التحليلات

التحولات في باب المندب وإعادة تشكيل معادلة الأمن الإقليمي في البحر الأحمر

مضيق باب المندب. [صورة/الإنترنت]

21-09-2026 الساعة 3 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | محمد فوزي


ألقت التطورات المتسارعة في اليمن بثقلها على المشهد الإقليمي. فقد أثار تقدم الحوثيين على الساحل الغربي، ووصولهم إلى مناطق قريبة من باب المندب وسيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية، تساؤلات بشأن تداعيات التغير في خريطة السيطرة الميدانية ومواقف الدول الإقليمية الفاعلة والمتأثرة به، ولا سيما مصر والسعودية. وتبحث هذه الورقة أيضاً في أسباب تراجع فاعلية المقاربات التي تبنتها السعودية، وكذلك التحالفات الجديدة في البحر الأحمر، في إضعاف ميليشيا الحوثي ومنع تقدمها.


أولاً- تداعيات التحركات الأخيرة للحوثيين


شهدت الساحة اليمنية منذ مطلع سبتمبر الجاري أكبر تحول ميداني في خريطة السيطرة منذ حالة الهدوء النسبي والجمود التي استقرت منذ هدنة 2022، بعدما شن الحوثيون هجوماً واسعاً على الساحل الغربي، تمكنوا خلاله من الانتقال جنوباً من مناطق سيطرتهم التقليدية في الحديدة وما حولها باتجاه باب المندب. ووفق أحدث المعطيات، سيطر الحوثيون على مدينة وميناء المخا في 10 سبتمبر، ثم تقدموا إلى ذوباب، ووصلوا إلى جزيرة ميون/بريم الواقعة في قلب مضيق باب المندب، كما تحركوا باتجاه جزر حنيش وزقر. وتكمن أهمية هذا التطور في أن الحوثيين لم يعودوا يملكون فقط الضفة الشمالية والشرقية من البحر الأحمر وميناء الحديدة، وإنما أصبحوا يمتلكون امتداداً جغرافياً متصلاً تقريباً على جزء كبير من الساحل الغربي وصولاً إلى بوابة باب المندب. وتحمل هذه التطورات المرتبطة بإعادة تموضع الحوثيين وبسط سيطرتهم على العديد من المناطق المطلة على باب المندب العديد من التداعيات الخطيرة وذلك على النحو التالي:


1- زيادة تهديدات الحوثيين لباب المندب: يرتبط التداعي العملياتي الأخطر للتقدم الأخير الذي حققته ميليشيا الحوثي في اليمن بانتقال الحوثيين من القدرة على تهديد السفن عن بُعد بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى امتلاك مواقع ساحلية وجزرية أقرب بكثير إلى خطوط الملاحة، وهذا يوسع طبيعة الخيارات المتاحة أمامهم، بحيث لا تقتصر على الصواريخ والمسيرات، وإنما يمكن أن تشمل المراقبة الساحلية، والزوارق السريعة، والتهديدات قصيرة المدى، وربما فرض ترتيبات أمنية أو اقتصادية على الحركة البحرية مستقبلاً.


2- إعادة صياغة موازين القوة في المشهد اليمني: مثلت التحركات الحوثية الأخيرة تحولاً نوعياً في توازنات القوة في المشهد اليمني، على اعتبار أن الميليشيا الحوثية انتقلت من السيطرة على صنعاء والحديدة والمناطق الشمالية والغربية، إلى اختراق مناطق كانت تمثل أحد أهم خطوط الدفاع عن الساحل الجنوبي الغربي، وهو تحول شديد الأهمية والخطورة في ميزان القوة في اليمن. كما يكشف أن الجمود الذي ساد بعد 2022 لم يكن يعني بالضرورة تآكل القدرة الحوثية، حيث استفاد الحوثيون خلال فترة الهدوء على مستوى إعادة التنظيم والتجنيد وتطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة والإنتاج المحلي للسلاح.


