Array

مبعوثو الأمم المتحدة إلى اليمن: مسلسل من ثلاثة مواسم، هل الرابع هو الأخير؟

التحليلات

الإثنين, 17-05-2021 الوقت 07:35:30 مساءً بتوقيت عدن

سوث24| فريدة أحمد

تدخل اليمن عامها السابع من حرب أهلية هي أشدُّ فتكًا وعنفًا وكلفة من بين حروبها التي خاضتها منذ قرون، تبادلت فيها مختلف الأطراف النزاع على كافة المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، ولم تكن الدبلوماسية استثناء من هذا الوضع الذي أدارت به الأزمة أكثر مما ساهمت في إيجاد الحلول لها.

فشل مبعوثو الأمم المتحدة جميعًا في مهماتهم الأممية لحل الأزمة في اليمن، بل ساهم البعض منهم في تعقيدها بسبب تقديرات خاطئة ربما، أو رفع سقف توقعات للحلول بتجاوز تفاصيل مهمة، أو البحث عن تحقيق مكاسب شخصية، أو عدم مقاومتهم للضغوطات التي كانوا يتعرضون لها سواء من أطراف محلية أو إقليمية أو دولية. 

المبعوثون الأمميون إلى اليمن

في مراجعة بسيطة لتاريخ المبعوثين الأمميين الذين تم تعيينهم إلى اليمن كمبعوثين خاصين للأمين العام للأمم المتحدة، يمكن القول أن جُلّهم عُينوا لمهمات نزع فتيل الأزمات، وليس تعيينًا لمهمات محدودة قصيرة، بل إن البعض منهم امتدت فترة تعيينه لأربع سنوات. فمثلا، جمال بنعمر عُيّن في أبريل / نيسان 2011 وحتى نفس الشهر من 2015، وقاد الوساطة بين أطراف النزاع في عام 2011، كما قاد وساطة نقل السلطة والمبادرة الخليجية، ومن ثم المفاوضات التي أعقبت اجتياح الحوثيين لصنعاء وأسفرت عن اتفاقية السلم والشراكة في 2014. ظل بنعمر يتفاوض بشأن هذه الاتفاقية عدة أيام مع قائد جماعة الحوثيين دون أن يُطلع الأطراف الأخرى المشارِكة على تفاصيلها إلا في اللحظات الأخيرة قبل التوقيع على الاتفاقية. ربما هذا ما دفع أطرافاً محلية وإقليمية لاتهامه بالقرب من الحوثيين والتساهل معهم، بل إنّ البعض اتهمه بأنه "مهندس مؤامرة سقوط صنعاء" منذ البداية.  هذا كلّفه رصيده المهني واستقلالية قراره كمبعوث، خصوصاً، وأن بعض الأطراف أوحت له أنه أصبح مبعوثًا غير مرغوب به، ما أفضى في نهاية المطاف إلى استقالته من مهمته، وعُدّ ذلك إقرارًا منه بفشلها.

"تحول بعض المبعوثين الأممين، مع مرور الوقت إلى موظفين بيروقراطيين في التعامل والأداء"

اُختير بعد ذلك الدبلوماسي الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، خلفا لبنعمر، وتقلّد منصبه من 25 أبريل نيسان /  2015 حتى 16 فبراير، شباط 2018. ولد الشيخ لم يصمد في مواجهة ركام العقبات والعراقيل التي كان يضعها الحوثيون في طريقه. تعرّض موكبه لهجوم مسلح في إحدى زياراته إلى العاصمة صنعاء في 2017، أثناء ما كان يعتزم إبرام هدنة إنسانية بين الحوثيين وقوات صالح من جهة وحكومة هادي من جهة أخرى. وقد وجهت وزارة الخارجية اليمنية آنذاك اتهاما مباشرا للحوثيين بمحاولة اغتيال المبعوث الأممي ولد الشيخ لعرقلة جهوده. [1] وقد أنهى ولد الشيخ مهمته بتقديم استقالته التي عبّرت عن فشل جولة ثانية من مساعٍ أممية لم يُكتب لها النجاح، بما في ذلك خارطة الطريق التي قدمها وزير الخارجية الأمريكي حينها، والتي عُرفت بـ "خطة كيري" وهدفت لإعادة ترتيب تنفيذ أولويات القرار الدولي الشهير 2216 الصادر في أبريل / نيسان 2015.

