الندوة النقاشية
آخر تحديث في: 06-05-2026 الساعة 10 مساءً بتوقيت عدن
عدن | مركز سوث24
أعادت ندوة فكرية نظمها مركز "سوث24 للأخبار والدراسات"، الأحد الماضي، 03 مايو، في العاصمة عدن وبشكل موازي عبر تطبيق زوم، تسليط الضوء على البعد الاجتماعي والإنساني والسياسي لقضية الجنوب، من خلال مناقشة كتاب الباحثة الألمانية د. أميرة أوغستين الموسوم بـ"النضال من أجل استقلال جنوب اليمن: أجيال المقاومة". وفتحت الندوة نقاشاً معمقاً حول دور الذاكرة الجماعية وانتقال الهوية السياسية بين الأجيال في تشكيل الوعي الجنوبي، بعيداً عن المقاربات الرسمية والعسكرية التقليدية التي غالباً ما تُختزل بها القضية الجنوبية.
وصدر الكتاب مطلع عام 2026 بنسخته العربية، بعد ترجمته ومراجعته من قبل مركز "سوث24"، قبل أن يُنشر عبر دار "عناوين" للنشر والتوزيع. كما شارك في فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ويُتاح حالياً في عدد من المكتبات في كلٍّ من عدن والقاهرة. وسبق للنسخة الإنجليزية من الكتاب أن صدرت عن الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 2021.
وشهدت الندوة مشاركة مؤلفة الكتاب د. أميرة أوغستين، وهي أكاديمية وباحثة في علم الاجتماع، إلى جانب د. أسمهان العلس، مؤرخة وأستاذة في جامعة عدن، ود. محمود شايف، أستاذ علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بكلية الآداب في جامعة عدن، والصحفية والمترجمة المصرية شيماء بحيري، فيما أدار النقاش رئيس مركز "سوث24 للأخبار والدراسات" إياد قاسم.
وتناولت الندوة قراءة تحليلية معمّقة لتجربة الاستقلال في جنوب اليمن، بوصفها مساراً اجتماعياً وسياسياً ممتداً، مع التركيز على تحولات الهوية الجنوبية في سياق المتغيرات التاريخية، وآليات انتقال الوعي السياسي بين الأجيال المختلفة.

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح إياد قاسم أن الكتاب يتجاوز السرد التقليدي للأحداث، ولا يقتصر على استعراض المحطات السياسية الكبرى، بل يتعمق في الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للنضال، مسلطاً الضوء على دور الذاكرة الجماعية والتجارب اليومية والعلاقات بين الأجيال في إعادة تشكيل الهوية السياسية وصياغة مطالب الاستقلال.
وأضاف أن الكتاب يقدم، من خلال تتبع نشأة الحراك الجنوبي منذ عام 2007، فهماً مختلفاً لظاهرة المقاومة باعتبارها عملية تراكمية لا تتوقف عند لحظة الاحتجاج المباشر، بل تمتد لتشمل انتقال الأفكار واستدعاء الذاكرة وإعادة إنتاج الوعي الجمعي عبر الأجيال. وأشار إلى أن إحدى أبرز أطروحات الكتاب تتمثل في أن النضال من أجل الاستقلال لا يقتصر على الفعل السياسي الظاهر، بل يتجذر أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة والمدرسة والحي، وفي الذاكرة الجمعية.
وأكد قاسم أن أهمية الكتاب تبرز في ظل التحولات الراهنة، عقب الأحداث الأخيرة التي شهدها جنوب اليمن، التي أعادت طرح تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة المشروع الجنوبي وحدود القوة العسكرية وإشكاليات التمثيل والشرعية. كما لفت إلى أن فهم التطورات الحالية لا يمكن أن يقتصر على قراءة التوازنات العسكرية أو الحسابات الإقليمية فقط، بل يتطلب النظر إلى البنية العميقة التي شكّلت الوعي الجنوبي عبر عقود، حيث تداخلت عوامل الذاكرة الجماعية والتهميش وآليات نقل الهوية بين الأجيال لتغذي حالة مستمرة من السعي نحو الاستقلال.
