من اليسار: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، مكة، السعودية، 7 أغسطس 2026. (AP Photo / africanews)
17-08-2026 at 9 PM Aden Time
مركز سوث24 | محمد فوزي
جاء اتفاق مكة الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، في السابع من أغسطس الجاري، في لحظة شديدة الحساسية تشهدها منطقة الشرق الأوسط، على وقع تداعيات الحرب الممتدة في المنطقة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى اليوم، وبشكل عام كان الاتفاق أحد المؤشرات الرئيسية على وجود مساعي لإعادة بناء شبكة التحالفات الأمنية في الإقليم في مرحلة تتراجع فيها قدرة الترتيبات التقليدية على توفير اليقين الاستراتيجي للدول الحليفة للولايات المتحدة.
وقد ارتبطت أهمية الاتفاق بشكل رئيسي بالدول الثلاثة المنخرطة فيه، من حيث القدرات المالية والجغرافية والثقل الاستراتيجي كما في حالة السعودية، والدور الإقليمي والدولي المتنامي والصناعات العسكرية المتطورة كما في حالة تركيا، والخبرة العسكرية والمظلة النووية التي تملكها باكستان.
لكن في مُقابل ذلك تُثار العديد من التساؤلات بخصوص السياق الذي أدى إلى تشكيل هذا التحالف الناشئ الجديد، فضلاً عن طبيعة العوامل التي أدت إلى عدم مشاركة مصر في هذا التحالف رغم انخراطها في مسار الآلية الرباعية منذ اللحظة الأولى، والمحددات التي ستكون حاكمة لماهية هذا التحالف الناشئ.
أولاً- الدلالات التي حملها اتفاق مكة
لم تكشف الدول الثلاثة حتى اللحظة عن التفاصيل الكاملة الخاصة بالاتفاق الدفاعي الذي تم توقيعه في مكة، لكن أبرز البنود التي وردت في الاتفاق تمثلت في الإعلان عن أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجومًا على الدول الثلاث، بما يضع مبدأ الدفاع الجماعي في قلب الاتفاق. كما أكدت الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها، ولا يمثل تحالفًا طائفياً أو إطاراً معلناً للتعاون النووي، وفي هذا الإطار يبرز مجموعة من الدلالات المهمة:
1- الانتقال إلى مبدأ الدفاع الجماعي: تمثلت أهم دلالات الاتفاق في أنه ينقل العلاقات العسكرية بين السعودية وتركيا وباكستان من مستوى التعاون والتدريبات وتبادل الخبرات إلى مستوى أكثر تقدماً يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، فالنص المتعلق بالتعامل مع أي هجوم على دولة باعتباره هجوماً على الدول الثلاث يستهدف بشكل رئيسي رفع تكلفة استهداف أي طرف، ويخلق نوعاً من الردع الجماعي.
2- توسيع المظلة الأمنية دون الابتعاد عن التحالفات القائمة: يكشف تحليل محتوى التصريحات السعودية التركية الباكستانية بخصوص الاتفاق، وكذا الواقع العملي عن أن الهدف من هذه الخطوة لا يتمثل في إنشاء بديل مباشر للتحالفات الأمنية القائمة، وإنما إضافة طبقة جديدة إلى منظومة الردع الإقليمية.
فالسعودية لا تزال مرتبطة بعلاقات دفاعية واسعة مع الولايات المتحدة، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، بينما تمتلك باكستان علاقات أمنية وعسكرية متعددة مع قوى دولية وإقليمية. ومن ثم، فإن الصيغة الجديدة تسمح للدول الثلاث بتوسيع خياراتها الأمنية دون الاضطرار إلى التخلي عن شراكاتها القائمة.
