Array

حراك عربي ودولي مكثّف: هل تقف صنعاء على مشارف وقف إطلاق للنار؟

التحليلات

الخميس, 10-06-2021 الوقت 08:59:23 مساءً بتوقيت عدن

سوث24| قسم التحليلات

بعد فشل سلسلة من المفاوضات بين جماعة الحوثيين في اليمن، المدعومة من إيران، وبين المبعوثين الأممي والأمريكي لليمن وأطراف دولية وإقليمية عدّة، تلوح في الأفق اليوم بوادر انفراجة محتملة يعزّزها حضور مسقط في صنعاء عبر وفد سلطاني التقى بزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، وقيادات أخرى.

وفي ضوء هذه المؤشرات، تداول نشطاء في الجماعة، ووسائل إعلام محلية وعربية مقرّبة من الحوثيين، حديثا حول "قرب عودة مطار صنعاء وميناء الحديدة للعمل"، عقب سنوات من التوقف إثر سيطرة الجماعة المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية.

وأشاروا إلى "ثلاث رحلات أممية" هبطت، ولأول مرة منذ سنوات، في مطار المدينة، في الأسبوعين الماضيين، حملت إحداها المبعوث الأممي لليمن مارتن غريفيث، والأخرى الوفد السلطاني العُماني.


 طائرة عمانية في مطار صنعاء (أرشيف/ الغد اليمني)

وكانت مسقط العُمانية قد احتضنت مفاوضات متكررة بغرض الوصول لـ "وقف إطلاق نار شامل على الصعيد الوطني".

وعلى الرغم من إنَّ هذه المفاوضات بدت كمحاولة لوقف الحرب في محافظة مأرب، شمال اليمن، المعقل الأخير للحكومة اليمنية، لكنّها باءت بالفشل، وأحبطت "آمال" المبعوث الأممي غريفيث، ودفعت الولايات المتحدة لفرض عقوبات على قياديين ميدانيين في الجماعة. 

وعقب عودته إلى واشنطن، قال المبعوث الأمريكي تيم ليندركينغ إنَّ الحوثيين "يتحمّلون مسؤولية كبيرة عن رفض الانخراط في وقف إطلاق النار واتخاذ خطوات لحل النزاع".

 ضغط أمريكي ودور عُماني متصاعد

وتضطلع عمان بدور متنامٍ مؤخراً في الأزمة اليمنية يُعزى إلى الضغوط الأمريكية على السلطنة للعب دور أكثر من "المٌيسّر" في هذه الأزمة.

ووصل وفد من مكتبها السلطاني - وهو جهاز حكومي استخباراتي في عمان - إلى صنعاء في الثالث من يونيو/حزيران الجاري، والتقى بزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، وآخرين هناك.

وكانت مصادر سياسية رفيعة أخبرت "سوث24" أنَّ الولايات المتحدة مارست  "ضغطاً كبيراً" على العمانيين لاتخاذ موقف أقوى من الحوثيين، الذين وفّرت لهم مسقط دعماً لوجستياً ودبلوماسياً واسعاً. ووفقاً لهذه المصادر، فإنّ الحوارات بين واشنطن ومسقط بدت أكثر شدة وتوتر. "لقد طلب الأمريكان من العمانيين ألا يكتفوا بدور الميسّر."


ومع وجود الوفد العماني في صنعاء، فإنَّ فرص تحقيق تقدم في مساع التهدئة ووقف الحرب، على الأقل في مأرب، تبدو كبيرة.

وكان وزير خارجية حكومة المُناصفة اليمنية، أحمد بن مبارك، قد صرّح لوكالة الأنباء العُمانية، عقب زيارة خاطفة لمسقط الاثنين الماضي  إنَّ "أي تنازلات تقدمها الحكومة هي لصالح أبناء اليمن"، مؤكدّاً: "نراهن على الدور العُماني في تقريب وجهات النظر الجميع".

مأرب.. حجر الزاوية

بعد سبع سنوات من سقوط صنعاء بيد الحوثيين، باتت معركة مأرب تشكّل أساس الأزمة والصراع في شمال اليمن، إذ يستمر الحوثيون في زحفهم العسكري على المحافظة بغرض السيطرة عليها، وإنهاء آخر تواجد حقيقي لحكومة عبد ربه منصور هادي.

ويتخوّف المجتمع الدولي من "كارثة إنسانية" قد يُحدثها استمرار الصراع والاقتتال، وتشريد مئات الآلاف من اليمنيين، بالإضافة لفرز واقع جديد متخم بالتعقيدات في الأزمة اليمنية المُعقدّة بالأصل، وهو ما يصعّب الطريق أمام أي حل سياسي.


