التحليلات

مصر والتصعيد الحوثي: حسابات التدخل العسكري وحدود الانخراط في المواجهة

أفراد من القوات الخاصة المصرية أثناء انتشارهم على الحدود بين مصر وقطاع غزة في رفح، 20 أكتوبر 2023. (فرنس برس)

29-10-2026 at 11 AM Aden Time

مركز سوث24 | محمد فوزي


تمثل موافقة البرلمان المصري على تفويض القيادة السياسية بشأن التحرك لدعم المملكة العربية السعودية في مواجهة التصعيد الحوثي تطورًا مهمًا في مسار الموقف المصري، إذ تنقل القضية من مستوى إعلان التضامن السياسي والاستعداد لتقديم المساندة إلى مرحلة تهيئة الإطار المؤسسي لبحث خيارات أكثر عملية، بما فيها الدعم العسكري إذا اقتضت التطورات ذلك. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من توقيتها الإقليمي، في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه المملكة، وتزايد المخاطر المرتبطة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية، وما قد يترتب على اتساع نطاق المواجهة من تداعيات تتجاوز حدود السعودية واليمن لتطال المصالح الاقتصادية والأمنية المصرية.


وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد في 13 أكتوبر الجاري التأكيد على تضامن مصر مع السعودية في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أراضيها من جانب الحوثيين، وأشار "عبد العاطي" إلى استعداد القاهرة للاستجابة لأي طلب سعودي للحصول على الدعم أياً كان شكله، "بما في ذلك الدعم العسكري"، مشدداً على أن أمن المملكة القومي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي. غير أن التطور الأبرز جاء في 17 أكتوبر، مع تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي التي أعلن خلالها استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السعودية، داعياً البرلمان إلى عقد جلسة طارئة للنظر في تفويض التحرك إذا طلبت الرياض ذلك.


وقد أعادت هذه التطورات طرح تساؤلات بشأن طبيعة الدعم المصري المحتمل للرياض، وحدود التحرك الذي قد تقدم عليه القاهرة في حال استمرار الهجمات الحوثية أو توسع نطاقها بما يهدد أمن المملكة واستقرار المنطقة. كما تفتح الباب أمام قراءة أوسع لحسابات مصر الاستراتيجية في التعامل مع التطورات المتصاعدة في اليمن والبحر الأحمر، في ظل الارتباط المباشر بين أمن السعودية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس.


ما الذي قد يُغير حسابات القاهرة؟


حافظت القاهرة في بداية الأزمة الراهنة على مقاربة تقوم بشكل رئيسي على تحييد الخيارات العسكرية، والدفع باتجاه مقاربة دبلوماسية وسياسية لتسوية الأزمة الراهنة، لكن التطورات الأخيرة التي طرأت على الموقف المصري، تطرح تساؤلات بخصوص طبيعة المتغيرات التي قد تدفع باتجاه تحولات في مقاربة القاهرة، وهي المتغيرات التي يمكن تناولها على النحو التالي:


1- تنامي طبيعة ووتيرة الهجمات الحوثية: شهدت هجمات ميليشيا الحوثي خلال الأيام الماضية تصاعداً لافتاً في وتيرة هذه العمليات وفي طبيعتها، فقد مثل استهداف مطار الملك خالد الدولي بالرياض في 8 أكتوبر، وما تلاه من هجمات أوقعت قتلى ومئات المصابين، تطوراً نوعياً في طبيعة التهديد الذي تواجهه المملكة. كما امتدت الهجمات إلى منشآت مرتبطة بشركة أرامكو في المنطقة الشرقية، بما في ذلك حريق محدود في مبنى إداري في 13 أكتوبر. ومع هذا التوسع في هجمات الحوثيين لتشمل المطارات والمنشآت الاقتصادية والمدنية، تزداد احتمالات انتقال الموقف المصري من التضامن السياسي إلى ترتيبات دعم أمني ودفاعي أكثر وضوحاً، خصوصاً إذا طلبت الرياض مساهمة مصرية محددة. 