يشار إلى أنّ ولد الشيخ في آخر إحاطة له أمام مجلس الأمن الدولي، تحدث عن وضعه لمقترح كامل وشامل للحل السياسي في اليمن، [2] إلا أنّ الفرقاء رفضوه في الدقائق الأخيرة، مبينًا أنّ الحوثيين لم يكونوا على استعداد لتقديم تنازلات، مما شكل معضلة أساسية للتوصل إلى حل توافقي. وقد تزامنت مغادرة ولد الشيخ بتحركات دولية تزعّمتها بريطانيا من أجل تقديم حلول للأزمة في اليمن، وهو ما كان سببًا آخرًا في تعيين مبعوث أممي جديد من الجنسية البريطانية.

جاء "مارتن غريفيث " كمبعوث خاص لليمن من قبل الأمين العام أواخر فبراير / شباط 2018، وكانت جميع الأطراف اليمنية متفائلة رغم حجم التعقيدات والتطورات التي غيّرت خارطة المسارات العسكرية وموازين القوى على الأرض. وبالرغم من انفتاح الأطراف أيضًا وتجاوبهم مع المبعوث الأممي الجديد، إلا أنّ المفارقة التي حسمت بداية النهاية لمهمة غريفيث، هي أنه لم يكن حازمًا بالقدر الكافي مع الحوثيين كطرف أساس لحل الأزمة، خاصة بعدما تغيّبوا عن مشاورات جنيف 2018، التي رعتها الأمم المتحدة تمهيدًا لحل سياسي في اليمن، رغم حضورهم جولتين سابقتين في سويسرا مع ولد الشيخ وكذا محادثات الكويت التي استمرت لأكثر من مائة يوم. سبب ذلك، على الأرجح،  صدمة لغريفيث وعدم رضى عن الخطوة الحرجة التي قام بها الحوثيون، لكنه على الرغم من ذلك استمر في مهادنتهم، خشية خسارته للمحاولة في بداية مهمته. 

علاوةً على ذلك، قاد غريفيث جولة من أجل حل جزئي في ضواحي "ستوكهولم" تركّزت على تجنيب مدينة الحديدة وموانئها الثلاثة عواقب هجوم لقوات التحالف في أواخر العام 2018، وقد بدا نجاحًا شكليًا لكنه سرعان ما تعثّر وفشل وساءت الأوضاع الإنسانية بصورة أكبر مما كانت عليه من قبل. وأكثر من ذلك، أعقبه تمددٌ للحوثيين نحو مساحات أوسع، وسيطرة الجماعة على أراضٍ كانوا قد أُخرجوا منها بالقوة العسكرية قبل ذلك في الجوف ومديرية نهم القريبة من صنعاء ومديريات تابعة لمحافظة مأرب.

إخفاقات متتالية وخيبات أمل

بدا واضحًا أنّ كل مبعوث أممي كانت له حساباته الخاصة في ملف الأزمة اليمنية، بيد أنّ أهم العناصر التي كانت ستضمن نجاح مهمة كل مبعوث من عدمه، هو عمله الجاد واستقلالية قراره وعدم انحيازه لأي طرف سواء محلي أو إقليمي له علاقة بالصراع. مثل هذا الانحياز قد يفقد المبعوث الأممي نصف رصيده قبل أن يبدأ، أو حتى يفقده أثناء مهمته من خلال تراخيه في التعاطي مع أحد أطراف الأزمة، أو لعبه دور الوسيط بين طرفين متنازعين أكثر مما يفترض أن يكون دورًا ميسرًا، يُصبح معها المبعوث الأممي من خلال وساطته طرفًا من الأطراف. هذا يميل بشكل قريب للدور الذي لعبه في السابق جمال بنعمر أثناء مهمته، وإلى حدٍ ما غريفيث، الذي وصف نفسه هو الآخر بالوسيط في إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن. [3] وهنا يُمكن طرح تساؤل مشروع: هل المبعوث الأممي ميسرًا أم معسرًا، حين يتخذ من دور الوساطة صلاحيات أوسع تمكّنه من ممارسة مهمة خطيرة، تَخرجُ عن الإطار القانوني، الذي رُسم له من أجل التحرك في نطاقه، والذي من المفترض أن يحافظ عليه كمبعوث خاص للأمم المتحدة؟

"أحد الأسباب الرئيسية، لفشل المبعوثين الأمميين تجاهل أطراف محلية أخرى ذي دور كبير في تغيير مسارات الحرب كالمجلس الانتقالي الجنوبي"