3- تحويل السيطرة الميدانية إلى قدرة تفاوضية: أحد التداعيات والتحديات الرئيسية التي ستواجه المعسكرات المناهضة للحوثيين مستقبلاً على وقع التطورات الأخيرة، يتمثل في استنساخ الحوثيين لسلوكهم في دورة الصراع اليمني على مدار سنوات من السعي لتوظيف الواقع الميداني كمكاسب سياسية وتفاوضية في أي مباحثات مستقبلية مع الأطراف المنخرطة في الملف اليمني، خصوصاً مع سيطرة الحوثيين على مناطق استراتيجية على باب المندب وقدرتهم في ضوء ذلك على ربط الملف اليمني بملفات الملاحة وأمن الطاقة والأمن الإقليمي.


4- التداعيات الإنسانية للتحركات الحوثية الأخيرة: أشارت تقديرات للحكومة اليمنية إلى أن عدد النازحين جراء هجمات ميليشيا "الحوثي" الأخيرة بلغ نحو 100 ألف، كذلك يُتوقع أن تؤثر التطورات والمعارك المستمرة على مستويات إنسانية متعددة مثل سقوط الضحايا من المدنيين، والضغط على النظام الصحي بشكل أكبر في اليمن، وتهديد الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، وتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول للمحتاجين، والأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي سيعاني منها المواطنون.


5- مكسب استراتيجي لإيران: احتفت إيران بشكل كبير بما وصفته بـ "الانتصارات التي حققها الحوثيون في اليمن"، ووصف المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني "حسين محبي" ما حدث بأنه "انتصار إلهي" وفق تعبيره، وهو أمر مفهوم في ضوء العديد من الاعتبارات الرئيسية، وأولها المؤشرات على أن المعركة الحالية للحوثيين كانت بإشراف ودعم إيراني كبير. وثانيها أن سيطرة الحوثيين بدرجة أو بأخرى على باب المندب هو أمر يتيح لطهران جبهة بحرية جديدة إلى جانب مضيق هرمز يمكن توظيفها كأحد أدوات الضغط. وثالثها أن إيران بهذا الوضع بات لديها قدرة أكبر على ربط التطورات في مضيق هرمز بالتطورات في باب المندب، بما يخلق تصوراً استراتيجياً يقوم على إمكانية التأثير في ممرات الطاقة والتجارة من الخليج إلى البحر الأحمر.


ثانياً- كيف تنظر القاهرة للتحولات الأخيرة؟


قام الموقف المصري تجاه التطورات الأخيرة في باب المندب بشكل رئيسي على الدعوة إلى التهدئة ووقف التصعيد، مع التحذير من خطورة أي سلوكيات قد تؤدي إلى إشعال التوتر في باب المندب. وبشكل عام وفي ضوء المواقف الرسمية المصرية، فضلاً عن الزيارة التي أجراها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقاؤه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والتأكيد المشترك على ضرورة حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، يمكن القول إن الموقف المصري يقوم على مجموعة من الركائز الأساسية:


- كان التركيز المصري في المواقف الرسمية بشكل كبير على ربط التطورات في اليمن بمسألة باب المندب، بما يعكس تقدير القاهرة للفارق الخطير والكبير بين قدرة الحوثيين على إطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه السفن وبين امتلاكهم موطئ قدم ميداني قريب من باب المندب. فالتطور الأخير يخلق واقعاً جديداً تصبح فيه جماعة مسلحة قريبة مباشرة من إحدى أهم نقاط الاختناق البحرية.


- بالنسبة لمصر يمثل أمن باب المندب جزءاً من الأمن القومي المصري وأمن قناة السويس، ولذلك فإن أي تغير في ميزان القوة حول المضيق يمكن أن يتحول في النهاية إلى ضغط على الاقتصاد المصري.