2- استهداف البنية النفطية السعودية: قد تتجه ميليشيا الحوثي في الفترات المقبلة إلى التوسع في استهداف المنشآت والبنى النفطية السعودية، بما يشير إلى اتساع نطاق المخاطر التي تواجه قطاع الطاقة السعودي. وفي هذا السياق قد يدفع أي تصعيد إضافي يهدد إنتاج النفط أو صادراته مصر إلى توسيع التنسيق مع الرياض، بالنظر إلى انعكاسات اضطراب أسواق الطاقة على فاتورة الواردات المصرية وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد. 


3- المساعي لضم مصر لاتفاقية مكة: يكتسب هذا الافتراض أهمية كبيرة في ضوء تصريحات وزير الخارجية المصري في 13 أكتوبر 2026، والتي أكد فيها أن انضمام مصر إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي تضم السعودية وتركيا وباكستان يخضع لدراسة جادة، مع الإشارة إلى وجود إطار تشاوري رباعي يضم الدول الأربع، وفي هذا السياق قد تدفع الأزمة الراهنة المجال لتسريع المشاورات بشأن ترتيبات أمنية إقليمية بما في ذلك في إطار اتفاقية مكة، خصوصاً مع وجود رغبة ومساعي تركية باكستانية سعودية لضم مصر للاتفاقية.


4- انتقال الحوثيين إلى تعطيل الملاحة في باب المندب: قد يمثل انتقال الحوثيين إلى استهداف حركة السفن التجارية أو تعطيل الملاحة بصورة واسعة في مضيق باب المندب نقطة تحول جوهرية في الحسابات المصرية، إذ سينقل الأزمة من نطاق التهديد المباشر للأمن السعودي إلى تهديد المصالح الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر وقناة السويس. فالمضيق يمثل بوابة رئيسية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب ممتد فيه قد يدفع شركات الشحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويطيل زمن الرحلات، ويزيد الضغوط على إيرادات قناة السويس. وفي هذه الحالة لن تنظر القاهرة إلى التصعيد باعتباره مجرد امتداد للمواجهة السعودية الحوثية، بل باعتباره تهديداً مباشراً لأحد أهم شرايينها الاقتصادية ومجالها الأمني البحري. 


وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى أن مصر كانت واحدة من أكثر الدول تضرراً نتيجة سلوك الحوثيين في البحر الأحمر، حيث أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر خسرت نحو 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس خلال عام 2024 نتيجة التطورات الإقليمية واضطراب حركة الملاحة، فيما تراجعت الإيرادات الفعلية للقناة من نحو 10.25 مليار دولار في 2023 إلى 3.99 مليار دولار في 2024، وفق بيانات هيئة قناة السويس. 


ما بعد موافقة البرلمان ما هي الخطوات المتوقعة؟


تطرح التصريحات والمواقف المصرية الأخيرة نطاق واسع من خيارات الدعم، خصوصاً مع إعلانه استعداد القاهرة للاستجابة للطلبات السعودية، بما في ذلك الدعم العسكري، بالتوازي مع تأكيد استمرار الجهود الدبلوماسية لاحتواء التصعيد. وفي هذا الإطار وفي ضوء محددات السياسة الخارجية المصرية، يمكن القول إنّ القاهرة قد تلجأ إلى مجموعة من الخيارات، وذلك على النحو التالي:


1- الانخراط بشكل أكبر في التحالف البحري الدفاعي: قد تتجه القاهرة إلى توسيع مشاركتها في التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية، والذي يستهدف حماية حرية الملاحة وتأمين خطوط التجارة والطاقة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. وفي ضوء تصاعد التهديدات الحوثية، قد يشمل ذلك تعزيز المساهمة المصرية في أنشطة التخطيط والتنسيق البحري، وتبادل المعلومات، والتدريبات المشتركة، وبحث تقديم مساهمات بحرية تتناسب مع الاحتياجات العملياتية للتحالف والقرارات السيادية المصرية. 


2- استمرار جهود الوساطة المصرية: أحد السيناريوهات المحتملة تتمثل في أن تستثمر القاهرة قنوات التواصل المباشرة المتاحة مع إيران بالتوازي مع تنسيقها المستمر مع الرياض، لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية واسعة، وحث طهران على استخدام نفوذها لدى الحوثيين لوقف الهجمات على الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية، وضمان عدم انتقال المواجهة إلى تعطيل الملاحة في باب المندب. 