طوال الفترة الماضية، هدفت الجهود الأممية والدولية إلى تحقيق وقف إطلاق للنار ووقف الحرب، وبدرجة أساسية، في مأرب، كخطوة تُمهّد لمفاوضات بين أطراف النزاع للوصول لحل سياسي شامل، ستتضمّن إشراك أطراف فاعلة جديدة على الأرض، بعكس المفاوضات السابقة طيلة سنوات الحرب الستة، التي اقتصرت على الحوثيين وحكومة هادي السابقة.

بالتأكيد، تُمثّل مأرب حجر الزاوية في أي مساع لوقف إطلاق النار شمالاً، ويدرك الحوثيون هذه الحقيقة تماماً حيث يحاولون الضغط عبر زحفهم المستمر عليها لتحقيق مكاسب سياسية ونيل التنازلات.

لكنَّ مأرب ليست حجر زاوية وقف إطلاق نار على صعيد وطني شامل، على الأقل بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي، صاحب الحضور والسيطرة الأكبر في جنوب اليمن، والذي يمثّل واقعاً آخراً ومعطيات تكاد تكون منفصلة عن معطيات مأرب وشمال اليمن.

هل يستجيب الحوثيون؟

يصر الحوثيون على وضع عددا من شروطهم ومطالبهم في خانة "الاستحقاقات الإنسانية" التي يجب أن "تُحقّق فوراً" قبل الاتفاق على أي شيء. 


"فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة ورفع الحصار عنهما" أحد هذه المطالب، التي دأبت الجماعة على التمسك بها طيلة الفترة الماضية في مفاوضاتها ولقاءاتها مع الأطراف الدولية والأممية، مؤكدةً في بيان لـ "المجلس السياسي الأعلى"، الأربعاء، أن ذلك "استحقاق إنساني لا يعد مكرمة من أحد".

وقد تُشكّل الاستجابة لمطالب الحوثيين هذه حافزاً جديداً للجماعة في استمرار هجومها وحربها وتوسعها، إذ أنَّ فتح هذين المنفذين الجوي والبحري سيعمل على تخليصها من كثير من القيود، ويعزّزها اقتصادياً ويقوّي موقفها.

وسبق للحوثيين أن أبدوا استعدادهم للاستمرار في الحرب والتصعيد الداخلي ضدّ الأطراف اليمنية، والخارجي ضدّ السعودية، وهم محاصرون بفعل إغلاق هذين المنفذين؛ وسيكون هذا الاستعداد أقوى حال فتحهما، بكل تأكيد.

وعلى الرغم من آمال البعض بتحقيق اتفاق، إلا أنّ الجماعة استمرت في قصف مدينة مأرب بالصواريخ الباليستية. منذ أيام، أسفر هجوم صاروخي عن مقتل 17 مدني على محطة وقود في مأرب. اتهمت الحكومة الحوثيين بذلك. وأعلن الحوثيون وقوفهم وراء هجوم، قالوا أنه استهدف معسكرا بالقرب من المكان. 

ومساء الخميس، قالت وسائل إعلام محلية ودولية أنّ هجمات صاروخية حوثية استهدفت مدينة مأرب. وقالت قناة سكاي نيوز العربية أنّ 5 قتلى وعشرات الجرحى سقطوا في الهجمات. ولاحقا قالت الحكومة أن 8 أشخاص قتلوا وأصيب 27 آخرين في "هجمات حوثية"، استهدفت سجن للنساء ومسجد، ولم يعلّق الحوثيون على ذلك.

ترتكز العقيدة السياسية لهذه الجماعة على أسس دينية تدّعي "الحق الآلهي" في الحكم والسيطرة، وهو ما يجعلها أبعد ما تكون عن التفاهمات السياسية والتنازلات من أجل تحقيق السلام.

وقد ضرب الحوثيون أمثلة عديدة على توظيف المفاوضات مع خصومهم والاتفاقات الدولية من أجل تحقيق مكاسب أخرى، أو لتخفيف الضغوطات على الأرض في أحيان كثيرة. اتفاق "ستوكهولم" الذي أوقف الحرب في محافظة الحديدة الواقعة على البحر الأحمر عام 2018، أبرز هذه الأمثلة.

استنساخ ستوكهولم آخر في مأرب بمعزل عن التوصل لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار سيعني بالضرورة إتاحة الفرصة للحوثيين لفتح جبهات أخرى.

على الرغم أنه من غير المرجح أن يقبل الحوثيون بوقف الحرب في مأرب لما يتمتعون به من أفضلية عسكرية ملحوظة أمام "قوات الجيش الوطني" والقبائل الموالية للحكومة اليمنية. على عكس الوضع الذي كان قائماً في معارك الساحل الغربي والحديدة، حيث كان الحوثيون الطرف الأضعف أمام قوات العمالقة التي تتألف من الجنوبيين وتحظى بدعم التحالف العربي، بالإضافة لـ "المقاومة التهامية" المحلية و"حرّاس الجمهورية".