أوغستين: الحراك الجنوبي نتاج تراكمي لذاكرة الأجيال
في الجزء الأول من الندوة، استعرضت د. أميرة أوغستين خلفيات اهتمامها بموضوع الكتاب، موضحة أن ذلك يرتبط بتجربتها الشخصية خلال دراستها لعلوم الشرق الأوسط في جامعة لايبزيغ بألمانيا، حيث أتيحت لها فرصة الدراسة كطالبة تبادل في جامعة عدن عام 2007، وهو العام الذي شهد انطلاقة الحراك الجنوبي. وأضافت أنها التحقت لاحقاً بجامعة فيليبس في ماربورغ عام 2013 لاستكمال دراستها للدكتوراه، قبل أن تناقش أطروحتها التي تحوّلت لاحقاً إلى الكتاب محل النقاش في الندوة عام 2018.
وأشارت أوغستين إلى أن أكثر ما لفت انتباهها خلال تلك الفترة كان الانخراط الواسع للشباب في الحراك الجنوبي، رغم أنهم لم يعايشوا مرحلة جمهورية اليمن الديمقراطية، ومع ذلك كانوا يتحدثون عنها بإيجابية. وقارنت ذلك بتجربتها الشخصية، لافتة إلى أنها وُلدت في ألمانيا الشرقية ولا تمتلك سوى ذكريات محدودة جداً عن تلك المرحلة.
وتطرقت إلى التساؤلات التي دفعتها لإجراء هذا البحث، والمتعلقة بأسباب انخراط جيل وُلد بعد عام 1990 في الحراك الجنوبي، وسعيه نحو استعادة دولة لم يعشها، ومصادر تصوّراته عن تلك التجربة. وأوضحت أنها اعتمدت للإجابة عن هذه الأسئلة على بحث إثنوغرافي شمل إجراء مقابلات ميدانية وتدوين ملاحظات خلال مشاركتها في المظاهرات وزياراتها للمدارس، إضافة إلى تحليل محتوى الصحف والمواقع الإخبارية. وأضافت أن تحليل هذا الكم من البيانات استغرق عدة أشهر، بالتوازي مع تطبيق منهجية "النظرية المتجذرة" (Grounded Theory)، ما قادها إلى تطوير مفهوم "المقاومة بين الأجيال" في جنوب اليمن.
وأكدت أوغستين أن الكتاب يمثل شهادة توثيقية على تطلعات الاستقلال في جنوب اليمن قبل اندلاع الحرب الأخيرة، ويمكن اعتباره وثيقة تاريخية مهمة. كما يشكّل، بالنسبة للباحثين والكتّاب في الغرب، مدخلاً أساسياً لفهم أحد أبرز النزاعات المعاصرة في اليمن.

الذاكرة والشواهد والتوثيق التاريخي تعزّز الوعي الجنوبي
رداً على سؤال طرحه ميسر الندوة إياد قاسم حول مدى نجاح الكتاب في تفسير دور الذاكرة الجماعية في تشكيل الوعي بالقضية الجنوبية اليوم، أوضحت د. أسمهان العلس أن المؤلفة اعتمدت على تتبع الانتقال بين الأجيال، معتبرة أن هذا النهج أسهم في إثراء التجربة البحثية ومنحها عمقاً تحليلياً.
وأشارت العلس إلى عدد من الملاحظات المنهجية، أبرزها أهمية تحديد إطار زمني واضح لظهور الأجيال محل الدراسة، بما يتيح التمييز بين المراحل التاريخية المختلفة. كما لفتت إلى أن الكتاب يفتح المجال أمام إعادة التفكير في منهج الدراسات التاريخية، من خلال إبراز أنماط التفاعل بين الأجيال ودورها في تشكيل التجربة الوطنية.