3- رسالة سعودية غير مباشرة للولايات المتحدة: أحد الافتراضات الرئيسية المطروحة في قراءة اتفاق مكة الأخير، هي أنه ورغم الإقرار بعدم كون هذا التحالف الجديد بديلاً لتحالفات أو ترتيبات أمنية قائمة، إلا أنه يمثل رسالة سعودية غير مباشرة للولايات المتحدة، خصوصاً وأن المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية للسعودية لم تنجح في منع استهداف المملكة من قبل إيران وميليشيا الحوثي في اليمن، الأمر الذي أدى إلى خيبة أمل لدى الجانب السعودي، ومن هنا بدأ البحث عن خيارات أمنية جديدة تُوسع مظلة الحماية والردع.
4- حضور تركي وباكستاني متزايد في ترتيبات أمن الخليج: لم يكن اتفاق مكة نقطة البداية للحضور التركي والباكستاني المتزايد في ترتيبات أمن الخليج، وإنما جاء تتويجًا لمسار تدريجي انتقل خلاله البلدان من التعاون العسكري الثنائي مع دول الخليج إلى محاولة بناء أدوار أمنية أكثر مؤسسية واتساعًا، فبالنسبة إلى باكستان، تمثل العلاقات الدفاعية مع دول الخليج، والسعودية تحديدًا، مسارًا تاريخيًا ممتدًا لعقود، شمل التدريب العسكري وتبادل الخبرات والمناورات والتعاون بين القوات المسلحة. وقد اكتسب هذا المسار بعدًا أكثر وضوحًا مع توقيع السعودية وباكستان في 17 سبتمبر 2025 اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك.
وفي حالة تركيا فقد بدأ الانخراط التركي في الترتيبات الأمنية الخليجية منذ العام 2017، عندما تم توقيع اتفاقية استراتيجية للتعاون العسكري والدفاعي مع قطر، وصولاً إلى ما شهدته علاقة أنقرة الدفاعية مع السعودية من تطور ملحوظ خلال الفترة الأخيرة. ففي فبراير 2026، أكدت الرياض وأنقرة عزمهما على تعزيز العلاقات الدفاعية وتفعيل الاتفاقات الموقعة بينهما في هذا المجال.
وتكمن أهمية الحضور التركي في أنه يضيف إلى ترتيبات أمن الخليج مزيجًا من القوة العسكرية والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية. فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، إلى جانب قاعدة صناعية دفاعية تطورت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، خصوصًا في مجالات الطائرات والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تمنح باكستان هذا الترتيب خبرة عسكرية تقليدية واسعة وقدرات ردع استراتيجية وموقعًا جغرافيًا مهمًا يمتد من الخليج إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي، ويُضاف إلى ذلك مظلة الردع النووية التي تملكها باكستان، ومن ثم، فإن دخول تركيا وباكستان بصورة أكبر في ترتيبات أمن الخليج يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الأمن الخليجي نفسه. فالمعادلة لم تعد قائمة فقط على الوجود العسكري الأمريكي أو على شراء دول الخليج منظومات التسليح الغربية، وإنما بدأت تتشكل حول شبكة أوسع من الشراكات الإقليمية.
5- غموض استراتيجي مقصود حول التعاون النووي: رغم نفي باكستان عام 2025، أن تكون الأسلحة النووية ضمن الاتفاق السعودي–الباكستاني، بينما وصف مسؤولون الاتفاق بأنه دفاعي وشامل، إلا أن مجرد وجود باكستان داخل منظومة دفاع جماعي مع السعودية يخلق غموضًا استراتيجيًا مقصودًا حول حدود المظلة الدفاعية التي يمكن أن توفرها إسلام آباد للرياض، فإذا كانت طهران أو أي خصم آخر يعلم أن التصعيد ضد السعودية قد يؤدي إلى مواجهة مع باكستان، فإن حسابات المخاطر تتغير حتى من دون نقل سلاح نووي أو إعلان التزام نووي.
وبشكل عام لا يمكن فصل اتفاق مكة عن السياق الذي سبقه، خصوصاً ما يتعلق بمسار الآلية الرباعية السياسي والدبلوماسي والذي شهد عقد اجتماعات رباعية بين الدول الثلاثة بالإضافة لمصر، وتحول تدريجياً إلى منصة لم تقتصر على إدارة الأزمات القائمة، وإنما تناولت أمن الخليج، واستقرار المشرق، وأمن الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، والقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى السياق العام المتوتر المرتبط بتنامي الهجمات الإيرانية والحوثية ومن بعض الفصائل العراقية ضد السعودية، فضلاً عن السياق الإقليمي الذي يشهد محاولات إسرائيلية لفرض واقع أمني وجيوسياسي جديد في منطقة الشرق الأوسط.
