إصرار إثيوبي وتحذير مصري سوداني.. هل سيتّم «الملء الثاني» لسد النهضة؟

إصرار إثيوبي وتحذير مصري سوداني.. هل سيتّم «الملء الثاني» لسد النهضة؟

التقارير الخاصة

الخميس, 27-05-2021 الوقت 08:23:45 صباحاً بتوقيت عدن

سوث24| قسم التقارير

يهدد سد النهضة الإثيوبي باندلاع أزمة حقيقية بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، وذلك بعد وصول المفاوضات بشأن عمليات ملء السد إلى طريق مسدود، وإصرار إثيوبيا على "الملء الثاني" في "الموعد المقرر"، فيما تُحذَر مصر والسودان إثيوبيا من "التصرفات الأحادية".

ويهدد الملء الثاني للسد بحدوث "صدمة مائية" قوية لكل من مصر والسودان، بحسب وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام، الاثنين. وحذَر الوزير من "إجراءات أخرى" ستقوم بها باقي مؤسسات الدولة المصري حال قيام إثيوبيا بـ "إجراء أحادي"، مؤكدّاً أنّ الأمر سوف يتجاوز "وزارة الري".


النيل الأزرق يمر عبر سد النهضة الإثيوبي (فرانس برس)


سد النهضة

في 2011، أعلنت إثيوبيا عن عزمها إنشاء سد على النيل الأزرق، وعُرف آنذاك باسم "سد هيداسي" على بعد 20 - 40 كيلو متر من الحدود السودانية، ثم سرعان ما تغيّر الاسم إلى "سد الألفية الكبير"، ووضِع حجر الأساس في إبريل 2011، ثم تغيّر الاسم في نفس الشهر إلى "سد النهضة الإثيوبي الكبير".

عقد بناء السد مُنح إلى شركة "ساليني" الإيطالية، والتي سبق لها بناء عدد من السدود، وبلغت قيمة العقد 4.8 مليار دولار، والتي تساوي أقل من 15% من ناتج إثيوبيا المحلي في عام 2012 البالغ 41.906 مليار دولار.

وطبقاً للتصميم المُعتمد للسد، فإنَّ ارتفاعه يبلغ 170 متراً والعرض 1800 متر، ويتسع خزان السد لحجم 74 مليار مكعب من المياه.

الآثار والأضرار 

تخشى مصر من انخفاض مؤقت من توافر المياه نظراً لفترة ملء الخزان وانخفاض دائم بسبب التبخر من خزان المياه. يبلغ حجم الخزان حوالي ما يعادل التدفق السنوي لنهر النيل على الحدود السودانية المصرية (65،5 مليار متر مكعب). من المرجح أن تنتشر هذه الخسارة إلى دول المصب على مدى عدة سنوات. 

وقد ورد أنه بخلال ملء الخزان يمكن أن يُفقد من 11 إلى 19مليار متر مكعب من المياه سنوياً، مما سيتسبب في خسارة مليوني مزارع دخلهم خلال الفترة من ملء الخزان. ويزعم أيضاً، بأنها ستؤثر على امدادات الكهرباء في مصر بنسبة 25 % إلى 40 %. 

وتخشى السودان من المخاطر التي يشكلها سد النهضة، واحتمالية انهياره الذي وإن حدث سيجرف معه سد "الروصيرص" السوداني، مما سيؤدي لفيضانات مدمرة وغرق وتشرد الملايين.

وتقول السودان إنَّ سد النهضة سيحرمها أيضاً من حصة مائية كبيرة سنوياُ، ما يؤدي إلى جفاف ملايين الفدانات من الأراضي الزراعية، ونقص الإنتاج الزراعي الذي يعتبر من مصادر السودان الرئيسية في الدخل، مما يعرّضها لمخاطر اقتصادية جمة، كما هو الحال أيضا لمصر.

وحول هذا، قالت الصحافية والباحثة المصرية في الشؤون الإقليمية، ولاء أبو ستيت، في حديث لـ"سوث24": "إنَّ مسألة نهر النيل بالنسبة لمصر هي مسألة مصير، فهو شريان الحياة الذي يُغذّي مصر منذ فجر الخليقة. على ضفافه نشأت وترعرعت أقدم حضارة في التاريخ، وكان له تأثيره الأهم على استمراريتها وبنائها المُطرد".

