Array

عودة صاخبة: لماذا يكثّف تنظيم القاعدة عملياته في جنوب اليمن؟

التحليلات

الإثنين, 24-05-2021 الوقت 11:22:57 صباحاً بتوقيت عدن

سوث24| قسم التحليلات

في مطلع العام الجاري أفاد تقرير أممي مقتضب أنّ القوات الأمنية اليمنية نجحت في اعتقال زعيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب "خالد باطرفي" عبر عملية نوعية في محافظة المهرة جنوب شرق اليمن. ورغم الضجة الإعلامية التي أحدثها التقرير الاممي، فإن التنظيم الجهادي لم يتعجل بالرد وحافظ على صمته كي يغري خصومه بالتمادي أكثر في روايتهم الخاطئة [1]، وفي الوقت نفسه مثّلت هذه الشائعات إحدى بالونات الاختبار التي استثمرها باطرفي لاختبار حقيقية المعارضة الداخلية المتنامية في صفوف الحركة الجهادية.

لم يتقلّد باطرفي منصب أمير تنظيم القاعدة بسلاسة، وقد واجه تحديان أساسيان هددا شرعيته القيادية: أولاً تجمّع "النهديين" الذين قرروا "اعتزال" التنظيم ورفضوا مبايعة باطرفي، وثانياً النشاط الداعشي الذي عاد بقوة كي ينافس على قيادة الحركة الجهادية في اليمن وهدد معاقل القاعدة في محافظة البيضاء وحاول قدر الإمكان الاستفادة من الفراغ القيادي الذي تركه رحيل الريمي [2]. وبمجرد أن انتهى باطرفي من تحييد المخاطر الداخلية التي استغرقت عاما كاملاً من نشاطه، شرع بالتخطيط لسلسلة عمليات ميدانية يُثبت من خلالها بقاءه حراً طليقا، ويثبت أيضا فاعلية تنظيمه على الأرض رغم الضربات الأمنية التي تعرّض لها. 

وفي نهاية مارس الماضي بدأت العودة العملياتية للتنظيم من خلال استهدافه لقوات الحزام الأمني في محافظة أبين. ثم في أبريل الماضي أعلن تنظيم القاعدة استهدافه لمقر قوات التحالف العربي -الذي تتواجد فيها القوات المسلحة الإماراتية- في منشأة بلحاف بمحافظة شبوة، كما واصل التنظيم عملياته الخاطفة ضد التجمعات الأمنية الموالية للمجلس الانتقالي في أكثر من مرة [3].

وبعد هذه الحصيلة الأولية أطل باطرفي في أول ظهور مصور له منذ أنباء اعتقاله؛ وبثت مؤسسة الملاحم –الذراع الإعلامية لتنظيم القاعدة- مقطعا مصورا يوثّق عمليات التنظيم ضد قوات الحزام الأمني في أبين، ثم يعقبها كلمة لزعيم القاعدة يحرّض فيها "أهل الجنوب" على الثورة ضد المجلس الانتقالي الجنوبي "باليد او اللسان او القلب"، وبحسب باطرفي فمن لم يستطع أن يقاتل المجلس الانتقالي فعليه بالاحتجاج والتظاهر ضده ومن لم يستطع فعليه أن يسحب أبناءه على الأقل من ضمن قوات المجلس.

تقريباً هي المرة الأولى التي يقرر فيها باطرفي استعمال مفردة "الجنوب". وسبق أن قاما "الوحيشي" و "الريمي" بصك مصطلحات مشابهة مثل "قبائل أهل السنة" و"مقاومة شباب الحارات"، ومثّل هذا الخطاب إحدى آليات التكيّف الأيديولوجي الذي انتهجه التنظيم لاستثمار الهويات المحلية (الريفية والحضرية) وإعادة الانتشار في المناطق اليمنية السنية التي عانت حينها من اجتياح مليشيات الحوثي.

واليوم فإنّ حديث باطرفي صراحة عن "الجنوب" يُعدّ مؤشراً هاماً عن الاتجاه المستقبلي للتنظيم ورغبته في إعادة تموضعه في المحافظات الجنوبية الشرقية الواقعة تحت سيطرة الشرعية (أبين، شبوة، حضرموت الوادي)، مستفيداً قدر الإمكان من التناقضات السياسية والفراغات الأمنية الموجودة في المعسكر المناهض لجماعة الحوثي.

عمليات أبين ورؤية القاعدة

ركّزت عودة التنظيم على محافظة أبين كمسرح للعمليات؛ وهذا ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية التي وضعها الريمي واستمر على نهجها باطرفي، وتقوم على ثلاثة محاور:

1- تصدُّر الامارات والمجلس الانتقالي لقائمة العداء الأيدلوجي والاستراتيجي في الداخل اليمني، يتلوها مليشيات الحوثي ثم تنظيم داعش. وبينما يعمد التنظيم إلى لعب دور خفي في معارك مأرب ضد الحوثي [4]، فإنّه يكثّف من حضوره الأمني والإعلامي في أبين التي مثلت خاصرة رخوة لاستنزاف المجلس الانتقالي.