ثانياً- كيف يمكن تفسير غياب مصر عن الاتفاق؟
يعد غياب مصر عن اتفاق مكة للدفاع المشترك، رغم وجودها في الآلية التشاورية الرباعية التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في قراءة الاتفاق. فالقاهرة لم تكن بعيدة عن مسار التقارب بين الدول الأربع، بل شاركت في كل الاجتماعات الخاصة بالآلية الرباعية، ورعت التنسيق بين هذه الدول.
ورغم تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان، بأن مصر قد تنضم قريباً إلى هذا الاتفاق، إلا أن هناك مجموعة من الاعتبارات التي يبدو أن القاهرة تضعها في اعتبارها، وذلك على النحو التالي:
1- التمعن في قراءة الاتفاق: قدم وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، أول تفسير لغياب مصر عن اتفاق مكة، مشيراً إلى أن مصر "تدرس الاتفاق بكل جدية ومن مختلف جوانبه، فهناك أبعاد قانونية وفنية ودستورية تخضع لفحص دقيق قبل اتخاذ القرار المناسب" وفق تعبيره خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في مدينة العلمين.
وفي ثنايا تصريحاته أكد الوزير المصري أن "القاهرة كانت على علم بالاتفاق منذ البداية"، بما ينفي السرديات التي تتحدث عن عدم إعلام مصر بالاتفاق، أو أنه تم تجاوزها وفق ما ادعت بعض التقارير. وبشكل عام تعبر هذه التصريحات عن طبيعة تموضع مصر في ثنايا هذا الاتفاق، حيث تقع مصر حالياً في مربع دراسة الاتفاق وبحث الضمانات الخاصة به، والمكاسب المحتملة منه، والطبيعة الاستراتيجية له.
2- اختلاف طبيعة التهديدات والمصالح: ربما يكون المدخل الأهم لفهم الموقف المصري من اتفاق مكة، يتمثل في طبيعة التهديدات والمصالح التي تواجه كل طرف من أطرافه، فالسعودية تواجه تهديدات مباشرة مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات والهجمات على منشآت الطاقة والممرات البحرية، بينما تنظر باكستان إلى أمنها من منظور يرتبط بدرجة كبيرة ببيئتها الأمنية في جنوب آسيا والهند، في حين تسعى تركيا إلى تعزيز موقعها كقوة عسكرية وأمنية إقليمية.
أما مصر، فعلى الرغم من امتلاكها مصالح أمنية واسعة في الخليج والبحر الأحمر، فإن مركز ثقل أمنها القومي مختلف، إذ يرتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود الغربية والجنوبية والشرقية، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، وأمن قناة السويس، إضافة إلى القضية الفلسطينية.
ومن ثم فإن الانضمام إلى التزام دفاعي جماعي قد يضع مصر أمام التزامات أمنية تتجاوز أولوياتها المباشرة، خصوصاً إذا لم تكن طبيعة التهديدات التي تواجه أعضاء الاتفاق متطابقة مع التهديدات التي تحدد العقيدة الأمنية المصرية.
3- طبيعة نظرة مصر للآلية الرباعية: أحد المحددات الرئيسية لفهم موقف مصر من اتفاق مكة، يرتبط بطبيعة النظرة المصرية للآلية الرباعية مع تركيا وباكستان والسعودية، فمصر نظرت إلى هذه الآلية منذ اللحظة الأولى باعتبارها إطاراً للتشاور والتنسيق حول قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي، وقد أكدت مصر في الاجتماعات الخاصة بالآلية على ضرورة تطويرها إلى إطار مؤسسي قادر على صياغة حلول للأزمات.