وأكدّت الباحثة أنّ مصر "تعاني من فقر مائي وتسعى لترشيد استخدام المياه والبحث عن حلول بديلة حتّى قبل مسألة سد النهضة"، مشيرة إلى أنَّ "آخر إحصاءات رسمية أعلنها رئيس الوزراء المصري، فإنَّ نصيب المواطن من المياه في حدود 600 متر مكعب، أي بتجاوز ٤٠% من حد الفقر المائي العالمي الذي يُقدّر بألف متر مكعب، وبالتالي فإنّ مصر بالأساس تسعى لمواجهة هذا الفقر الشديد في المياه".

حياة أو موت

وفقا للأرقام التي ينشرها خبراء حول تبعات إصرار إثيوبيا على ملئ السد، فإنّ المخاطر ليست مجرد هامش، بقدر ما تشكّل تهديدا وجوديا لحياة الكثير.

تقول أبو ستيت "أن تأتي للقول بأنَّ هناك سد يُبنى وسوف يقضي على وجود هذا القدر من المياه الشحيحة بالأساس ليُعطّش ما يزيد على ١٠٠ مليون مصري إضافة لسكان السودان، فهذا أمر يستحق التوقف طويلاً أمامه، فمصر تعتمد بنسبة ٩٧% على مياه النيل بشكل أساسي، وبالتالي فالأمر بالنسبة لمصر في وجود السد هي مسألة وجود وحياة أو موت".

وكشف وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، في تصريحات صحفية نقلها الإعلام المصري أنَّ القاهرة "اقترحت على أديس أبابا خلال التفاوض زيادة فتحات سد النهضة من 2 إلى 4، لتأمين احتياجاتها، لكن الأخيرة رفضت".

وقال عبد العاطي إنَّ إثيوبيا "ستُشغّل فتحتي سد النهضة طوال موسم الأمطار هذا العام بقدرة 50 مليون متر مكعب، مُشيراً أنَّ ذلك لا يفي باحتياجات "السودان وحدها" من المياه.


صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 لبحيرة خزن المياه التي تشكلت خلف سد النهضة الأثيوبي (رويترز)

ولفت الوزير إلى إنَّ مصر طلبت من إثيوبيا زيادة فتحات السد إلى 4 على أن تتحمل هي "تكلفة الفتحتين الإضافيتين لكن إثيوبيا رفضت"، وأضاف : "قدمت مصر 15 سيناريو لإثيوبيا لأجل حل الأزمة، لكن التعنت الإثيوبي في المفاوضات يعود لعدم وجود "رغبة وإرادة سياسية".

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، قد صرّح بخصوص عملية الملء الثاني لسد النهضة، وقال أنّه سيعود "بفائدة على السودان" من خلال "تقليص حجم الفيضانات".

ولفت آبي أنَّ بلاده "إذ تسخّر نهر النيل لتلبية احتياجاتها، لا تُضمر سوءًا لدول المصب، وأن الملء الثاني سيتم في موسم الأمطار الغزيرة خلال شهرَي يوليو/تموز وأغسطس/آب. 

 وفقا للباحثة المصرية أبو ستيت فقد"قبلت مصر بوجود السد الإثيوبي لما يُحقّقه من رخاء مُتخيل للشعب الإثيوبي لا ترفضه مصر بالتأكيد، لكن بالمقابل تحتاج المسألة لاتفاق على آلية الملء، فلا يمكن لإثيوبيا أن تتحرك منفردة وفقاً لهواها وتتخذ إجراءات أحادية في ملء السد للمرة الثانية بدون العودة لمصر والسودان والاتفاق معهما".

 وأوضحت أبو ستيت أنًّ السودان "لا زالت تعاني حتى اللحظة من تبعات الملء الأول، وستكون معاناتها أكبر في الملء الثاني الذي تطلبُ مصر والسودان التوافق بشأنه وعقد اتفاق ملزم بين الأطراف الثلاث قبل الدخول فيه، وإلا فإنَّ مصر لن تقبل بأي تصرف أحادي مجدداً في هذا السياق، وتحتفظ بحق الرد المناسب".

الحل الدبلوماسي

تتهم مصر والسودان الجانب الإثيوبي بـ "التصرف الأحادي" والتنصل من "التفاهمات المشتركة". ومنذ بناء السد، ومروراً بعملية الملء الأول له وحتّى عملية الملء الثاني التي تعتزم إثيوبيا تنفيذها في "الوقت المحدد"، سعت مصر إلى حل مشكلة سد النهضة عبر الحوار والدبلوماسية، وحاولت حث إثيوبيا على الاتفاق على آلية محددة لعمليات ملء السد بما لا يضر بحصة مصر والسودان من النيل.