- القاهرة أعلنت بوضوح دعمها للإجراءات السعودية لحماية أمن المملكة واستقرارها، كما أكدت أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري. وفي الوقت نفسه شددت القاهرة على ضرورة الوصول إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية، بما يعكس توازناً دقيقاً بين مقتضيات الدعم للدول الشقيقة والصديقة، وبين ثوابت مصر منذ سنوات تجاه الملف اليمني الرافضة للحلول العسكرية والتي تدعم بشكل رئيسي المقاربات السياسية الشاملة.


- في ضوء النقطة السابقة يمكن القول إن القاهرة ومن خلال مواقفها إجمالاً منذ سنوات ترى أن هناك فارقًا كبيرًا بين ترتيبات أمنية لوجستية واستخباراتية هدفها حماية أمن الملاحة في البحر الأحمر، وبين الانخراط في تحالفات عسكرية لمواجهة الحوثيين وهزيمتهم، على اعتبار أن الخيار الثاني يساهم بشكل كبير في إعادة إنتاج الحرب ويمنح الحوثيين مبرراً أكبر للتصعيد.


وفي ضوء هذه المعطيات الإطارية الخاصة بالموقف المصري إجمالاً من التطورات، يمكن الوقوف على طبيعة الموقف المصري من التطورات الأخيرة المرتبطة باليمن وباب المندب، وهي المقاربة التي تقوم على مجموعة من الركائز الأساسية: أولوية الحلول السلمية السياسية الشاملة، حماية الأمن القومي والاقتصادي لمصر، وتجنب فكرة الانخراط في عمليات عسكرية خارجية، والتضامن مع الدول العربية وممارسة دور الوساطة الدبلوماسية، ورفض تدويل الممرات الملاحية وعسكرتها.


ثالثاً- لماذا لم يتحقق هدف التحالف بقيادة السعودية لإضعاف الحوثيين؟


تؤكد المعطيات الأخيرة الخاصة بتحركات ميليشيا الحوثي في اليمن، على أن هناك خللاً كبيراً في المقاربة التي تبنتها الحكومة اليمنية ومن خلفها السعودية في مسألة التعامل مع الحوثيين، وهذا الخلل قام على مجموعة من العناصر البنيوية المهمة، وذلك على النحو التالي:


1- التقديرات الخاطئة: ذهبت بعض الدراسات التي تناولت الإشكالات التي واجهت التحالف الذي شكلته السعودية لمواجهة الحوثيين إلى أن إحدى النقاط الرئيسية تتمثل في أن التحالف أصلاً عانى من نقص في عنصر رئيسي يسبق أي حرب وهو "الاستخبارات السابقة للحرب". ورغم أن الحوثيين خاضوا حروباً عديدة في اليمن كان يمكن من خلالها توفير قاعدة معلوماتية ومعرفية واستخباراتية كبيرة عن الميليشيا وأدواتها واستراتيجياتها وشبكاتها القبلية والاجتماعية وقدراتها، إلا أن كافة المعطيات تشير إلى أن ذلك لم يحدث عملياً وأن هناك دائماً خطأ في تقديرات الموقف.


وحتى على مستوى التصعيد الأخير في اليمن، يبدو أن تقدير الموقف الأولي كان يقرأ الهجوم الحوثي باعتباره هجوماً تكتيكياً مرتبطاً بجبهات تعز والحديدة، بينما كان الحوثيون يبنون عملية ذات أهداف أوسع تشمل إزالة التهديد عن مناطقهم الساحلية، إسقاط الدفاعات الحكومية على الساحل الغربي، الاستيلاء على المخا، ثم الدفع جنوباً نحو ذوباب وباب المندب والجزر الاستراتيجية.


