اليمن والخليج في ضوء نتائج الانتخابات الأمريكية.. هل يعود الربيع العربي؟

التقارير الخاصة

السبت, 07-11-2020 الوقت 12:21:14 صباحاً بتوقيت عدن

سوث24| يعقوب السفياني، بدر محمد

تشهدُ الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأعظم عسكرياً وسياسياً واقتصاديا منذ عقود، وشرطي العالم الوحيد كما يصفها البعض، سباقاً انتخابياً محموماً وقياسياً للفوز بمنصب الرئيس لعام 2020، بين المرشح عن الحزب الديمقراطي، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لولايتين، جو بايدن، والرئيس الحالي لأمريكا، دونالد ترامب.

الانتخابات الي وصفها خبراء بـ "الأهم" في تاريخ أمريكا، جاءت في ظلِّ وضعٍ سياسيٍ واقتصاديٍ عالميٍ يشوبه التوتر والتجاذبات، خصوصاً مع انتشار جائحة الفيروس التاجي كوفيد19، الذي تعتبر أمريكا إحدى أهم بؤر انتشاره في العالم، وانعكاساته المدمّرة على الوضع الاقتصادي وأسواق النفط.

"الانتخابات، جاءت في ظلِّ وضعٍ سياسيٍ واقتصاديٍ عالميٍ يشوبه التوتر والتجاذبات"

يتابع العالم بترقّب كبير، نتائج الانتخابات الأمريكية، لما تشكّله سياسة المنتصر فيها من تأثير على معظم الملفات والقضايا الدولية بشتى أنواعها، انطلاقاً من دور واشنطن المحوري في العالم. وعلى الرغم من حقيقة كون البلد يحتكم لمؤسسات وسياسات خارجية تُقدّم مصلحته بدرجة رئيسية، وهو ما يعني صلاحياتٍ محدودةً لمن يرأسُ أمريكا من أي حزب كان، إلا أنّه من الحقيقة بمكان أيضاً درجة الاختلاف في الفلسفة والرؤى السياسية بين الحزبان الرئيسيان في أمريكا، الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس ترامب، والحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه المرشح الرئاسي جو بايدن، وتأثير خلفية مرشّحي الحزبين على سياسة البلد الخارجية.

لأربعةِ أعوامٍ مضت، وهي فترة الولاية الرئاسية الأولى للرئيس ترامب، اتّبعت إدارة ترامب أسلوب الحزب الجمهوري في حكم البلاد بشكل مختلف عن سلفه الديمقراطي باراك أوباما، فقد تبنّت إدارة ترامب توجه المحافظين الأمريكيين، الذي يجمع ما بين السياسات الاقتصادية المُحافظة والقيم الاجتماعية المُحافظة، ويدعم تخفيض الضرائب، ورأسمالية السوق الحرة، فرض قيود على الهجرة، زيادة الإنفاق العسكري على القوات المسلحة، حقوق حيازة وحمل السلاح للأمريكيين، وفرض قيود على الإجهاض والحد من النقابات العمالية.

خارجياً، اتّبعت إدارة ترامب سياسة تَمثّلت في الشعار الذي أطلقه ترامب "أمريكا أولا"، وهي السياسة الذي تراجع فيها الدور الأمريكي المباشر على كثير من الملفات والنزاعات في الشرق الأوسط، وقد تحدّث ترامب عن خطأ التواجد العسكري الأمريكي في هذه المنطقة الملتهبة من العالم، وسحب كثير من وحدات أمريكا العسكرية من أفغانستان وسوريا والعراق، منتقداً بشدة، سلفه أوباما وسياسته في الشرق الأوسط. 