وكانت وزارة الخارجية الإثيوبية، قد أعلنت في الـ25 من مايو الجاري أنًّ إثيوبيا تتوقع "استئناف المفاوضات الثلاثية التي يقودها الاتحاد الإفريقي بشأن سد النهضة قريبا"، مؤكدة على لسان المتحدث الرسمي باسمها، أنَّ أديس أبابا "مستمرة في عملية الملء الثاني للسد في الوقت المحدد".

"لم تغلق مصر باب المفاوضات رغم التعنت الإثيوبي المستمر والمتواصل، والحقيقة أنَّ مصر في سياستها خلال الفترة الأخيرة أبدت كيف أنّها تلتزم الآليات الدبلوماسية لحل الأزمات"، ولذلك، تضيف أبو ستيت، أنّ مصر "تنتظر من إثيوبيا التزام وتحرك حقيقي نحو تفاوض يحفظ حقوق الدول الثلاث ولا يجور على حق مصر والسودان المائي".

وأوضحت أبو ستيت إنَّ "الاطار السلمي التفاوضي" هو الأساس الذي تتمسك به مصر وتؤكّد عليه حتّى في سياق حواراتها مع المحيط الإقليمي والدولي بهذا الشأن"، مضيفة إنَّ إثيوبيا "لا ترتضي هذا الموقف المصري كما يبدو، وتعتبر بذلك أنَّ مصر تُدوّل القضية، رغم أنَّ أول من سعى إلى تدويلها عبر إدخال الاتحاد الإفريقي في الأزمة كانت إثيوبيا، واليوم تدّعي سعي مصر للتدويل".

وكانت مفاوضات مصرية سودانية إثيوبية بشأن سد النهضة قد جرت مطلع أبريل الماضي، في العاصمة الكونغولية كينشاسا، واستمرت هذه المفاوضات- التي دعت لها جمهورية الكونغو الديمقراطية بوصفها الرئيس آنذاك للاتحاد الأفريقي- لأيام، وذلك بعد تعثر المفاوضات التي كانت تقودها جنوب أفريقيا طيلة عام 2020، وشهدت تنفيذ إثيوبيا للمرحلة الأولى لملء السد بقرار أحادي دون اتفاق مع مصر والسودان ودون إبلاغهما.


صورة لسد النهضة الإثيوبي في نهاية موسم الأمطار عام 2019 (رويترز)

فشلت مفاوضات كينشاسا في تحقيق أي تقدم نحو حل أزمة سد النهضة، وصرّح المتحدث باسم الحكومة المصرية بعد فشل مفوضات كينشاسا أنَّ إثيوبيا رفضت المقترح السوداني الذي أيدته مصر بتشكيل رباعية دولية، تقودها جمهورية الكونغو الديمقراطية التي ترأس الاتحاد الإفريقي، للتوسط لحل أزمة سد النهضة. 

واتهم المتحدث باسم الحكومة السودانية إثيوبيا بـ"تعطيل التوافق حول منهجية مشتركة لمفاوضات سد النهضة بسبب تعنتها". كما صرّحت وزيرة الخارجية السودانية، مريم المهدي، في وقت سابق، إنّ الجولات السابقة من المفاوضات التي جرت تحت رعاية الاتحاد الأفريقي "لم تكن مجدية وأهدرت 200 يوم من المفاوضات، ونتج عنها تراجعا حتى عما تم تحقيقه بالفعل والاتفاق عليه سابقاً".

ووصلت الحلول الدبلوماسية إلى أفق مسدود بعد فشل مفاوضات كينشاسا، ووصفها وزير الخارجية المصري "مفاوضات الفرصة الأخيرة".

بشكل أساسي، تفاوض القاهرة أديس أبابا على حصتها السنوية من مياه النيل ومدى إمكانية تأثرها بسبب السد، فيما تتجاوز مخاوف الخرطوم تأثر الحصة المائية إلى احتمالية انهيار سد النهضة، وهو ما سيدفع بمليارات مكعبة من المياه لتُغرق الملايين في السودان. تستمر إثيوبيا في الإصرار على ملء السد وفق الخطة الزمنية الخاصة بها، مؤكدة لمصر أنَّ حجز المياه ليس هدفها ولكنها تسعى لتوليد الكهرباء، وأنَّ بناء السد كان وفق معايير عالمية وبدقة واتقان، وكذلك خُطط الملء، بالنسبة للسودان.