2- معضلة التفوق الجوي والسيطرة البرية: كان التفوق الجوي للتحالف الذي قادته السعودية كبيراً فيما يتعلق بمواجهة الحوثيين لكن المعطيات الخاصة بالحروب الحديثة تشير إلى صعوبة تحقيق الانتصارات الحاسمة عبر الاعتماد على التفوق الجوي وحده، خصوصاً في ظل انتشار نمط الحروب اللاتماثلية. وفي المقابل اعتمد الحوثيون على مزيج من الانتشار اللامركزي، والتحصينات والأنفاق، وإخفاء القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، والاستفادة من الطبيعة الجغرافية والجبلية المعقدة لليمن، إلى جانب الاعتماد على قوات برية خفيفة الحركة قادرة على إعادة التموضع واستيعاب الضربات ثم استعادة النشاط سريعاً. وقد سمح لهم ذلك بتحويل التفوق الجوي للتحالف من أداة للحسم إلى أداة للاستنزاف؛ إذ كانت الضربات قادرة على إلحاق خسائر مادية وبشرية، لكنها لم تكن كافية لتفكيك منظومة القيادة والسيطرة الحوثية أو منعها من إعادة إنتاج قوتها، فضلاً عن تكلفتها الكبيرة على كافة المستويات بالنسبة للتحالف والسعودية.


3- التفكك الخاص بمعسكر الشرعية اليمنية: يمثل تفكك معسكر الشرعية أحد الأسباب البنيوية الرئيسية التي حالت دون تحويل التفوق العسكري للتحالف بقيادة السعودية إلى انتصار حاسم على الحوثيين. فالمشكلة لم تكن في غياب القوات أو السلاح أو التمويل، وإنما في أن ما كان يُسمى طوال السنوات الماضية "القوات الحكومية" لم يكن في الواقع جيشاً يمنياً موحداً بقدر ما كان مظلة واسعة لقوى عسكرية وسياسية وقبلية متعددة، تختلف في ولاءاتها وأهدافها ومصادر دعمها وأولوياتها.


وتتضح المشكلة بصورة أكبر عند النظر إلى الخريطة الفعلية للقوى داخل معسكر الشرعية، فهناك حزب الإصلاح الإخواني وقواته وشبكاته، والقوات المرتبطة بمجلس القيادة، وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، وقوات العمالقة، والقوى المحلية في تعز ومأرب وحضرموت وشبوة، فضلاً عن القوى الجنوبية بمختلف أطيافها وتشكيلاتها. وفي مقابل هذه الحالة كان الحوثيون يتمتعون بدرجة أعلى من وحدة القيادة والسيطرة وتماسك القرار السياسي والعسكري مقارنة بمعسكر الشرعية.


4- التصعيد السعودي الأخير ضد المجلس الانتقالي الجنوبي: تمثل التطورات التي صاحبت التصعيد الذي قادته السعودية مؤخراً ضد المجلس الانتقالي الجنوبي وما أعقب ذلك من توترات على مستوى العلاقات السعودية الإماراتية، أحد العوامل المهمة في تفسير الصعود الذي حققه الحوثيون مؤخراً، على اعتبار أن هذا التصعيد أضعف في توقيت بالغ الحساسية أحد المكونات الرئيسية التي تشكلت طوال سنوات الحرب لمواجهة الحوثيين، وأدخل المعسكر المناهض لهم في حالة كبيرة من الانقسام وإعادة التشكل التي لم تكتمل، خصوصاً وأن المجلس الانتقالي الجنوبي وما يملكه من تشكيلات ووحدات كان جزءاً مهماً من القوة المناهضة للحوثيين في الجنوب والساحل.


ويُضاف إلى كل العوامل السابقة مجموعة أخرى من الأسباب التي أدت إلى تراجع فاعلية التحالف الذي قادته السعودية على مستوى مواجهة الحوثيين، خصوصاً ما يتعلق بالتركيز الكبير على المقاربات العسكرية البحتة، فضلاً عن عدم القدرة سواءً من التحالف أو المجتمع الدولي على تفكيك مصادر قوة الحوثيين وشبكات التمويل والدعم والتهريب والإسناد، واستمرار حالة الدعم الإيراني للحوثيين.