وقد انسحب ترامب، في 8 مايو/أيار 2018، من الاتفاق النووي مع إيران كما وعد في حملته الانتخابية، وهو الاتفاق الذي تم التوصل إليه في يوليو/تموز 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة - الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة - بالإضافة إلى ألمانيا)


بايدن توعّد بأن يجعل السعودية دولة "منبوذة" (الصورة: رويترز)

الشرق الأوسط

في ظل اشتداد الحملة الانتخابية بين ترامب وبايدن، تُثار العديد من التساؤلات حول سياسات الولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط خلال الأربع السنوات القادمة، فنجاح ترامب يعني استمرار سياسات إدارته القائمة على ممارسة الضغوط على إيران لدفعها لتعديل سلوكها في المنطقة، وقد نفّذت إدارة ترامب عقوبات اقتصادية قاسية على إيران على مدار فترة ولايته، عزّزت الموقف الأمريكي الحازم تجاه إيران بدءا بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. كما أنّ نجاح ترامب يعني استمرار لتنفيذ رؤيته الخاصة بشأن إسرائيل، المُتضمنة انحيازاً واضحا لإسرائيل عبر تطبيق ما تبقى من خطة "صفقة القرن"، ودفع دول عربية جديدة لتوقيع اتفاقيات سلامٍ مع إسرائيل على غرار الإمارات والبحرين والسودان.

"فوز بايدن يعني عودة محتملة للاتفاق النووي مع إيران، وتراجعاً للعلاقات الأمريكية – السعودية."

من الناحية الأخرى، من المُتوقع أن يُشكّل نجاح بايدن في الانتخابات الرئاسية تغييراً جوهرياً في السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، في ضوء الكشف عن مراسلات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، والسياسات التي تمّت خلال حكم إدارة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، والمُرتكزة على قضية نشر الديمقراطية والتعويل على حركات الإسلام السياسي، وهوما يُفسّر حالة البهجة التي تعيشها جماعات الإسلام السياسي- الإخوان المسلمين بدرجة أساسية- في خضم السباق المحموم نحو البيت الأبيض، والذي يبدو أقرب لبايدن الذي يملك حظوظاً أعلى في الفوز ويتقدّم بأصوات عدة ضد ترامب.

على الأرجح، سيتبّع بايدن أسلوباً جديداً للقيادة في الشرق الأوسط، والذي لن يشمل التدخل العسكري المباشر على غرار جورج بوش، ولن يكون لا مبالياً كالرئيس ترامب، ولكنه قد يكون قريباً من خط السياسة الديمقراطية لأوباما، والمُعتمد على تطبيع العلاقات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط مع القوى الرئيسية فيها، وهو ما يعني عودة محتملة للاتفاق النووي مع إيران، وتراجعاً للعلاقات الأمريكية – السعودية.

تعرّضت حركات الربيع العربي والحكومات التي نتجت عنها للانتكاس برحيل أوباما ومجيء الجمهوري دونالد ترامب (وكالات)

الإسلام السياسي

وفي حالة بايدن، عادة ما تُلقي الديمقراطية الأمريكية ظلالها على المشهد السياسي في الشرق الأوسط - خصوصاً المنطقة العربية، وتسمح بتنامي الحراك الشعبوي الذي تتصدره جماعات وحركات الإسلام السياسي، لتقف هذه الأخيرة على أرضية ديمقراطية هشة لا تؤمن بأساساتها وقواعدها أصلاً، الأمر الذي عرّض العملية الديمقراطية في المنطقة العربية ابان حكم الديمقراطي باراك أوباما للانتكاس سريعاً، أدّى إلى سقوط وفشل الحكومات التي أتت بها رياح الربيع العربي، نتج عنه دخول المنطقة نفق مظلمٍ من الصراع والاحتراب الذي ما زالت آثاره ماثلة حتّى اللحظة.

ديمقراطية بايدن المُرتقبة في الولايات المتحدة وعلى الرغم من حماسها منقطع النظير، والمُتمثّل في الانتخابات الرئاسية الحالية، إلا أنّ تأثيرها في المنطقة العربية اقتصر على شريحة سياسية مُعينة تتمثل في جماعة الإخوان المسلمين وبعض الحركات اليسارية، الأمر الذي جعل لمثول الديمقراطية الأمريكية ظلاً يداعب الذاكرة الجمعية العربية ويهدد بإعادة جماعات الإسلام السياسي- كجماعة الإخوان المسلمين- إلى الواجهة، ويسمح بتسيّدِ فكرها العقائدي على المشهد السياسي العربي.