التصعيد العسكري

وفي ضوء هذه المخاطر المترتبة من فشل الجهود الدبلوماسية، قالت أبو ستيت لـ "سوث24"، إنّ "مصر لديها أبواب عدة لطرقها وأدوات تستخدمها، ويبقى الحل العسكري آخر الخطوات التي أتصوَر أنّ مصر لن تلجأ إليها وستستطيع دبلوماسيتها وقيادتها حل الأزمة بدون اللجوء لها".

وأوضحت: "رأينا ذلك مؤخراً في ملفات كان أصعبها الملف الليبي المُعقَد والمتشابك، كل الأصوات كانت تقول إن حرباً ستخوضها مصر مع تركيا في ليبيا، لكن الرئيس المصري غيّر المعادلة عندما أعلن الخط الأحمر (سرت- الجفرة) الذي لم يفكر أحد بتجاوزه، وبالمقابل نرى كيف تهافتت تركيا بمسؤوليها على مصر في محاولة لإعادة علاقات قطعها الجانب التركي منذ 2013".

عسكرياً، تتفوق مصر على إثيوبيا بأشواط كثيرة، ويحتّل الجيش المصري المرتبة 13 عالمياً في عام 2021 وفقاً لمرصد وقع غلوبال فاير باور المُتخصص، فيما تأتي إثيوبيا في المركز 60 عالمياً. ويأتي السودان ثالثاً في المرتبة 77 عالمياً.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد أطلق تحذيرات شديدة اللهجة في 30 مارس الماضي، قال فيها إنَّ حقوق مصر المائية "خط أحمر"، وإنَّ "عدم استقرار إقليمي سيحدث لو انتهك أحد هذه الحقوق". وشدّد السيسي أنَّ "ذراع مصر طويلة وقادرة على مواجهة أي تهديد، ومن أراد أن يجرب أخذ نقطة ماء واحدة تخص مصر فليجرب".

وحذّر السيسي من رد مصري "سيتردد صداه في المنطقة" إذا ما تأثرت "إمداداتها المائية".

وسبق لرئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، أن لمّح لإمكانية "حدوث حرب"، مُهدداً بنشر "ملايين المقاتلين الإثيوبيين". وقالت وزارة خارجية إثيوبيا في الـ20 من مايو الجاري أنّه "لا يمكن لأي قوة أن تُعطّل الجهود الجارية لملء السد وسير العمل بما يتماشى مع ملء وتشغيل المشروع".

وأعلنت السودان، في وقت سابق، اكتمال الاستعدادات لانطلاق التمرين العسكري المشترك مع مصر ”حماة النيل“، والذي تشارك فيه عناصر من الدفاع الجوي والقوات البرية والجوية للبلدين. وردّت خارجية إثيوبيا على هذا الإعلان "من حق السودان ومصر القيام بتدريبات مشتركة، وإثيوبيا قادرة على ردع أي عدوان خارجي ولديها قوات مسلحة قوية وقادرة على حفظ أمنها وسيادتها".

الخيار العسكري ومع كونه مُستبعداً إلا أنّه يظّل قائماً ومطروحاً، وقد يكون غير فعال بالنسبة لمصر والسودان إذا أتمّت إثيوبيا الملء الثاني لسد النهضة، حيث أنَّ تدميره سيرتد بشكل كارثي على البلدين ويمحي مُدنناً من الخارطة، كما يقول مراقبون.

تقول ولاء أبو ستيت لـ "سوث24" إنّ "خيار الحرب حتى لو طُرح فعلياً على الأرض، وهو حق مصري حال مُست حقوقها المائية وتعرضت للعطش، ما ستقرره القيادة السياسية المصرية سيكون إلزاميا على كل فرد من أفراد الشعب المصري أن يلتزم بما يُطلب منه، أياً كان".

الجدير بالذكر أنّ وسائل إعلام عربية وعالمية تداولت، أمس الأربعاء، أخبار عن اشتباكات حدودية بين السودان وإثيوبيا، وهو ما نفته القوات السودانية لاحقاً.

صحفي ومعد تقارير لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

- مصادر إضافية: وكالات، ويكيبيديا، إعلام داخلي
- الصورة الرئيسية (أرشيف - أ ب)

سد النهضة مصر السودان إثيوبيا الملئ الثاني أفريقيا نهر النيل