وأضافت أن المؤلفة تنظر إلى انتقال الخبرات والأفكار بين الأجيال بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة، موضحة أن هذا الانتقال يتجسد في الفجوة العمرية بين أجيال قادت العمل السياسي وأخرى برز حضورها في الأحياء والحركات المجتمعية، كما رصدته الباحثة ميدانياً. كما شددت العلس على أهمية تضمين وثائق الاستقلال الأول الصادرة عن الحكومة البريطانية، إلى جانب توثيق مفاوضات الاستقلال، باعتبارها مصادر أساسية تعزز القيمة التوثيقية للعمل. وطرحت تساؤلاً حول تأثير التحركات الاستعمارية على طبوغرافية المنطقة، وما إذا كانت قد أضعفت أو أثرت في مطالب استعادة بعض المناطق ضمن الإطار الجنوبي.
وأشارت العلس إلى اختلاف أنماط السيطرة التاريخية بين شمال اليمن وجنوبه، موضحة أن الشمال خضع لنفوذ قوى كالدولة العثمانية وبلاد فارس، فيما خضع الجنوب للاستعمار البريطاني، مؤكدة أهمية رصد هذه التحولات وتحليل آثارها على مسارات المطالبة بالحقوق. كما تطرقت إلى تداعيات الحروب في الجنوب، لا سيما في المناطق البرية الداخلية، مستشهدة بحرب الوديعة وغيرها، وما ترتب عليها من آثار سياسية وجغرافية. كما انتقدت ضعف الاهتمام بالحفاظ على الشواهد التاريخية في بعض المناطق، رغم ما تحمله من دلالات مهمة.
وأكدت في ختام مداخلتها ضرورة تعزيز الاهتمام بالوثائق التاريخية والشواهد الميدانية، إلى جانب إحياء الرواية الشفوية من خلال توثيق شهادات من عاصروا تلك المراحل، باعتبارها عناصر مكملة للرواية التاريخية. وأشارت إلى أن بعض الإشكالات المرتبطة بترسيم الحدود والتنقل بين الشمال والجنوب، وما نتج عنها من تداخلات جغرافية، قد تمثل تحديات أمام مشروع الاستقلال، وتؤثر على وضوح الحدود الجغرافية للجنوب.
جيل الوحدة هو من يقود النضال من أجل استقلال الجنوب
اعتبر د. محمود شايف أن كتاب أميرة أوغستين من أبرز الأعمال العلمية التي تناولت تاريخ القضية الجنوبية، مشيراً إلى أنه يقدّم معالجة تحليلية من منظور وطني وتاريخي، مع تركيز واضح على مسار الحراك الجنوبي وتطوره عبر الأجيال المختلفة.
وأوضح شايف أن الكتاب يسلّط الضوء على الدور المحوري للأجيال المتعاقبة في الحفاظ على الهوية القيمية والتاريخية واستمرار النضال من أجل الاستقلال، لافتاً إلى أن أهميته تكمن في كونه يوثّق مسار النضال الجنوبي في ظل نقص التوثيق المحلي. وأضاف أن المؤلفة نجحت في معالجة إحدى الإشكاليات الأساسية المرتبطة بتوثيق تاريخ الحراك الجنوبي السلمي، عبر ربطه بسياق أشمل يمتد من مرحلة ما قبل الاستقلال عن بريطانيا وصولاً إلى التطورات المعاصرة، بما يعكس تواصلاً منهجياً بين الماضي والحاضر.
وأشار إلى أن الكتاب يبرز بوضوح كيفية انتقال روح المقاومة بين الأجيال ودورها في تعزيز الوعي السياسي وترسيخ الهوية الوطنية، كما يقدّم قراءة تحليلية للتحديات التي واجهت الحراك السلمي في الجنوب، بما يعزز فكرة الاستمرارية ويحفّز الروح النضالية لتحقيق أهداف الحرية والاستقلال.
وبيّن شايف أن العمل لا يقتصر على السرد التاريخي، بل يسعى إلى فهم النضال الجنوبي بوصفه فكرة وهوية ومساراً متكاملاً، مشيداً بقدرة المؤلفة على توضيح آليات انتقال الهوية التاريخية بين الأجيال من خلال منظومة القيم الأسرية والنضالية، والتجارب المتراكمة في مواجهة الاستعمار البريطاني ومختلف التحولات السياسية.