"فوز بايدن يعني مزيداً من السياسة الديمقراطية الأمريكية المتساهلة مع والداعمة لـ حركات الإسلام السياسي"

من السهل قراءة ذلك الحماس وانعكاسه في تناولات الإعلام والمثقفين والسياسيين المنقسمين في الشرق الأوسط بين محور قطر وتركيا إلى جانب إيران وحلفائها من جماعات الإسلام السياسي، التي تفرك أصابعها لفوز بايدن، وبين محور بقية دول الخليج وحلفائها في المنطقة، خصوصا الإمارات والسعودية، وآمالها المحفوفة بالحذر وربما الخيبة، بفوز ترامب.

بالنسبة للمنطقة العربية، فوز بايدن يعني مزيداً من السياسة الديمقراطية الأمريكية المتساهلة مع والداعمة لـ حركات الإسلام السياسي، والأخيرة على أعتاب تغيّرٍ جديدٍ يتمثّل بسقوط حكوماتها التي أفرزها الربيع العربي، وعودتها إلى حراكها الشعبوي ودورها المعارض، وتشكّل الأزمتان الليبية واليمنية نماذجاً فعلية لهذا التغيّر، فالبلدان يقفان على حافة إبرام اتفاقات سياسية جديدة تُنهي هيمنة جماعة الإخوان المسلمين المُطلقة على حكومات الربيع العربي، وتُشير إلى انتقال إخوان اليمن وليبيا من مربع الشرعية الحكومية إلى مربع المُعارضة.

اليمن والإقليم

 منذ اندلاعها في 2011 ومروراً بانفجارها عسكرياً في 2015، شكلّت الأزمة اليمنية أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، إذ تم الكشف عن جذور سابقة لها تتجاوز ثورة 2011، وتنقسم الخارطة العسكرية والسياسية اليمنية إلى شقين رئيسين:

الأول جنوب اليمن. الشق الذي يكاد يكون منعزلاً عن أزمة الانقلاب الحوثي على حكومة الرئيس هادي التي أفرزتها ثورة فبراير، والأزمة مع الحوثيين يمكن إسقاط أسبابها ونتائجها على الشمال اليمني فقط، حيث كان طرفاها الحكومة اليمنية التي نتجت عن ثورة فبراير 2011 من جهة، وجماعة الحوثي وحلفائها من مؤتمر صالح من جهةٍ أخرى. جميع هذه الأطراف تشكّل القوى المنتصرة في حرب 94 ضد الدولة الجنوبية، التي توحدّت مع الشمال في 1990.

ولأنّ أزمة جنوب اليمن ليست وليدة الربيع العربي أو حرب 2015، بل نتاجٌ لحركاتٍ تحرريةٍ نضالية جنوبيةٍ نشطت طيلة أكثر من عقدين، استطاعت هذه الحركات الجنوبية- مُستغلةً اعتبارها جزء أصيل وقوي من جبهة الصد اليمنية ضد التمدد الحوثي والتي تلقت دعما سعوديا وإماراتيا غير محدوداً- أن تنتقل لمستوى آخر من الحضور عبر تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في العام 2017.

الشق الثاني من الأزمة اليمنية هو شمال اليمن، ومرت أزمة الشمال بمرحلتين زمنيتين منفصلتين. يُشكّل تاريخ مقتل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في 4 ديسمبر 2018 النقطة الفاصلة بين هاتين المرحلتين، حيث تصدّع معسكر الحوثي ومؤتمر صالح مسبباً ظهور قوة جديدة إلى المشهد في شمال اليمن، وهي القوة التي يُمثلها جناح مؤتمر صالح الموالي لأبو ظبي والرياض.

الصورة الإجمالية لأزمة الشمال اليمني تتمثّل في جزءٍ أكبر من الشمال يحكمه الحوثيون، وجزءٍ أصغر منه تتركز فيه الثروات النفطية تحكمه جماعة الإسلام السياسي- حزب الإصلاح- تحت رداء الحكومة الشرعية، التي تمدّدت إلى منابع النفط جنوبا أيضاً.

ومع أخذ هذه النظرة الشاملة للأزمة اليمنية بشقيها، يُمكن تحليل الدور الأمريكي تجاه الأزمة اليمنية، وإسقاط النتائج المحتملة لنتائج الانتخابات الأمريكية عليها.