2- الحفاظ على علاقة التعاون التكتيكي بين تنظيم القاعدة وبين قوى الإسلام السياسي الموجودة في الشرعية في مقدمتها حزب الإصلاح، وإعادة تعويم عناصر وقيادات التنظيم الوسطية في محافظتي شبوة وأبين، واستفادتهم من حالة التحشيد العسكري والسياسي ضد الانتقالي والإمارات لتسهيل تحركاتهم والتمهيد لبناء ملاذات آمنة في المناطق النائية في المحافظتين. وقد أظهرت المعلومات الخاصة مؤخرا أنّ اثنان من أبرز قياديي التنظيم، اللذان ماتا قبل أيام في حادث مروري في محافظة أبين وهما: "صالح أحمد السامل" أمير التنظيم في مديرية المحفد، وكذلك "ناصر سعيد لكرع" أمير مخابرات التنظيم في المحافظة؛ كلاهما كانا على تواصل وثيق مع القيادات العسكرية والأمنية التابعة للشرعية ورتبوا لدمج عدد كبير من عناصر التنظيم ضمن صفوف قوات الجيش الوطني المتمركز في أبين.


3- الحفاظ على وضعية الكمون الاستراتيجي وعدم التمركز كسلطة حاكمة في أي بقعة جغرافية. والعمل على هيكلة البناء التنظيمي بما ينسجم مع البيئة الأمنية الراهنة. ومن المرجّح أن قيادة التنظيم قد تخلت عن هيكليتها السابقة التي تنقسم الى مستويين: المستوى الدولي للتنظيم المعروف بقاعدة الجهاد في جزيرة العرب، والمستوى المحلي للتنظيم والمعروف بأنصار الشريعة. ويبدو من الإصدار الأخير للتنظيم أنه قد جرى دمج كلا المستويين عبر قيادة مركزية وذلك لسببين: أولاً: لأنه لم يعد هناك مناطق نفوذ يجب للتنظيم أن يديرها سلطويا من خلال قيادات محلية، وثانياً: إنّ شحة الموارد وتنامي الاختراقات الاستخبارية ونزعات الانشقاق الداخلية كل هذه تجعل باطرفي أميل الى فرض قبضته المركزية على هيكلية التنظيم وتقليص أي استقلالية.

أزمة شرعية مستدامة.. وحتمية توسيع بنك الأهداف 

رغم النجاح النسبي الذي يحققه تنظيم القاعدة في المحاور الثلاثة السابقة، فإن باطرفي مازال يعاني من "أزمة شرعية" مستدامة نظراً لتواضع رصيده التاريخي مقارنة بشيخي الجهادية اليمنية (الوحيشي و الريمي)، ولن يتمكن باطرفي من تجاوز هذه الأزمة إلا من خلال خطوتين: أولا تنفيذ عمليات نوعية في مدينتي عدن والمكلا تستهدف قيادات مهمة في المجلس الانتقالي أو الحكومة اليمنية أو في قيادات النخبة الحضرمية، وثانياً شنّ عمليات خارجية ضد المصالح الغربية حتى وإن كانت ذات مدلول رمزي عبر أسلوب الذئاب المنفردة.

وسوف يكون باطرفي أكثر اندفاعا إلى إنجاز هاتين الخطوتين بالتوازي مع احتدام سؤال الخلافة في القيادة العالمية لتنظيم القاعدة واقتراب موعد رحيل الظواهري، وتاريخياً لطالما كان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب هو الأكثر منافسة على انتزاع موقع الخلافة ونقل مركز الثقل الجهادي الى اليمن بعد تراجع ألق التنظيم في أفغانستان.

في المحصّلة فإن باطرفي أعاد ترتيب أولوياته الاستراتيجية وتعريف أعدائه من أصدقائه، وقدّم العديد من التنازلات المرحلية مثل إحجامه عن إعلان إمارة سلطوية رغم هشاشة الوضع الأمني في مناطق الشرعية وعدم استيلائه المباشر على موارد الدولة؛ وذلك كله في مقابل الاستفادة القصوى من ظروف الصراع في الجنوب وبناء ملاذات آمنة تتيح للتنظيم إعادة التموضع واستعادة الانفاس واستئناف ضرباته الكبرى في داخل اليمن وخارجه. وإلى ذلك الحين يحاول باطرفي تعزيز مشروعيته الداخلية من خلال استعراض قوته في أبين. وهو يسعى بالوقت ذاته الى تغذية التوترات المتبادلة بين قوات الشرعية وبين المجلس الانتقالي وتفجير المواجهة العسكرية.

وبعبارة أدق، فإنّ إفشال اتفاق الرياض بات يمثّل مصلحة حيوية لتنظيم القاعدة. والمفارقة هي أنّ حساباته في هذا السياق تتقاطع بقوة مع حسابات جماعة الحوثي ومع مصالح القوى المهيمنة على قرار الشرعية والراغبة باحتكار السلطة. لذا فإنّه من غير الممكن فصل جهود مكافحة الإرهاب في اليمن عن مسار التسوية السياسية المأمولة في الجنوب.

صحفي وباحث سياسي من جنوب اليمن، تتركز أبحاثه على الحراك الجنوبي والجماعات الإسلامية المسلّحة 

- مركز سوث24 للأخبار والدراسات
- الصورة: اقتطاع من فلم (من الميدان) لتنظيم القاعدة (@war_noir)

تنظيم القاعدة الإرهاب جنوب اليمن الحزام الأمني المجلس الانتقالي الجنوبي حزب الإصلاح خالد باطرفي