وأكد أن الكتاب يوجّه رسالة مفادها أن القضية الجنوبية والحراك السلمي ليسا ظاهرة عابرة، بل نتاج مسار طويل من النضال والتضحيات شاركت فيه مختلف فئات المجتمع، من الشباب إلى الحركات النقابية والمقاومة المسلحة، مشيراً إلى أن اعتماد المؤلفة على البحث الميداني أسهم في تقديم فهم أعمق لطبيعة الحراك.
كما لفت إلى أن الكتاب يطرح تساؤلاً محورياً حول أسباب تبني جيل ما بعد الوحدة لمطلب استعادة دولة لم يعشها، موضحاً أن هذا الجيل، أو ما يسمى بـ"جيل الوحدة"، تحوّل إلى فاعل رئيسي في تحريك الحراك الجنوبي وكسر حالة الجمود، متجاوزاً أدوار النخب التقليدية.

وأضاف أن المؤلفة عالجت هذا التساؤل من خلال ثلاثة محددات رئيسية تشمل انتقال الذاكرة السياسية بين الأجيال، وتشكل الوعي والانتماء لدى الشباب في ظل ممارسات الإقصاء والتهميش بعد الوحدة وحرب 1994، إلى جانب انطلاقة الحراك الجنوبي السلمي عام 2007.
واختتم شايف بالإشارة إلى أن الكتاب يمثل إضافة نوعية في التوثيق التاريخي للنضال الجنوبي، رغم ملاحظاته المتعلقة بعدم التوسع في الاستناد إلى بعض الدراسات التاريخية السابقة، مؤكداً أن العمل نجح في تتبع جذور القضية الجنوبية وتحليل التحولات التي أعقبت إعلان الوحدة عام 1990، مع تركيز خاص على مرحلة انطلاق الحراك الجنوبي وما حملته من تطورات مفصلية.
ترجمة الكتاب كشفت عمق القضية الجنوبية وسردها المنهجي
قالت الصحفية والمترجمة المصرية شيماء بحيري، مترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، إنها لم تكن تمتلك في البداية معرفة معمّقة بالقضية الجنوبية، مشيرة إلى أن العمل على ترجمة الكتاب أتاح لها فرصة لفهم أوسع وأعمق لتفاصيلها وسياقاتها، معربة عن شكرها لمركز "سوث24" وللمؤلفة على الدعم والتعاون خلال عملية الترجمة.
وأضافت بحيري أن الكتاب يتميز بسلاسة في السرد واللغة وتفاصيل الطرح، موضحة أنها حاولت خلال الترجمة أن تنقل النص بروح المؤلفة وأسلوبها بما يضمن إيصال الرسالة الأصلية بدقة ووضوح.
وتحدثت بحيري عن تجربتها كقارئة أيضاً، موضحة أنها في البداية توقعت أن يكون الكتاب ذا طابع سياسي "تحريضي" أو مشحوناً بالعاطفة، خاصة مع استخدام مصطلح "النضال"، غير أنها مع التقدم في القراءة وجدت أنه يعتمد على سرد تحليلي ومنهجي يبدأ من نشأة الحراك الجنوبي عام 2007 ويعود إلى الجذور التاريخية للقضية الجنوبية.
وأشارت إلى أن هذا النهج السردي يمنح القارئ فرصة لفهم أعمق للقضية الجنوبية، من خلال توثيق ذاكرة مجتمع وإعادة تقديم تطوراته التاريخية بصورة تراكمية ومنهجية، بما يشجع على إعادة قراءة التفاصيل بعيداً عن الانطباعات المسبقة.
وفي ختام الندوة، فُتح باب المداخلات وطرح الأسئلة من قبل الحضور داخل قاعة الفعالية في عدن، إضافة إلى المشاركين عبر التطبيق الافتراضي "زووم".
- مركز سوث24 للأخبار والدراسات
قبل شهرين
قبل 8 أيام