يحصد الحوثيون فشل التراخي والتخاتل الذي ينتهجه حزب الإصلاح - الطرف الأقوى في الحكومة اليمنية - والجيش الوطني الموالي له، وتبدو الجماعة اليوم أكثر قوة في شمال اليمن رغم الدعم الكبير الذي تقدّمه دول التحالف العربي للقوات الحكومية، والإسناد الجوي لجبهاتها.

مراوغة؟

رغم التفاؤل الحوثي الواضح مؤخراً حول فتح منفذي صنعاء والحديدة، إلا إنّه من غير المؤكّد إذا كان هنالك نية فعلية لحدوث ذلك، على الأقل، بالنسبة للتحالف العربي الذي تقوده الرياض.

يحاول الحوثيون "أنسنة" مطالبهم بفتح المنافذ البحرية والجوية، بهدف تحقيق شروطهم لوقف إطلاق النار، الأمر الذي يهدد بإطالة أمد الحرب، إذا ما استجابت السعودية والأطراف الدولية لذلك.

وكانت وسائل إعلامية يمنية قد زعمت، ظهر الخميس، أنّ مقاتلات التحالف العربي استهدفت مقر الفرقة الأولى مدرع (فرقة عسكرية كان يقودها نائب الرئيس اليمني الحالي علي محسن الأحمر قبل فراره للرياض عام 2015) ومحيط مطار صنعاء. هذه المزاعم نفاها متحدث التحالف، العميد تركي المالكي، فورا، وأّكّد عدم قيام التحالف "بأي عملية في صنعاء ومحيطها خلال الفترة الأخيرة لتهيئة الأجواء للمسار السلمي في اليمن"، وفقاً لـوكالة الأنباء السعودية، "واس".

وعلى الرغم من أنّ الحوثيين أو وسائل إعلامهم، لم يعلنوا عن هجوم للتحالف على صنعاء، إلا أنّ مصادر محلية هناك، أكدّت لسوث24 سماع دوي عدة انفجارات، وتداول نشطاء صورا أظهرت تصاعد دخان في المدينة.

نفي التحالف العربي للهجوم، يُشير، من ناحية، إلى حرص السعودية على عدم إفشال أي مساع دولية للتوصل لاتفاق، ومن ناحية أخرى لقطع الطريق أمام استغلال الجماعة الحوثية أي مبررات لعرقلة الحراك الإيجابي السائد، وفقاً لخبراء مطلّعين تحدثوا مع سوث24.

تجدر الإشارة إلى أَّنَّ كل هذه الأحداث تتزامن مع استئناف مباحثات "استكمال تنفيذ اتفاق الرياض" بين المجلس الانتقالي الجنوبي من جهة، والحكومة الموالية للرئاسة اليمنية من جهة أخرى، في العاصمة السعودية الرياض. 


وفي الأثناء، تشهد عواصم غربية وشرق أوسطية، حراكا مكثّفا، فيما يبدو لإنجاح جهود الوفد العماني في صنعاء. وزير الخارجية العماني وصل الأربعاء المملكة العربية السعودية حاملاً رسالة من سلطان عمان، فيما يبدو لوضع القيادة السعودية في ضوء ما يحدث في صنعاء. 

وفي طهران، التي يمثّل الحوثيون وكلائها في اليمن، اختتم المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتين غريفيث، زيارته الثانية إلى إيران، التقى خلالها وزير الخارجية الإيراني ومسؤولين كبار، وفقا لمكتب غريفيث في عمّان. وأكّد غريفيث من جديد أنّ حلّ النزاع في اليمن "يكون من خلال تسوية سياسية شاملة تفاوضية بقيادة يمنية". 

وفي واشنطن، التقى المبعوث الأمريكي إلى اليمن، ليندركينغ، سفير سويسرا الاتحادية لدى إيران، ناقش معه تهديدات استمرار الصراع في اليمن، وضرورة الاتفاق على وقف لإطلاق النار في البلاد، في الوقت الذي يزور فيها وزير الخارجية اليمني، أحمد بن مبارك، عاصمة الاتحاد الأوروبي، بروكسل. 

ليس ثمّة شك أنّ أي جهود لإنهاء الحرب، هي محل ترحيب دولي وإقليمي ومحلي واسع، لكنّ، وإن تم الاتفاق على وقف لإطلاق النار، وفتح منافذ العبور، إلا أنّ السلام لا يزال بعيدا في اليمن، خصوصا، وأنّ من شأن أي اتفاق قادم، أن يمنح الحوثيين اعترافا بسلطة الأمر الواقع، ويقضي على آمال استعادة الدولة اليمنية في صنعاء، ويعزز من الانقسام بين الجنوب والشمال. 


صحفي ومعد تقارير لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

- الصورة من لقاء غريفيث ووزير الخارجية الإيراني الأربعاء في طهران (إعلام إيراني)

طهران عمان صنعاء السعودية الحوثيون مأرب الوفد العماني المجلس الانتقالي الجنوبي حرب اليمن