أما اتفاق مكة فقد حاول نقل الآلية إلى مستوى مختلف تماماً، يقوم على التزام دفاعي جماعي ومتبادل، وبالتالي يُرجح رغبة القاهرة في الحفاظ على الآلية الرباعية باعتبارها منصة سياسية واستراتيجية مرنة، بدل تحويلها إلى تحالف عسكري ذي التزامات محددة. وهذا يمنح مصر قدرة أكبر على التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وعلى لعب دور الوسيط في الأزمات بدل أن تصبح طرفاً عسكرياً فيها.
4- حساسية مصر تجاه التحالفات العسكرية وفرص دور الوساطة: رغم تأكيد الدول الثلاثة على أن اتفاق مكة دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها، فإن توقيته وسياقه الإقليمي يجعلان من الصعب فصل الاتفاق عن التوترات مع إيران، وكذلك عن الصراع العربي–الإسرائيلي والتطورات في غزة ولبنان وسوريا واليمن.
وبناءً عليه فإن سياسة القاهرة الخارجية في السنوات الأخيرة تقوم على مبدأ رئيسي يتبنى مقاربة حذرة تجاه الانخراط في أي تحالفات قد تُفهم على أنها محاولة لبناء محور عسكري جديد أو موجهة ضد بعض الأطراف. وبالتالي فمصر تحاول الحفاظ على علاقاتها مع السعودية وتركيا وباكستان، وإدارة علاقاتها مع إيران، والاضطلاع بدور في القضية الفلسطينية وملفات غزة ولبنان وسوريا واليمن. لذا، فإن الانضمام إلى تحالف دفاعي قد يحد من مساحة المناورة التي تحتاجها القاهرة في هذه الملفات.
5- امتلاك مصر شبكة واسعة من الشراكات الدفاعية والعسكرية: هناك قراءة أخرى تذهب إلى أن مصر ليست بحاجة بالضرورة إلى الانضمام إلى اتفاق مكة من أجل تعزيز قدراتها الدفاعية، فالقاهرة تملك جيشاً كبيراً وقدرات عسكرية متنوعة وشبكة واسعة من العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، فضلاً عن علاقات عسكرية متنامية مع دول عربية وإقليمية.
لذا، فالحسابات المصرية ربما قامت على فكرة أن تعزيز القدرات الوطنية والشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف يمنحها مرونة أكبر من الدخول في التزام دفاعي جماعي جديد، وهذه مقاربة قد تختلف مع حسابات كل طرف من أطراف اتفاق مكة.
ثالثاً- المسارات المحتملة
يمكن القول إن مسار اتفاق مكة سوف يتوقف على مجموعة من العوامل والمحددات الرئيسية، وذلك على النحو التالي:
- الموقف الأمريكي: يمثل الموقف الأمريكي من الاتفاق الأخير أحد المحددات الرئيسية لنجاحه، في ضوء الارتباط الكبير للبيئة الأمنية في الخليج بالحسابات الأمريكية، وفي هذا السياق أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته بتوقيع السعودية وتركيا وباكستان لاتفاقية مكة للدفاع المشترك، مشيراً إلى أنها خطوة تظهر كيف ستتمكن الدول من الدفاع عن نفسها "بشكل أكثر فعالية"، لكن الترحيب الأمريكي لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستقبل بتحول الاتفاق إلى بديل عن النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك حضوراً عسكرياً واسعاً في الخليج، وعلاقات دفاعية عميقة مع السعودية، كما أن تركيا عضو في حلف الناتو، وبالتالي سيكون السؤال الحاسم هو: هل ترى واشنطن اتفاق مكة باعتباره أداة لتقاسم أعباء الأمن الإقليمي، أم بداية لمسار يؤدي إلى تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة؟
- الموقف الإيراني: يمثل الموقف الإيراني من الاتفاق المحدد الثاني، وربما الأكثر حساسية، لمسار الاتفاق، فقد سعت طهران في البداية إلى التقليل من مستوى التهديد الذي يمثله الاتفاق، إذ قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في 10 أغسطس إن إيران لا ترى سبباً للقلق من الاتفاق، معتبراً أنه يعكس تحولاً في رؤية دول المنطقة لأمنها واعتمادها بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية بدلًا من القوى الخارجية، لكن هذه النبرة الهادئة لا تعبر حقيقةً عن موقف طهران، وبالتالي يظل مسار الاتفاق مرهوناً بمستوى التوتر السعودي–الإيراني، ومدى استمرار المسار الدبلوماسي بينهما.