واقع الحال يُشير إلى أنّ مهام الثلاث المبعوثين الخاصيين إلى اليمن "جمال بنعمر، وإسماعيل ولد الشيخ، ومارتن غريفيث"، فشلت لأسباب عديدة منها على سبيل المثال، تحوّلهم مع الوقت إلى موظفين بيروقراطيين في التعامل والأداء، في وضع استثنائي يتطلب منهم ترشيد الوقت واستثماره في ظل أزمة غير اعتيادية كالحرب، عوضًا عن الانشغال بفتح مكاتب للمبعوث الأممي، وتوظيف أكثر من مائة موظف بتكلفة سنوية تقارب الـ  20 مليون دولار. [4] [5] ذلك قد يحوّل المبعوث وموظفيه إلى أشخاص جلّ همهم البقاء في مراكزهم الوظيفية على حساب إيجاد حلول للأزمة، فضلًا على أنّ المبعوث الأممي نفسه يقفز على تفاصيل بعض القضايا، ويبحث عن تحقيق مكاسب ذاتية متمثلة في الوصول إلى اتفاق نهائي بين الأطراف وإن لم يفضِ هذا إلى سلامٍ، بهدف تحقيق نجاح وظيفي يؤهله لتولي وظائف أعلى داخل الأمم المتحدة أو خارجها، أو ترشيحه ربما لجوائز عالمية، وهو ما يعمّق من الصراعات بشكل أكبر. 

أحد الأسباب الرئيسية، أيضا، تكمن في تجاهل المبعوثين الأمميين لأطراف محلية أخرى ذي دور كبير في تغيير مسارات الحرب من خلال تحريرها وتأمينها مساحات واسعة من خطر العمليات العسكرية، كالجنوبيين الذي يشكّلون قوة جديدة لها وزنها وثقلها في المعادلة العسكرية والسياسية ممثلين بالمجلس الانتقالي الجنوبي. على الرغم من أنّ هذه الأطراف كانت متفائلة بوصول غريفيث وتعاطيهم المتواصل معه، إلا أنّه خيّب آمالهم بإرجاء إشراكهم في أي مفاوضات مباشرة بحجة القرار 2216، المبني على مشاورات بين طرفين رسميين "الشرعية والحوثيين". واقتصر التعاطي معهم بمنحهم  هذه الأطراف، كالانتقالي الجنوبي، والمكتب السياسي لطارق صالح، والحراك التهامي، وغيرهم من النساء والشباب المستقلين، وعودا بالمشاركة في مشاورات سلام تلي المرحلة الأولى، في تجاوز واضح للواقع الجديد الذي كرّسته بعض هذه الأطراف على الأرض.

يمثّل بناء المبعوث الأممي أيضًا على تركة سلفه أهمية بالغة، لا أن يعيد بناء تصوراته للحل من الصفر، وإن كان يعمل على ذلك ربما من قبيل سعيه لفهم أعمق للأزمة اليمنية، إلا أنه بذلك يكون قد حفّز سببا آخرا لفشل مهمته، وهو ما حدث مع غريفيث، إذ تطلب منه ذلك وقتًا وجهدًا أكبر اعتقادًا منه أنه سيحاول فهم تعقيدات الأزمة التي عجز المبعوثين الأمميين العرب عن فهمها. فضلا عن ذلك، إنّ المبعوث بشكل عام إذا لم ينجز مهمته خلال عام من توقيع عقده لا ضرورة لبقائه، لأنّ الهدف في نهاية الأمر إيجاد حلول للأزمة وليس التعايش معها بتجميدها، لذا بقاء أي مبعوث أممي أكثر من عام دون تحقيق أي إنجاز، يتطلّب من أطراف النزاع الضغط على المبعوث لدفعه لتقديم استقالته أو الاعتذار عن إكمال مهمته، لأنه يتحول إلى معرقل للأزمة أكثر من أن يكون ميسرًا لإيجاد حلول سياسية لها.

هل يكون الموسم الأممي الأخير؟

إنّ وضع حد نهائي لأزمة الصراع في اليمن لن يتحقق إلا بوجود إرادة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وجهود الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص، وتعاطي أطراف النزاع مع كل الحلول المطروحة لطي هذه الصفحة الدامية من تاريخ اليمن. 

إذًا، هناك ثمة حاجة إلى مقاربة جديدة لحل الأزمة في اليمن من قبل المبعوث الأممي الجديد، تدفع بمشاركة بقية الأطراف اليمنية الأخرى التي فرضت واقعًا لا يمكن تجاهله خلال السنوات الأخيرة، وتحريك حالة الجمود التي شابت اتفاق الرياض الذي يُمكن أن يمهّد لعملية سلام شاملة في اليمن، خاصة وأنه ضمِن وضعًا في الحكومة لفاعلين آخرين أقوياء كالمجلس الانتقالي الجنوبي.

فريدة أحمد
زميلة مقيمة في مركز سوث24 للأخبار والدراسات، باحثة في الشؤون السياسية

- مركز سوث24 للأخبار والدراسات
- الصورة: اقتطاع سوث24

الأمم المتحدة حرب اليمن اليمن الحوثيون مارتين غريفيث المجلس الانتقالي الجنوبي