ويعزز من هذا السيناريو المباحثات التي جرت بين وزير الخارجية المصري "بدر عبد العاطي" ونظيره الإيراني "عباس عراقجي" في 13 أكتوبر 2026، حين طالب وزير الخارجية المصري بوقف فوري للهجمات على السعودية، ووصفها بأنها غير مبررة وغير مقبولة، بالتوازي مع الدعوة إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار التفاوضي. 


3- تعزيز التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات: يفترض هذا السيناريو توجه القاهرة والرياض إلى توسيع نطاق تبادل المعلومات والتقديرات المتعلقة بالتهديدات الحوثية، بما يشمل تطورات القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، واتجاهات التصعيد المحتملة، والمخاطر التي تهدد المنشآت الحيوية والممرات البحرية. ويتيح هذا المسار تعزيز الاستعداد الدفاعي السعودي وتطوير التقديرات المشتركة للتهديدات، دون أن يستلزم بالضرورة مشاركة مصرية مباشرة في العمليات العسكرية.


4- تعزيز القدرات الدفاعية السعودية: قد تبحث القاهرة تقديم أشكال من الدعم العسكري غير الهجومي، تشمل التدريب وتبادل الخبرات الفنية والصيانة والدعم اللوجستي، وفقاً للاحتياجات السعودية والإمكانات المصرية المتاحة. وتزداد أهمية هذا الخيار إذا استمرت الهجمات الحوثية على المطارات والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية، بما يرفع الحاجة إلى تعزيز الجاهزية الدفاعية والقدرة على التعامل مع التهديدات الجوية.


انتقال القاهرة للتهيؤ للتحرك العسكري


حملت تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأخيرة والتي أكد فيها أن مصر ستنفذ أي إجراء لحماية المملكة العربية السعودية، موجهاً دعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض على هذا التحرك "إذا طُلب منا ذلك"، دلالات تتجاوز مسألة التضامن مع السعودية لتنقل الموقف المصري إلى مراحل أكثر تقدماً، ويمكن بيان أبرز دلالات خطاب "السيسي" في ضوء الآتي:


- يمثل طلب السيسي تفويض البرلمان مؤشراً على أن القاهرة تريد إظهار استعدادها للانتقال إلى خطوات عملية إذا تقدمت الرياض بطلب رسمي للمساندة، فبينما حملت تصريحات وزير الخارجية في 13 أكتوبر رسالة تضامن واستعداد، يضيف التحرك الرئاسي بعداً مؤسسياً يتعلق بتهيئة الغطاء السياسي اللازم لأي خطوة دفاعية وعسكرية محتملة.


- تحمل تصريحات الرئيس المصري رسالة مفادها أن استمرار استهداف الأراضي السعودية قد يوسع نطاق الأطراف المستعدة لمساندة المملكة، وأن القاهرة لا تستبعد تقديم دعم يتجاوز التحرك الدبلوماسي إذا اقتضت الظروف ذلك. وقد يكون لهذا الموقف أثر في حسابات التصعيد، من خلال رفع الكلفة السياسية المحتملة لاستمرار الهجمات. 


- قد يمنح الإعلان المصري الرياض مساحة أوسع للتحرك السياسي في مواجهة الحوثيين، إذ يبعث برسالة بأن المملكة ليست مضطرة إلى إدارة التهديد بمفردها، ويمكن أن يتكامل ذلك مع جهود الوساطة المصرية والاتصالات مع إيران، بحيث تستخدم القاهرة استعدادها لتقديم الدعم من جهة، وعلاقاتها الدبلوماسية من جهة أخرى، للضغط باتجاه وقف الهجمات. وفي هذا السياق لا يمثل المساران العسكري والدبلوماسي بالضرورة بديلين متعارضين، بل قد تستخدمهما القاهرة بالتوازي لمنع اتساع المواجهة. 


