش، حيث لا تنجح السعودية في إنتاج تسوية مقنعة، ولا يتمكن المجلس الانتقالي من استعادة موقعه السابق، فيتحول الجنوب إلى ساحة نفوذ تُدار أمنيًا من الخارج، لكنها تفتقر إلى مركز سياسي واضح قادر على التمثيل والتفاوض وضبط الشارع.
ويتمثل السيناريو الثالث في إعادة تماسك جنوبي وفرض تسوية أكثر توازنًا، عبر نجاح القوى الجنوبية في تحويل حالة الغضب إلى مسار سياسي منظم يعيد بناء كتلة جنوبية جامعة، أكثر مؤسسية وانفتاحًا على التفاوض. واعتبرت الورقة أن هذا السيناريو هو الأصعب عمليًا، لكنه الأكثر قدرة على إنتاج استقرار مستدام إذا توفرت شروطه الداخلية والخارجية.
التوصيات الأبرز
وفي توصياتها، دعت الورقة المجلس الانتقالي الجنوبي إلى تعزيز تماسكه الداخلي، وإعادة هيكلة بنيته التنظيمية، وتدوير النخب القيادية، وتشكيل غرفة سياسية–استراتيجية دائمة لإدارة الأزمات، وتطوير رؤية تفاوضية واضحة لأي حوار جنوبي أو تسوية يمنية شاملة. كما شددت على التمسك بمبدأ "استقلالية القرار الجنوبي" مع تبني خطاب سياسي متوازن تجاه الأطراف الإقليمية والدولية.
كما أوصت السعودية بتقديم ضمانات واضحة لأي حوار جنوبي ترعاه، والتعامل مع المجلس الانتقالي كأحد أبرز الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في الجنوب، ومراجعة سياسة الدفع بقوات شمالية إلى محافظات حساسة مثل حضرموت والمهرة، وفتح مسار حقوقي وإنساني لمعالجة ملف الضحايا والجرحى والأسرى والمحتجزين.
ودعت الورقة الإمارات إلى تعزيز التنسيق مع السعودية في إدارة الملف الجنوبي، ودعم مقاربة أكثر شمولًا لا تقتصر على المجلس الانتقالي وحده، بل تنفتح على القوى المحلية الفاعلة في حضرموت والمهرة وشبوة وعدن. كما حثت السلطات المحلية على تحسين الخدمات وتجنب المقاربات الأمنية العنيفة، ودعت المجتمع الدولي إلى إدراك مخاطر الفراغ الناشئ في جنوب اليمن، خصوصًا في الشرق، وما قد يوفره من فرصة لإعادة تموضع الجماعات الإرهابية بما يهدد الممرات المائية والأمن الدولي.
يمكنك تحميل وتصفح كامل الورقة التحليلية أدناه:
Previous article