- تحفظ إسرائيلي: لا يمكن فصل المسارات المحتملة لاتفاق مكة عن الموقف الإسرائيلي، فإسرائيل لم تُخف منذ أشهر تحفظها على ما وصفته بـ "المحور السني المتطرف الذي يجري تشكيله في المنطقة" في إشارة واضحة إلى الآلية الرباعية. ويبدو أن مصدر التحفظ الإسرائيلي يرتبط ببعض الاعتبارات، أولها أن هذا المسار يُقلل من فرص التطبيع السعودي الإسرائيلي، وثانيها أن الاتفاق يعني زيادة نفوذ تركيا في الإقليم، وهو ما ترى فيه إسرائيل تحدياً كبيراً، وثالثها أن هذا التحالف يمهد لبروز تحركات أمنية إقليمية جديدة لا يكون لإسرائيل دور فيها.
- آليات القيادة والسيطرة: أكد الاتفاق كما سبق الإشارة على أن الاعتداء على أي دولة يمثل اعتداءاً على الدول الثلاثة، وهي رسالة ردع قوية. لكن هذا الاتفاق يحتاج لكي يتحول إلى تحالف فعلي إلى بناء آليات للقيادة والسيطرة، وتبادل المعلومات، والإنذار المبكر، والتنسيق بين القوات الجوية والدفاع الجوي والقوات البحرية، فضلاً عن تحديد آلية اتخاذ القرار عند وقوع هجوم.
- التعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا: يمكن القول إن الاتفاق وحتى اللحظة وبشكله الحالي، قائم على التزامات سياسية فقط، وبالتالي يظل نجاحه مرهوناً بمدى قدرة الدول الثلاثة على إنشاء مشروعات مشتركة في الطائرات غير المأهولة، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والذخائر الموجهة، بما يُضفي طابعاً مستداماً عليه.
- مدى اتساع العضوية: يمثل موقف مصر ودول الخليج من هذا الاتفاق أحد العوامل المحددة الرئيسية لفرص نجاحه أو عدم فاعليته، فمن ناحية لم يُطرح الاتفاق باعتباره إطاراً مغلقاً، بل أكدت تركيا أنه قابل للتوسع، ومن ناحية أخرى تمثل دول الخليج الأخرى ومصر قوة عسكرية واستراتيجية واقتصادية مهمة يمكن أن تضيف أبعاداً أكثر فاعلية للاتفاق، وبالتالي سيخضع هذا المحدد لتحركات الدول الثلاثة وما إن كان سيتم التركيز على توسيع العضوية سريعاً أم اختبار النموذج الثلاثي قبل التوسع. كذلك يُطرح تحدي كبير بخصوص موقف دول الخليج من الاتفاق، خصوصاً في ظل اعتبار بعض الدوائر الخليجية أن الاتفاق يحد من فاعلية مجلس التعاون لدول الخليج.
في ضوء كل المعطيات السابقة يمكن القول، إنه من السابق للأوان التعامل مع اتفاق مكة باعتباره تحالفًا دفاعيًا مكتمل الأركان، إذ لا تزال آليات تنفيذه وتفاصيله المؤسسية والعملياتية قيد التشكل. ومن ثم، فإن مساره خلال الفترة المقبلة سيظل مفتوحاً أمام عدة مسارات محتملة، يرتبط تحقق كل منها بمدى قدرة الدول الثلاث على تحويل الالتزامات السياسية إلى ترتيبات عسكرية فعلية، وبطبيعة مواقف الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، فضلاً عن قرار مصر بشأن الانضمام إلى الاتفاق.