رابعاً- واقع الأحلاف العسكرية التي تم تشكيلها لتأمين البحر الأحمر


أعلن الاتحاد الأوروبي رفع مستوى التأهب لمهمته البحرية "أسبيدوس" التي ترافق السفن في البحر الأحمر، وعقب مباحثات لمسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "كايا كالاس" مع وزير الخارجية السعودي "فيصل بن فرحان" قالت المسؤولة الأوروبية إن "أوروبا تساعد في حماية حركة الملاحة في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين"، ما يطرح تساؤلات بخصوص مدى فاعلية الترتيبات الأمنية التي تم إقرارها على مستوى التعامل مع الحوثيين. وفي هذا الإطار توجد مجموعة من الملاحظات الرئيسية:


- مهمة "أسبيدوس" الأوروبية: تواجه مهمة "أسبيدوس" الأوروبية مجموعة مركبة من التحديات على مستوى التعامل مع التهديدات في البحر الأحمر خصوصاً في ظل سيطرة ميليشيا الحوثي الأخيرة على العديد من الجزر الاستراتيجية على باب المندب، وعلى رأس هذه التحديات الفجوة بين حجم منطقة العمليات وحجم القوة المتاحة. فالمهمة لا تعمل في باب المندب وحده، بل يشمل نطاقها البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وخليج عمان، مع امتداد عملياتي إلى مضيق هرمز. ويمكن التأكد من هذه الإشكالية من خلال الدعوة التي أطلقها وزير الخارجية الإيطالي "غويدو كروسيتو" في 18 سبتمبر إلى زيادة عدد السفن المشاركة في "أسبيدوس".


أيضاً، فإن طبيعة قوة "أسبيدوس" نفسها دفاعية فالتفويض الأوروبي ينص صراحة على أن المهمة دفاعية، وأنها ترافق السفن وتحميها من الهجمات متعددة المجالات في البحر. وهنا تظهر المفارقة: إذا كان الحوثيون يمتلكون منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على الساحل، أو يستخدمون جزرًا ومواقع ساحلية لمراقبة الملاحة وتهديدها، فإن «أسبيدوس» تستطيع اعتراض التهديد الموجه إلى السفن، لكنها لا تملك ضمن تفويضها الأدوات اللازمة لتدمير البنية التي تنتج التهديد.


على مستوى آخر، تطرح التطورات الأخيرة في اليمن تحدياً إضافياً بالنسبة لـ "أسبيدوس" مرتبط برفع مستوى التأهب للقوة الأوروبية. ففي 18 سبتمبر أعلنت كايا كالاس رفع مستوى التأهب لسفن "أسبيدوس" بعد تدهور الوضع الأمني، وهو مؤشر مهم؛ لأن المهمة التي كان هدفها الأساسي توفير حماية دفاعية للملاحة أصبحت مضطرة إلى رفع جاهزية القطع الموجودة أصلاً في ظل التصعيد الحوثي.


ويُضاف إلى ما سبق معضلة الالتزام الأوروبي غير المتكافئ، فقد صرح وزير الدفاع الإيطالي بأن إيطاليا واليونان هما الدولتان الأوروبيتان الأكثر نشاطاً في دعم الجهود الأمنية بالمنطقة، وانتقد ما وصفه بالتأخر المرتبط بـ"البيروقراطية الأوروبية". كما دعت روما بقية الدول إلى زيادة مساهماتها بالسفن، بما يكشف عن فجوة كبيرة على مستوى الالتزامات واختلاف درجة استعداد الدول الأعضاء لتحمل تكلفة ومخاطر انتشار طويل الأمد في منطقة البحر الأحمر وما تحمله من تهديدات.


- التحديات التي تواجه التحالف الذي أعلنت عنه السعودية: أعلنت المملكة العربية السعودية في أواخر يوليو 2026، أن 14 دولة من بينها مصر وتركيا وباكستان وقطر والأردن، أصدرت بياناً مشتركاً يدعم مشروع إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بهدف تعزيز الأمن البحري وحماية الممرات البحرية الدولية.