- شدد "السيسي" على أن التحرك سيكون استجابة لطلب سعودي، وهو ما يجعل طبيعة هذا الطلب أحد المحددات الرئيسية للقرار المصري. فإذا اقتصر على تعزيز التعاون الدفاعي أو دعم حماية المنشآت الحيوية، فقد يظل نطاق المساهمة المصرية محدوداً، أما إذا امتد إلى المشاركة في تأمين الملاحة بالبحر الأحمر أو تنفيذ مهام عسكرية مباشرة، فستصبح طبيعة المهمة ومدتها ومخاطرها والضمانات السياسية والقانونية المرتبطة بها عناصر أساسية في حسابات القاهرة. ومن ثم لا يعني التفويض المحتمل أن جميع خيارات التدخل أصبحت متساوية أو أن المشاركة القتالية باتت حتمية. 


- حرص الرئيس المصري على استخدام مصطلح "إذا طُلب منا ذلك" وهي عبارة ذات مدلولات مهمة إذا أنها تتعلق بطبيعة الالتزام المصري وحدود التحرك المحتمل، إذ تربط أي تدخل دفاعي بطلب من المملكة العربية السعودية، بما يعكس توجه القاهرة نحو مساندة الرياض دون الإعلان عن تحرك عسكري منفرد أو غير مشروط، ومن ثم، فإن أهمية التصريح لا تكمن فقط في إعلان الاستعداد للتحرك، بل في ربط هذا الاستعداد بطلب سعودي محتمل وبإطار مؤسسي داخلي، مع إبقاء طبيعة المهمة ونطاقها وتوقيتها رهينة للتطورات اللاحقة. 


والآن، وبعد موافقة البرلمان المصري على التفويض الذي طلبه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بخصوص إرسال قوات إلى السعودية، يُرجح أن تكون الخطوات المقبلة كالتالي:


- التنسيق المصري السعودي، بخصوص تقديم طلب رسمي من قبل السعودية وتحديد أشكال الدعم التي تطلبها السعودية خصوصاً على المستوى الدفاعي.


- يُرجح أن تتولى القيادة السياسية والعسكرية، بالتنسيق مع الجانب السعودي، تحديد طبيعة القوة وحجمها ومهامها ومدتها وقواعد اشتباكها، على أن تتضمن الخطة تحديداً واضحاً للأهداف التي ستتولى القوات حمايتها، وحدود تحركها، والجهة التي تصدر أوامر التنفيذ.


- يبدو في ضوء التصريحات المصرية أن المقاربة المصرية سوف تركز على تعزيز الدفاع الجوي، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم الفني واللوجستي، والتدريب، أو نشر وحدات دفاعية متخصصة إذا طلبت الرياض ذلك. 


وإجمالاً يمكن القول، إن الموافقة البرلمانية على التفويض بشأن دعم المملكة العربية السعودية تعبر عن تطور مهم في مقاربة القاهرة للتصعيد الحوثي، إذ لم يعد الموقف المصري مقتصراً على إعلان التضامن السياسي والدعوة إلى خفض التصعيد، بل أصبح يتضمن تهيئة الإطار المؤسسي لبحث خيارات عملية قد تشمل الدعم العسكري إذا طلبت الرياض ذلك. ومع ذلك فإن هذا التطور لا يعني حسم قرار المشاركة القتالية المباشرة، بقدر ما يعكس استعداد مصر لتوسيع نطاق أدواتها في دعم المملكة، مع الاحتفاظ بهامش لتحديد طبيعة التحرك وحدوده وفقاً للمصالح الوطنية والتطورات الإقليمية.


وفي المقابل ستظل قدرة القاهرة على الجمع بين الاستعداد الدفاعي والتحرك الدبلوماسي عنصراً حاسماً في إدارة الأزمة، فالمساندة المصرية للرياض لا تتعارض بالضرورة مع مواصلة الاتصالات الإقليمية الرامية إلى وقف الهجمات، بل قد يتكامل المساران في محاولة لرفع كلفة التصعيد على الحوثيين، ودفع الأطراف المعنية إلى تجنب مواجهة إقليمية مفتوحة.



محمد فوزي

باحث مصري غير مقيم في مركز سوث24، متخصص في قضايا الأمن الإقليمي، والفاعلين المسلحين من دون الدول، وقضايا التطرف والإرهاب.

Shared Post
Subscribe

Read also