إلا أنه وحتى اللحظة، تواجه هذه الخطة تحديات كبيرة إذ إن الانتقال من المشاركة السياسية إلى الالتزام العسكري الفعلي يمثل التحدي الأول والأكثر أهمية، فاجتماع عدد كبير من الدول تحت مظلة واحدة لا يعني بالضرورة استعدادها لتقديم قطع بحرية أو قوات أو قدرات استخباراتية، أو الدخول في عمليات قد تنطوي على مواجهة مباشرة مع الحوثيين. ويزداد هذا التحدي مع اختلاف أولويات الدول المشاركة، فبعضها ينظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره قضية مرتبطة مباشرة بالتجارة والملاحة، بينما تنظر دول أخرى إليه من زاوية أمنها القومي أو علاقتها بإيران أو الولايات المتحدة، وهو ما قد يجعل الاتفاق على مستوى موحد من الانخراط العسكري أمراً صعباً.


ويتمثل التحدي الثاني في تحديد العلاقة بين التحالف السعودي والأطر البحرية القائمة بالفعل مثل "أسبيدوس" و"حارس الازدهار"، في الوقت الذي تتطلب فيه مواجهة الحوثيين سرعة عالية في مشاركة المعلومات واتخاذ القرار. فيما يبرز تحدي ثالث مرتبط بالخلافات الإقليمية وتباين مصالح القوى المنخرطة في أمن البحر الأحمر، فالمنطقة شهدت خلال السنوات الماضية تنافسًا بين قوى إقليمية مختلفة حول اليمن والساحل والجزر والموانئ.


ويضاف إلى ذلك التحدي اللوجستي والمالي، فالعمل المستمر في البحر الأحمر وخليج عدن يتطلب قطعاً بحرية قادرة على البقاء لفترات طويلة، وطائرات استطلاع، وطائرات مسيرة، وأنظمة قيادة وسيطرة واتصالات، وقدرات صيانة وإمداد، فضلاً عن قواعد وموانئ قادرة على دعم العمليات. ومن ثم فإن استمرار التحالف لا يعتمد فقط على قرار سياسي بإنشائه، وإنما على قدرة الدول المشاركة على تحمل التكلفة المادية والبشرية للوجود البحري طويل الأمد.


في الختام يمكن القول، إنّ التطورات الأخيرة في اليمن وباب المندب لا تمثل مجرد جولة جديدة من جولات الصراع اليمني، وإنما تعكس تحولاً أوسع في طبيعة المعادلة الأمنية في البحر الأحمر، فالانتقال الحوثي من امتلاك القدرة على استهداف الملاحة عن بُعد إلى الاقتراب ميدانياً من الساحل والجزر والمواقع المطلة على باب المندب يفرض واقعاً استراتيجياً جديداً يصعب التعامل معه بالأدوات التي استخدمت خلال السنوات الماضية.


وقد كشفت هذه التطورات في الوقت ذاته، أن امتلاك التفوق العسكري والإنفاق الكبير على العمليات لا يضمن تحقيق الحسم إذا لم يصاحبه تقدير استخباراتي دقيق، وقوة برية متماسكة، وسلسلة قيادة وسيطرة موحدة، ورؤية سياسية قادرة على معالجة مصادر القوة التي يستند إليها الخصم، وهو ما ظهر بوضوح في التباين بين تماسك القرار الحوثي وبين حالة الانقسام وإعادة التشكل التي عاشها المعسكر المناهض له. كما كشفت التطورات أن تعدد التحالفات البحرية، من "حارس الازدهار" إلى "أسبيدوس" والتحالف البحري الذي تسعى السعودية لتشكيله، لم يتحول حتى الآن إلى منظومة أمنية متكاملة قادرة على معالجة التهديد في مصدره، إذ تظل بعض هذه الترتيبات ذات طبيعة دفاعية ومحدودة التفويض.


محمد فوزي
باحث مصري في مركز سوث24 للأخبار والدراسات، خبير في شؤون الأمن الإقليمي

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا